{وجعل لكم من الجبال أكنانا} قال عطاء الخراساني: إنما أنزل القرآن على قدر معرفتهم، فقال: وجعل لكم من الجبال أكنانا، وما جعل لهم من السهول أكثر وأعظم، ولكنهم كانوا أصحاب جبال كما قال: "ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها" لأنهم كانوا أصحاب وبر وشعر، وكما قال: "وينزل من السماء من جبال فيها من برد"، وما أنزل من الثلج أكثر، ولكنهم كانوا لا يعرفون الثلج، وقال: "تقيكم الحر" وما تقي من البرد أكثر، ولكنهم كانوا أصحاب حر.
{وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه} وقال أهل المعاني: أراد بالطائر ما قضى الله عليه أنه عامله وما هو صائر إليه من سعادة أو شقاوة سمي "طائرا" على عادة العرب فيما كانت تتفاءل وتتشاءم به من سوانح الطير وبوارحها. وقال أبو عبيدة والقتيبي: أراد بالطائر حظه من الخير والشر من قولهم: طار سهم فلان بكذا، وخص العنق من بين سائر الأعضاء، لأنه موضع القلائد والأطواق وغيرهما مما يزين أو يشين، فجرى كلام العرب بتشبيه الأشياء اللازمة إلى الأعناق.
{ومن الليل فتهجد به نافلة لك} وذهب قوم إلى أن الوجوب صار منسوخا في حقه كما في حق الأمة فصارت نافلة وهو قول مجاهد وقتادة لأن الله تعالى قال: "نافلة لك" ولم يقل عليك. فإن قيل: فما معنى التخصيص وهي زيادة في حق كافة المسلمين كما في حقه صلى الله عليه وسلم؟ قيل: التخصيص من حيث إن نوافل العباد كفارة لذنوبهم والنبي صلى الله عليه وسلم قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فكانت نوافله لا تعمل في كفارة الذنوب فتبقى له زيادة في رفع الدرجات
{وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا} قال قتادة: لم يجالس هذا القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة أو نقصان قضى الله الذي قضى: {شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا}.