﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾:
إنّ الله حين يتولاك، ولايته تهد الجبال، تلين الحديد، تسوق إلى قدميك ما كان مستحيلًا.
﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾:
إنّما أنت تتقلّب في غاية أمنيات غيرك، فاحمد الله .. فكم من جائعٍ غاية أمانيه كسرة خبز، وكم من عارٍ غايته لباسٌ للستر، وكم من شَريد يرجو مسكنًا يؤيه من الذُّل .. فتلمّس بحر النِّعم التي وهبك الله ولا تغفل.
﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾:
لأنه يسمع ويرى! يسمع أنّاتك داخلك، يرى مجاهدات روحك لاستقامتها، يرى طهارة ونقاء صدرك، يعلم كم من دمعةٍ حبستها، كم من إساءةٍ غضضتَ الطرف عنها فمضت مخلِّفة آثارها في قلبك، كم من حزن آلمك و كتمته .. لأنه الله، لا تبتئس .. إنّ الذي قدّر لك الحياة بأتعابها سيجازيك.
﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾:
قال السعدي رحمه الله: وتأمل كيف لما ضرب الله مثل الدنيا وحالها واضمحلالها ذكر أن الذي فيها نوعان: نوعٌ من زينتها يتمتع به قليلا، ثم يزول بلا فائدة تعود لصاحبه، بل ربما لحقته مضرّته وهو المال والبنون، ونوع يبقى لصاحبه على الدوام، وهي الباقيات الصالحات.
﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ﴾:
(إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا) الذي أوردناه على أهل دار النعيم (مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ) أي: انقطاع، بل هو دائم مستقر في جميع الأوقات، متزايد في جميع الآنات. وليس هذا بعظيم على الرب الكريم، الرءوف الرحيم، البر الجواد، الواسع الغني، الحميد اللطيف الرحمن، الملك الديان، الجليل الجميل المنان، ذي الفضل الباهر، والكرم المتواتر، الذي لا تحصى نعمه، ولا يحاط ببعض بره.
﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾:
إذا خلدتَ إلى فراشك الليلة، ونظرت إلى الأعلى فتنبّهت إلى نعمة السقف، فاربط على قلبك بقلب أعرَف الخلق بالله (ﷺ) وقُل: الحمدلله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا، فكم ممّن لا كافي له ولا مؤوي. ربّ كما أنعمتَ علينا بغير استحقاق، فأنعِم على مَن أضحوا في الطرقات.
﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾:
كلّ أمر، فلا يخرج أمرٌ عن تدبيره! أمر العالم أجمع، ولا يشغله تدبير عن تدبير، ينقل الخلق من حال إلى حال، ومن مبتدأ إلى أحسن مآل .. حتى أمرك وشأنك يدبره بعلمه الكامل، يدبره بحكمته البالغة، يدبره بقدرته التامة.