{قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده} ولقد أحسن من شبه الدنيا بنهر طالوت، فمن اغترف منها غرفة بيد الزهد، وأقبل على ما يعينه من أمر آخرته، نجا، ومن أكب عليها، صدته عن التأهب لآخرته، وقلت سلامته إلا أن يتداركه الله.
في قوله: {ومن لم يطعمه}: سد الذرائع؛ لأن أدنى الذوق يدخل في لفظ: الطعم، فإذا وقع النهي عن الطعم، فلا سبيل إلى وقوع الشرب ممن يتجنب الطعم، ولهذه المبالغة لم يأت الكلام: ومن لم يشرب منه.
{تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات} قوله تعالى: {ورفع بعضهم درجات}: قال مجاهد وغيره: هي إشارة إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لأنه بعث إلى الناس كافة، وأعطي الخمس التي لم يعطها أحد قبله، وهو أعظم الناس أمة، وختم الله به النبوات إلى غير ذلك مما أعطاه من الخلق العظيم، ومن معجزاته، وباهر آياته.
{ وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله} وفي الآية تأويل آخر، وهو أنها شهادة من الله تعالى للصحابة أنهم إنما ينفقون ابتغاء وجه الله سبحانه، فهو خبر منه لهم فيه تفضيل
{والله لا يحب كل كفار أثيم} يقتضي الزجر للكفار المستحلين للربا، ووصف «الكفار» بـ «أثيم» إما مبالغة من حيث اختلف اللفظان، وإما ليذهب الاشتراك الذي في «كفار»، إذ قد يقع على الزارع الذي يستر الحب في الأرض.
وقوله تعالى: {أن تضل إحداهما ... الآية}: «أن» مفعول من أجله، والشهادة لم تقع لأن تضل إحداهما، وإنما وقع إشهاد امرأتين لأن تذكر إحداهما، إن ضلت الأخرى، قال سيبويه، وهذا كما تقول: أعددت هذه الخشبة أن يميل الحائط، فأدعمه، قال الن عطية: ولما كانت النفوس مستشرفة إلى معرفة أسباب الحوادث، قدم في هذه العبارة ذكر سبب الأمر المقصود إلى أن يخبر به، وهذا من أبرع الفصاحة إذ لو قال لك رجل: أعدت هذه الخشبة أن أدعم بها هذا الحائط، لقال السامع: ولم تدعم حائطا قائما، فيجب ذكر السبب، فيقال: إذا مال، فجاء في كلامهم تقديم السبب أخصر من هذه المحاورة.
{ شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم} وتكررت «لا إله إلا الله» هنا، وفائدة هذا التكرير الإعلام بأن المسلم يجب أن يكون أبدا في تكرير هذه الكلمة، فإن أشرف كلمة يذكرها الإنسان هي هذه الكلمة، وإذا كان في أكثر الأوقات مشتغلا بذكرها، وبتكريرها، كان مشتغلا بأعظم أنواع العبادات، فكان من التكرير في هذه الآية حض العباد على تكريرها.
{ويحذركم الله نفسه والله رؤف بالعباد} قوله تعالى: {والله رؤف بالعباد} يحتمل أن يكون إشارة إلى أن تحذيره رأفة منه سبحانه بعباده، ويحتمل أن يكون ابتداء إعلام بهذه الصفة، فمقتضى ذلك: التأنيس لئلا يفرط الوعيد على نفس مؤمن، فسبحانه ما أرحمه بعباده!. وعن منصور بن عمار أنه قال: أعقل الناس محسن خائف، وأجهل الناس مسيء آمن.