{أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ} .. أما المقبوض عليه فنفيه من الأرض بالحبس والسجن؛ لأنه إذا سجن وضع من التقلب في البلاد، فقد نفي منها، أنشد ابن قتيبة، وابن الأنباري قول بعض المسجونين:
خرجنا من الدنيا ونحن مِنَ أهلها ... فلسنا من الأحياء فيها ولا الموتى
{فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} قيل: هم أبو بكر وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردة ومنكري الزكاة، وقال الحسن: لولا ما فعل أبو بكر لألحد الناس في الزكاة إلى يوم القيامة، وقال أبو بكر بن عياش: سمعت أبا حصين يقول: ما ولد لآدم في ذريته بعد النبيين مولود أفضل من أبي بكر، ولقد قام يوم الردة مقام نبي من الأنبياء.
{يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} لأن المنافقين كانوا يراقبون الكفار ويظاهرونهم، ويخافون لومهم، فأعلم الله أن الصحيح الإيمان لا يخاف في نصرة الدين بيده ولسانه لومة لائم.
{وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} قال الضحاك: ما في القرآن آية أخوف عندي من هذه الآية، أساء الله الثناء على الفريقين على اليهود وعلى العلماء بترك النكير عليهم فيما صنعوا، ودلت الآيتان على أن: تارك النهي عن المنكر بمنزلة مرتكبه.
{يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} قال الزجاج: بالغ الله تعالى في ذم هذه الأشياء فسماها رجسا، وأعلم أن الشيطان يسول ذلك لبني آدم، وقد قرن الله تعالى تحريم الخمر بتحريم عبادة الأوثان تغليظا وإبلاغا في النهي عن شربها.
{ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} قال ابن الأنباري: ذكر الله في هذه السورة غيوبا كثيرة من أخبار الأنبياء عليهم السلام وأتباعهم، وأشياء من أحوال المنافقين واليهود كانت مستورة عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمسلمين، فلما دل عليها قال: {ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ}.