{فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} إنما قال: (موازينه) على الجمع؛ لأن (من) في معنى الجمع، ألا ترى أنه قال: {فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} بالجمع، وبعض المفسرين يذهب إلى أن الوزن يعود إلى الصحف التي فيها أعمال العباد.
{قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} قال ابن عباس: كانت الطاعة أولى بإبليس من القياس فعصى ربه، وقاس، وأول من قاس إبليس، فكفر بقياسه، فمن قاس الدين بشيء من رأيه، قرنه الله مع إبليس، وإنما كفر إبليس؛ لأنه قاس في مخالفة النص، وإنما يذم من القياس ما خالف النص.
{يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ} ولم يقل: ويغشي النهار الليل؛ لأن في الكلام دليلا عليه، وهذا كما قال: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ}، ولم يذكر البرد للعلم به.
{قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} لو كانت الرؤية لا تصح في وصف الله، ما سأل موسى ذلك؛ لأنه كان أعلم بالله من أن يسأل ما يستحيل في وصفه، وفي قوله: (لن تراني) دليل على جواز الرؤية؛ لأنه لو كان مستحيل الرؤية لقال: لا أُرى.
{قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي} اتخذتك صفوة برسالاتي وبكلامي يعني: تخصيصه بكلامه من غير واسطة، وذلك أن من أخذ العلم عن العالم المعظم، كان أجل رتبة ممن أخذه عن واحد أخذه عنه، كما تقول في الأسانيد إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإن أقربها إليه أعزها وأجلها.
{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا..} قال ابن زيد: كان هواه مع القوم، وهذه الآية هي أشد الآي على ذوي العلم، وذلك أن الله تعالى أخبر أنه أتاه آياته من اسمه الأعظم، والدعوات المستجابة والعلم والحكمة، فاستوجب بالسكون إلى الدنيا وإتباع الهوى تغيير النعمة عليه والانسلاخ منها، ومن الذي يسلم من هاتين الخلتين إلا من عصمه الله.