قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلهِ النَّاسِ" إن قيل: لِم قدّم وصفه تعالى: "برب" ثم بـ"ملك" ثم بـ"إله"؟ فالجواب: أن هذا على الترتيب في الارتقاء إلى الأعلى؛ وذلك أن (الرب) قد يطلق على كثير من الناس، فيقال: فلان رب الدار، وشبه ذلك، فبدأ به لاشتراك معناه، وأما (الملك) فلا يوصف به إلا أحد من الناس، وهم الملوك، ولا شك أنهم أعلى من سائر الناس؛ فلذلك جاء به بعد الرب، وأما (الإله) فهو أعلى من الملك، ولذلك لا يدعي الملوك أنهم آلهة، فإنما الإله واحد لا شريك له ولا نظير؛ فلذلك ختم به.
الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ" إن قيل: لِم قال: "في صدور الناس" ولم يقل: في قلوب الناس؟ فالجواب: أن ذلك إشارة إلى عدم تمكن الوسوسة، وأنها غير حالّة في القلب بل هي محوّمة في صدور حول القلب.
"الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ" أربع جمل متناسقة تقرر اللاحقة منها السابقة، ولذلك لم يدخل العاطف بينها. فـ (الم): جملة دلت على أن المتحدى به هو المؤلف من جنس ما يركبون منه كلامهم، و(ذلِكَ الْكِتابُ): جملة ثانية مقررة لجهة التحدي، و(لا رَيْبَ فِيهِ): جملة ثالثة تشهد على كماله بأنه الكتاب المنعوت بغاية الكمال؛ إذ لا كمال أعلى مما للحق واليقين، و(هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) بما يقدر له مبتدأ جملة رابعة تؤكد كونه حقاً لا يحوم الشك حوله بأنه هُدىً لِلْمُتَّقِينَ، أو تستتبع السابقة منها اللاحقة استتباع الدليل للمدلول، وبيانه أنه لما نبه أولاً على إعجاز المتحدى به من حيث أنه من جنس كلامهم وقد عجزوا عن معارضته، استنتج منه أنه الكتاب البالغ حد الكمال واستلزم ذلك أن لا يتشبث الريب بأطرافه؛ إذ لا أنقص مما يعتريه الشك والشبهة، وما كان كذلك كان لا محالة هُدىً لِلْمُتَّقِينَ، وفي كل واحدة منها نكتة ذات جزالة؛ ففي الأولى: الحذف والرمز إلى المقصود مع التعليل، وفي الثانية: فخامة التعريف، وفي الثالثة: تأخير الظرف حذرا عن إبهام الباطل، وفي الرابعة: الحذف والتوصيف بالمصدر للمبالغة، وإيراده منكراً للتعظيم، وتخصيص الهُدى بالمتقين باعتبار الغاية، تسمية المشارف للتقوى متقياً، إيجازاً وتفخيما لشأنه.
7. "وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ" خاطبوا المؤمنين بالجملة الفعلية، والشياطين بالجملة الإسمية المؤكدة بإن؛ لأنهم قصدوا بالأولى: دعوى إحداث الإيمان، وبالثانية: تحقيق ثباتهم على ما كانوا عليه، ولأنه لم يكن لهم باعث من عقيدة وصدق رغبة فيما خاطبوا به المؤمنين، ولا توقع رواج ادعاء الكمال في الإيمان على المؤمنين من المهاجرين والأنصار، بخلاف ما قالوه مع الكفار.
"اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ"إنما استأنف ولم يعطف؛ ليدل على إن الله تعالى تولى مجازاتهم، ولم يحوج المؤمنين إلى أن يعارضوهم، وأنَّ استهزاءهم لا يؤبه به في مقابلة ما يفعل الله تعالى بهم، ولعله لم يقل: الله مستهزئ بهم ليطابق قولهم، إيماء بأن الاستهزاء يحدث حالاً فحالاً ويتجدد حيناً بعد حين، وهكذا كانت نكايات الله فيهم..
"فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ" لم يقل: بنارهم؛ لأنه المراد من أيقادها..وعدل عن الضوء الذي هو مقتضى اللفظ إلى النور، فإنه لو قيل: ذهب الله بضوئهم احتمل ذهابه بما في الضوء من الزيادة وبقاء ما يسمى نوراً، والغرض إزالة النور عنهم رأساً ألا ترى كيف قرر ذلك وأكده بقوله وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ.
"كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا" إنما قال مع الإضاءة كُلَّما ومع الإظلام إِذا لأنهم حراص على المشي، فكلما صادفوا منه فرصة انتهزوها ولا كذلك التوقف.
"يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ" لما عدد فرق المكلفين وذكر خواصهم ومصارف أمورهم، أقبل عليهم بالخطاب على سبيل الالتفات؛ هَزّاً للسامع وتنشيطاً له واهتماماً بأمر العبادة، وتفخيماً لشأنها، وجبراً لكلفة العبادة بلذة المخاطبة.