{وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ} يخونونها بالمعصية، والعاصي خائن؛ لأنه مؤتمن على دينه، وقد صرحت الآية بالنهي عن المجادلة عن الظالمين، ألا ترى أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد جادل عن طعمة على غير بصيرة فعاتبه الله بهذا، وأمره بالاستغفار، ونهاه عن المعاودة إلى مثله، فما ظنك بمن يعلم ظلم الظالم ثم يستجيز معاونته؟
{فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ} هذا يدل على أن من رضي بمنكر يراه خالط أهله، كان في الإثم بمنزلة المباشر، وقد ورد النهي في هذه الآية عن القعود مع الذين يخوضون في آيات الله بالباطل، فلا يجوز القعود عند من يتكلم في القرآن وتفسيره بالباطل.
{ولا يذكرون الله إلا قليلا} قال الحسن: إنما قلّ ذلك لأنهم يعملونه رياء، ولو أرادوا به وجه الله لكان كثيرا. وقال قتادة: إنما قلّ؛ لأن الله لم يقبله، وما رد الله فهو قليل وما قبله فهو كثير.
{إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين} ولم يقل: فأولئك المؤمنون، أو: من المؤمنين؛ غيظا عليهم، ثم أوقع أجر المؤمنين في التسويف لانضمام المنافقين إليهم، فقال: {وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما}.
{وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} قال محمد بن كعب: وكنت إذا سمعت الحديث من رجل من أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التمسته في القرآن، فالتمست هذا فوجدته: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ}، فعلمت أن الله لم يتم النعمة عليه حتى غفر ذنوبه، ثم قرأت الآية التي في سورة المائدة: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} حتى بلغت {وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ}، فعرفت أن الله لم يتم عليهم النعمة حتى غفر لهم.