{أفنضرب عنكم الذكر صفحا} قال قتادة: والله لو كان هذا القرآن رفع حين رده أوائل هذه الأمة لهلكوا، ولكن الله عاد عليهم بعائدته ورحمته، فكرره عليهم عشرين سنة أو ما شاء الله.
{لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى} قيل: إنما استثنى الموتة الأولى وهي في الدنيا من موت في الجنة؛ لأن السعداء حين يموتون يصيرون بلطف إلى أسباب الجنة، يلقون الروح والريحان ويرون منازلهم في الجنة، فكان موتهم في الدنيا كأنهم في الجنة لاتصالهم بأسبابها ومشاهدتهم إياها.
{هو أعلم بما تفيضون فيه كفى به شهيدا بيني وبينكم وهو الغفور الرحيم} قال الزجاج: هذا دعاء لهم إلى التوبة، معناه: إن الله عز وجل غفور لمن تاب منكم رحيم به.
{حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريت} قال علي بن أبي طالب: الآية نزلت في أبي بكر، أسلم أبواه جميعا، ولم يجتمع لأحد من المهاجرين أبواه غيره، أوصاه الله بهما، ولزم ذلك من بعده. وكان أبو بكر صحب النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثماني عشرة سنة، والنبي صلى الله عليه وسلم ابن عشرين سنة، في تجارة إلى الشام، فلما بلغ أربعين سنة ونبيء النبي صلى الله عليه وسلم آمن به ودعا ربه فـ {قال رب أوزعني} ألهمني، {أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي} بالهداية والإيمان، {وأن أعمل صالحا ترضاه} قال ابن عباس: وأجابه الله عز وجل، فأعتق تسعة من المؤمنين يعذبون في الله ولم يرد شيئا من الخير إلا أعانه الله عليه، ودعا أيضا فقال: {وأصلح لي في ذريتي} فأجابه الله، فلم يكن له ولد إلا آمنوا جميعا، فاجتمع له إسلام أبويه وأولاده جميعا، فأدرك أبو قحافة النبي صلى الله عليه وسلم، وابنه أبو بكر وابنه عبد الرحمن بن أبي بكر وابن عبد الرحمن أبو عتيق كلهم أدركوا النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن ذلك لأحد من الصحابة
{فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين} فيه دليل على أنه صلى الله عليه وسلم كان مبعوثا إلى الجن والإنس جميعا. قال مقاتل: لم يبعث قبله نبي إلى الإنس والجن جميعا. واختلف العلماء في حكم مؤمني الجن، فقال قوم: ليس لهم ثواب إلا نجاتهم من النار، وتأولوا قوله: "يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم"، وإليه ذهب أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه.. وقال جرير عن الضحاك: الجن يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون.. وقال أرطاة بن المنذر: سألت ضمرة بن حبيب: هل للجن ثواب؟ قال: نعم، وقرأ: "لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان"، قال: فالإنسيات للإنس والجنيات للجن
{بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون} قال الزجاج: تأويله: لا يهلك مع رحمة الله وفضله إلا القوم الفاسقون، ولهذا قال قوم: ما في الرجاء لرحمة الله آية أقوى من هذه الآية.
{إنا فتحنا لك فتحا مبينا} قال الزهري: لم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية، وذلك أن المشركين اختلطوا بالمسلمين فسمعوا كلامهم فتمكن الإسلام في قلوبهم أسلم في ثلاث سنين خلق كثير، وكثر بهم سواد الإسلام.