﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾
كل خطوة وكل عثـرة وكل قفـزة وكل ثغـرة تُجاهد فيـها - من أجل الله وكتـابه - لن تغادرك بركتـها ما حييت، ومَضيت وتوليت، فمن أقبل علىٰ الله أقبل البِشْرُ إليه مُذعنًا.
﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾
تُؤذيه الكلمة الجارحة، ويضيقُ صدره بالقول السّيّء، وهو نبيٌ! فما بالك بمن هم دونه فسلاماً، ثم سلاماً، ثم سلاماً، على الذين يختارون كلماتهم، كما يختارون ملابسهم، لأنهم يعرفون أن الكلام أناقة أيضاً!
﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾
الآية نزلتْ في الصحابة في غزوة تبوك. الغزوة الأصعب بين غزوات النبي (ﷺ)، فهي الغزوة الأبعد مسافةً، والطقس يومها صيف، والحر شديد، والصحراء لظى، وسُمي جيشها بجيش العسرة، لأنه لم يكن هناك مال لتجهيز الجيش، ومع ذلك سمى الله تعالى كل هذه المشقة: ساعة العسرة!، الوقت يمضي سريعـاً، والأيام تتبدل كأنها الريح ولا يبقى من الطاعة إلا أجرها، ولا يبقى من المعصية إلا وزرها، وقد كانوا يتواصون في الشدائد: إنما هي أيام تمضي والموعد الجنّة!
﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾
الشكوى إلى النّاس مجلبة للشفقة، والشكوى إلى الله مجلبة للرحمة، لا يشكو الضعيف لضعيف مثله، وكل النّاس ضعفاء! ولا يشكو الفقير لفقير مثله، وكلّ النّاس فقراء! الضعيف يلوذُ بالقوي، ولا أقوى من الله!، والفقير يلوذُ بالغني، ولا أغنى من الله!، عِشْ ضعفكَ كاملاَ أمام الله: ابكِ، واشكُ، وتذلّل، واطُلبْ، أمّا مع الناس فارفعْ رأسكَ، وعُضَّ على جرحك، نظرات الشفقة في عيون النّاس، كسرٌ آخر والاتّكاء على أكتاف النّاس، عرجٌ آخر!
﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ﴾
لا تنتظِرْ الثناء على كل خيرٍ تفعله، ولا تبحثْ عن التّصفيق على كلّ عملٍ بطوليّ، عِشْ بقلبٍ أبيض، ساعِدْ من يحتاج المساعدة، وواسِ من يحتاج المواساة، أقمْ متعثراً، وانصُر ضعيفاً، اجعل فعل الخير عادةً فيك كالتنفس، إذا تصدقتَ، فأشِحْ بنظركَ سريعاً، كي لا ترى انكسار الفقير أمام عينيك!، وما أنبل موسى عليه السّلام حين قَّدم يد المساعدة ثم مضى، فأثابه الله بما هو أجمل من كلمة شكر، تذكّر دوماً أنّك تتعامل مع الكريم!.
﴿عَسَى رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِّنْهَا﴾
أطفِىْ بهذه الآية نار حسرتكَ على كل فرصةٍ ضاعتْ، وعلى كل وظيفة خسرتها، وعلى كل حبيبٍ أفلتَ يدكَ في منتصف الطريق، وعلى كل صديقٍ حسبت أنَّ له وجهاً جميلاً، فلم يكن هذا إلا قناعاً لذئب جارح! ما أخذه الله منكَ فلحكمةٍ، وما تركه لكَ فلرحمةٍ، فإنْ علمتَ الحكمة، فاشْكُرْ! وإن جهلتها، فاصْبِر! أقدار اللهِ كلها خير وإن أوجعتكَ!.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾
يا الله: إني لا أُصلّي لك كما يليق بك، ولا أصوم كما كان يفعلُ داود، ولا أصبر إذا مرضتُ كما صبر أيوب، ولا أُسبّح بحمدك تسبيح يونس في بطن الحوت، ولا آخذ ديني بقوة كيحيى، ولا أغضُ بصري كما غضّ يوسف كل جوارحه، ولستُ متسامحاً لحد القول: اذهبوا فأنتم الطلقاء، ولكني مثلهم يا الله أحبك!
﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ﴾
ألطاف الله تجري ونحن لا ندري، وفي كل شر يقع بنا، خير سنكتشفه لاحقاً!، السفينة في سورة الكهف لو لم تُثقب لأخذها الملكُ غصباً، وخسر الفقراء مصدر رزقهم!، والغلام لو لم يُقتل، لشقيَ وأشقى والديه!، حتى الجدار؛ لو لم يُقَم لضاع حق اليتيمين!، ثقوا بالله، فربُّ الخير لا يأتي إلا بخير!.
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً﴾
بالأمس بلد سياحي، واليوم ساحة حرب. تخيفني آية (فتحنا عليهم أبواب كلّ شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة) فلا أمان من مكر الله، ولا سبيل لبقاء الديار إلا بالإصلاح، والبعد عن غضب الجبار.