ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ" تأمل كيف جعل أصحاب اليمين ثلة من الأولين وثلة من الآخرين، بخلاف السابقين؛ فإنهم قليل في الآخرين؛ وذلك لأن السابقين في أول هذه الأمة أكثر منهم في آخرها؛ لفضيلة السلف الصالح، وأما أصحاب اليمين فكثير في أولها وآخرها.
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ" تحضيض على التذكير والاستدلال بالنشأة الأولى على النشأة الآخرة، وفي هذا دليل على صحة القياس.
"لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ" إن قيل: إن الإنسان لا يملك نفسه أن يفرح بالخير ويحزن للشر، فالجواب: أن النهي عن الفرح إنما هو عن الذي يقود إلى الكبر والطغيان، وعن الحزن الذي يخرج عن الصبر والتسليم.
ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ " لا تعارض بين هذه الآية وبين آية الأنفال؛ فإن آية الأنفال في حكم الغنيمة التي تؤخذ بالقتال وإيجاف الخيل والركاب، فهذا يخرج منه الخمس ويقسم باقية على الغانمين، وأما هذه الآية ففي حكم الفيء وهو ما يؤخذ من أموال الكفار من غير قتال ولا إيجاف خيل ولا ركاب.. وانظر كيف ذكر هنا لفظ الفيء وفي الأنفال لفظ الغنيمة وقد تقرر في الفقه الفرق بين الفيء والغنيمة، وأن حكمهما مختلف.
وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا" استدل بها عبد الله بن مسعود على: المنع من لبس المحرم المخيط، ولعن الواشمة والواصلة في (القرآن)؛ لورود ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ " إن قيل: كيف قال: "تبوؤا الدار والإيمان" وإنما تتبوّأ الدار، أي: تسكن ولا يتبوأ الإيمان؟ فالجواب من وجهين: الأول: أن معناه تبوؤا الدار وأخلصوا الإيمان، الثاني: أن المعنى: أنهم جعلوا الإيمان كأنه موطن لهم لتمكنهم فيه، كما جعلوا المدينة كذلك.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا (اتَّقُوا اللَّهَ) وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ (وَاتَّقُوا اللَّهَ)" إن قيل: لِم كرَّر الأمر بالتقوى؟ فالجواب من وجهين: أحدهما: أنه تأكيد، والآخر وهو الأحسن: أنه أمر أولاً بالتقوى استعداداً ليوم القيامة، ثم أمر به ثانياً؛ لأن الله خبير بما يعلمون، فلما اختلف الموجبات كرره مع كل واحد منهما.
إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ " قال الزمخشري: وإنما قال: "وودّوا" بلفظ الماضي بعد أن ذكر جواب الشرط بلفظ المضارع؛ لأنهم أرادوا كفركم قبل كل شيء.