َلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها" يعني: حواء، فإن قيل: كيف عطف قوله: "ثم جعل" على "خلقكم" (بثم) التي تقتضي الترتيب والمهلة، ولا شك أن خلقة حواء كانت قبل خلقة بني آدم؟ فالجواب من ثلاثة أوجه: الأول وهو المختار: أن العطف إنما هو على معنى قوله: "واحدة" لا على خلقكم، كأنه قال: خلقكم من نفس كانت واحدة ثم خلق منها زوجها بعد وحدتها...
ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ" إن قيل: كيف تعدّي تلين بـــ (إلى)؟ فالجواب: أنه تضمن معنى فعل تعدى بإلى، كأنه قال: تميل أو تسكن أو تطمئن قلوبهم إلى ذكر الله.
تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ" إن قيل: لِم ذكرت الجلود أولاً وحدها، ثم ذكرت القلوب بعد ذلك معها؟ فالجواب: أنه لما قال أولاً: "تقشعر" ذكر الجلود وحدها؛ لأن القشعريرة من وصف الجلود لا من وصف غيرها، ولما قال ثانياً: "تلين" ذكر الجلود والقلوب؛ لأن اللين توصف به الجلود والقلوب: أما لين القلوب فهو ضدّ قسوتها، وأما لين الجلود فهو ضد قشعريرتها فاقشعرت أولاً من الخوف، ثم لانت بالرجاء.
وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ" قال الزمخشري: المراد بذلك تعظيم العذاب الذي يصيبهم، أي ظهر لهم من عذاب الله ما لم يكن في حسابهم، فهو كقوله في الوعد: "فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ".
وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا".." وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا" إنما قال في الجنة: "وفتحت أبوابها" (بالواو) وقال في النار: "فتحت" (بغير واو)؛ لأن أبواب الجنة كانت مفتحة قبل مجيء أهلها، والمعنى حتى إذا جاؤها وأبوابها مفتحة، فالواو واو الحال، وأما أبواب النار، فإنها فتحت حين جاءوها.
الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ " إن قيل: ما فائدة قوله: "ويؤمنون به"، ومعلوم أن حملة العرش ومن حوله يؤمنون بالله؟ فالجواب: أن ذلك إظهار لفضيلة الإيمان وشرفه.
وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً" أصل الكلام: وسعت رحمتك وعلمك كل شيء، فالسعة في المعنى مسندة إلى الرحمة والعلم، وإنما أسندتا إلى الله تعالى في اللفظ لقصد المبالغة في وصف الله تعالى بهما، كأن ذاته رحمة وعلم واسعان كل شيء.
وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى" يظهر من قوله: "ذروني" أنه كان في الناس من ينازعه في قتل موسى، وذلك يدل على أن فرعون كان قد اضطرب أمره بظهور معجزات موسى.
وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ" إنما قال: "بعض" ولم يقل: كل، مع أن الذي يصيبهم هو كل ما يعدهم؛ ليلاطفهم في الكلام، ويبعد عن التعصب لموسى، ويظهر النصيحة لفرعون وقومه، فيرتجى إجابتهم للحق.