وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ" يظهر لي أن هذه الآية إشارة إلى ذكر الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم؛ لأنه بدأ أولاً بصفات أبي بكر الصديق، ثم صفات عمر بن الخطاب، ثم صفات عثمان بن عفان، ثم صفات علي بن أبي طالب، فكونه جمع هذه الصفات، ورتبها على هذا الترتيب يدل على أنه قصد بها من اتصف بذلك.
فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ" هذا يدل على أن العفو عن الظلمة أفضل من الانتصار؛ لأنه ضمن الأجر في العفو، وذكر الانتصار بلفظ الإباحة في قوله: "ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل".
يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً" قدم الإناث اعتناء بهنّ وتأنيسا لمن وهبهن له. قال واثلة بن الأسقع: من يمن المرأة تبكيرها بأنثى قبل الذكر؛ لأن الله بدأ بالإناث.
ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ" إن قيل: أما كونه لم يكن يدري الكتاب فلا إشكال فيه، وأما الإيمان ففيه إشكال؛ لأن الأنبياء مؤمنون بالله قبل مبعثهم؟ فالجواب: أن الإيمان يحتوي على معارف كثيرة، وإنما كمل له معرفتها بعد بعثه، وقد كان مؤمنا بالله قبل ذلك، فالإيمان هنا يعني به كمال المعرفة، وهي التي حصلت له بالنبوة.
وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ" اعتراف بالحشر، فإن قيل: ما مناسبة هذا للركوب؟ فالجواب: أن راكب السفينة أو الدابة متعرض للهلاك بما يخاف من غرق السفينة، أو سقوطه عن الدابة، فأمر بذكر الحشر ليكون مستعداً للموت الذي قد يعرض له، وقيل: يذكر عند الركوب ركوب الجنازة.
وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ " من غفل عن ذكر الله يسّر الله له شيطاناً يكون له قريناً، فتلك عقوبة على الغفلة عن الذكر بتسليط الشيطان، كما أن من داوم على الذكر تباعد عنه الشيطان.
يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ (ثُمَّ) يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا " إنما عطفه (بثم)؛ لاستعظام الإصرار على الكفر، بعد سماعه آيات الله، واستبعاد ذلك في العقل والطبع.
كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى (كِتَابِهَا) الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * هَذَا (كِتَابُنَا)" إن قيل: كيف أضاف الكتاب تارة (إليهم) وتارة إلى (الله) تعالى؟ فالجواب: أنه أضافه إليهم؛ لأن أعمالهم ثابتة فيه، وأضافه إلى الله تعالى؛ لأنه مالكه، وأنه هو الذي أمر الملائكة أن يكتبوه.
وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً" أي: مدة حمله ورضاعه ثلاثون شهرا، وهذا لا يكون إلا بأن ينقص من أحد الطرفين، وذلك إما أن يكون مدة الحمل ستة أشهر ومدة الرضاع حولين كاملين، أو تكون مدة الحمل تسعة أشهر ومدة الرضاع حولين غير ثلاثة أشهر، ومن هذا أخذ علي بن أبي طالب رضي الله عنه والعلماء أن أقل مدة الحمل: ستة أشهر.