{أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى} فإن قيل: كيف قال: "إلا أن يهدى"، والصنم لا يتصور أن يهتدي ولا أن يهدى؟ قيل: معنى الهداية في حق الأصنام الانتقال، أي: أنها لا تنتقل من مكان إلى مكان إلا أن تحمل وتنقل، يتبين به عجز الأصنام. وجواب آخر وهو: أن ذكر الهداية على وجه المجاز، وذلك أن المشركين لما اتخذوا الأصنام آلهة وأنزلوها منزلة من يسمع ويعقل عبر عنها بما يعبر عمن يعلم ويعقل، ووصفت بصفة من يعقل.
{قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات} فإن قيل: قد قال في سورة يونس: "فأتوا بسورة مثله"، وقد عجزوا عنه، فكيف قال: {فأتوا بعشر سور}، فهو كرجل يقول لآخر: أعطني درهما فيعجز، فيقول: أعطني عشرة؟. الجواب: قد قيل: سورة هود نزلت أولا. وأنكر المبرد هذا، وقال: بل نزلت سورة يونس أولا، وقال: معنى قوله في سورة يونس: "فأتوا بسورة مثله"، أي: مثله في الخبر عن الغيب والأحكام والوعد والوعيد، فعجزوا، فقال: لهم في سورة هود: إن عجزتم عن الإتيان بسورة مثله في الأخبار والأحكام والوعد والوعيد فأتوا بعشر سور مثله من غير خبر ولا وعد ولا وعيد، وإنما هي مجرد البلاغة.
{ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون} قال ابن عباس رضي الله عنهما: أخبر الله عز وجل أنه حال بين أهل الشرك وبين طاعته في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا قال: "ما كانوا يستطيعون السمع" وهو طاعته، وفي الآخرة قال: "فلا يستطيعون* خاشعة أبصارهم".
{ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها} قيل: إنما خص الناصية بالذكر؛ لأن العرب تستعمل ذلك إذا وصفت إنسانا بالذلة، فتقول: ناصية فلان بيد فلان، وكانوا إذا أسروا إنسانا وأرادوا إطلاقه والمن عليه جزوا ناصيته ليعتدوا بذلك فخرا عليه، فخاطبهم الله بما يعرفون.
{وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ} قال ابن زيد: أخبرنا الله تعالى بالذي يشاء لأهل الجنة، فقال: {عطاء غير مجذوذ} ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار
{فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير} قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية هي أشد عليه من هذه الآية، ولذلك قال: "شيبتني هود وأخواتها"