﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾:
من دقة البيان في القرآن الكريم قوله تعالى (هو الذي يسيركم في البر والبحر) فلم يقل في الأرض والبحر، لأن البر يقابل البحر، فاليابسه تقابل الماء، ولأن الأرض أعم من البر، فالأرض تشمل البر والبحر. وهذه دقة إعجاز في ألفاظ القرآن الكريم.
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾:
ثلاث قوى ينصلح بها حال المؤمن. ويأتيه بها الخير؛ قال تعالى: (إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين):
• فالأولى: المسارعة في فعل الخيرات.
• والثانية: الدعاء المتضمن للرجاء أن يحقق الله المطالب. مع الخوف من المنع، والعقاب.
• والثالثة: الخشوع. أي متذللين متضرعين.
﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾:
من دلالات المعاني: أن الإحسان أعم من الإنعام؛ وهو فوق العدل. بل تجاوز ذلك إلى المبالغة في الإكرام. فتأمل قوله تعالى في الوصية بالوالدين (وبالوالدين إحسانا) فالعدل واجب وأما الإحسان فهو تجاوز العدل إلى المبالغة في الإكرام فأصبح الإحسان في حق الوالدين واجب. حيث انتقل من التفضل إلى الوجوب بأمر الله تعالى وبما يصل إلى أقصى ما يمكن(وبالوالدين إحسانا) مما يبين أن حقوق الوالدين تتعالى بالمبالغة في كمال أدائها. دون حدود محدودة لكمالها وفي هذا بيان لأخلاق الإسلام وهديه في بر الوالدين وهذا من كمال الدين وأخلاقه. ومن رحمة الله تعالى وبركاته.
﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾:
فالبروج تشمل منازل الشمس والقمر، وتشمل بروج السنة: الحمل والثور والجوزاء .. وكذلك تعني البروج: الظهور والبروز بهيئتها وجمالها. ومنه تبرج المرأة، أي: إظهار زينتها فهي بروج باعتبار منازلها، فهي بروج باعتبار منازلها وبروج باعتبار ظهورها وبروزها وبروج باعتبار ما ينتج عن حركة منازلها فاتسع اسمها لمقاصدها ليتكامل البيان مع مقاصده وغايته .. (وزيناها للناظرين) فقد زينها الله تعالى بأشكالها وبريقها وأحجامها وحركتها لمن ينظر إليها، فتشد البصر إليها تأملا واستمتاعا وإدراكا بأن لهذا الخلق خالق عظيم، لا يستحق أن يُعبد إلا هو وحده لا شريك له. ووجوب طاعته وطاعة رسوله (ﷺ).
﴿وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ﴾:
من بلاغة البيان الاستغناء بالوصف عن الموصوف (ورزقكم من الطيبات) فاستغنى بالطيبات عن ذكر الموصوف التي هي كل ما تطيب به النفس من المطعوم والمشروب ففي ذلك إثبات أن ما قدمه لكم ربكم تبارك وتعالى من الرزق قد استحوذ على صفة الطيبات حتى أصبح ذلك اسم له. فلا يدل على خلافه أبدا.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾:
من محاسن تعاضد الألفاظ قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ) فكلمة (كُونُوا) أمرٌ من الله تعالى أن يبلغ منهم العدل مبلغ الثبات والمواظبة، وكلمة (قَوَّامين) تدل على التكثير والتكرار حتى يصبح العدل صفة راسخة ثابته في الأمة؛ وهذا من تجانس وتعاضد لفظتي (كُونُوا) ولفظة (قَوَّامِينَ) ليؤكدا وجوب العدل. كما أن في ذلك لفتة تربوية: من أن ذلك السلوك يحصل ويثبت بالمداومة والتكرار، وتحري إقامته في كل أمر. مثل قوله (ﷺ): (لا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا)، ولفظة (قَوَّامِينَ) تفيد المبالغة في القيام بالعدل الذي يقتضي التَّكَلّف والتحري والتدقيق لتحصيل كماله. مما يفيد أهمية العدل وعناية القرآن به، والحث عليه بأدق المعاني والمقاصد.
﴿انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾:
أوجه كلمة (انظر) من قوله تعالى (انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون) فيها نظر التأمل والتفكر في عظمة البيان والحجج من الله تعالى والتعجب من حالهم تجاه عدم تجاوبهم مع تلك الآيات الباهرات وتعجب استنكار من هذا الإعراض وفيها الأمر بالتعرف على الآيات وقوة بيانها، وانصرافهم عنها ففي ذلك بيان لرحمة الله تعالى بتصريف الآيات، ومع ذلك يكابرون ويعاندون. مما يدل على أن الكبر يجعل المتكبر يتعالى على الحق. ولا يعترف به جحود تكبر. فتأمل الخير العظيم في أوجز بيان.
﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾:
من فوائد العلاقة بين العبادة وعطاء الله تعالى؛ أن زكريا كلما دخل على مريم المحراب وجد عندها رزقا. فكان ذلك مثار تعجب. فاستحثه واستجاشه هذا الأمر الباهر وسأل مريم. فأجابته أنه من عند الله تعالى فيبتهل إلى الله تعالى بالدعاء فتأتيه البشارة بولده يحي وهو قائم يصلي في المحراب مما يفيد فضل الْمُصَلّى وفضل الصلاة التي أصبح المكان بها فاضلا. كما يفيد عِظم الصلاة وبركتها ومحبة الله تعالى للمصلي وللصلاة. ولذلك قال (ﷺ): (وقُرَّةُ عيني في الصلاةِ)، وقال (ﷺ): لمن رغب في معيته بالجنة (أعني بكثرة السجود).
﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ • ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾:
الدلالة اللغوية والبيانية لمعنى الحد: تارة تدخل فيه فتكون منه. وتارة لا تدخل فيه، فتكون حاجزا بين الشيئين فبالاعتبار الأول: قوله تعالى (فتلك حدود الله فلا تعتدوها) فنهى عن تعديها وتخطيها. لأنها داخلة فيه وبالاعتبار الثاني (تلك حدود الله فلا تقربوها) فلا تصلوها بالاقتراب منها، جاءت (فلا تعتدوها) فيما كان حلالا، أي فلا تتجاوزوها بتعديها، فتوقفوا عندها. وجاءت(فلا تقربوها) فيما كان حراما، فلا تقتربوا منها؛ حتى لا تصلوا إليها، فقد يُوقع الاستهواء في الحرام وهذه من دقائق توظيف الكلام الذي يبين أن عمق الدلالة البيانية يكون في موطن استخدامها. فكا إعجازا بيانيا.
﴿لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا﴾:
من تعظيم مقام النبي (ﷺ) قوله تعالى: (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا) لا تكن مخاطبتكم للنبي (ﷺ) كما تخاطبون بعضكم بعضا. بل يجب أن تكون بالتوقير والحفاوة فيجب أن تقولوا: نبي الله. رسول الله. قال بذلك: سعيد بن جبير. وعلقمة. والأسود. ومجاهد وقتادة، اللهم صل على نبينا محمد.