(اهدنا الصراط المستقيم)
الصراط لغة: الطريق
والمقصود هنا: الإسلام.
استعير الصراط المستقيم للإسلام؛ لأنه المنهج القويم الذي يهدي إلى جنات النعيم. كمن يسلك الطريق المستقيم فلا يضل،وقد قال الله:(وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله)
(اهدنا الصراط المستقيم)
جاء الدعاء بصيغة الأمر، والأصل في الأمر الإيجاب، لكن العبد لا يملك في خطاب الله إلزامًا وإيجابًا، إلا أن العبد الضعيف، الخاضع للرب، الذليل بين يديه، يُظهر بهذه الصيغة الجازمة العزيمةَ في المسألة والرغبة العظيمة في الاستجابة لمطلوبه.
(اهدنا الصراط المستقيم)
إذا كان القارئ المؤمن مهتديا للإيمان؛ فلم طلب الهداية؟
ج:
الهداية هدايات:
هداية إلى الصراط،
وهداية في الصراط،
وهداية إلى الثبات على الصراط،
وهداية إلى غاية الصراط.
فهو دعاء بالهداية، والثبات عليها، واجتناب ما يضل عنها.
والله أعلم.
(اهدنا الصراط المستقيم)
اقتصر من الدعاء على طلب الهداية؛ فلماذا؟
لعله لكون السورة جاءت فاتحة للقرآن، والقرآن هو الطريق الذي جاء به النبي موصلاً إلى الهداية، ولذا كان أول ما بدئت به البقرة وصف القرآن بالهداية: (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين)
(صراط الذين أنعمت عليهم)
بدل من "الصراط المستقيم"
أُجمل أولاً، ثم فصل ووضح؛ فصار بالبدل تكرار.
وبالإجمال يحصل التشويق إلى الإيضاح والتفصيل، وبالتكرار يحصل التأكيد؛ فيتقرر بهما المعنى في النفس.
(صراط الذين أنعمت عليهم)
ذِكر المنعِم جل جلاله فيه إكرام لهم وتشريف
وأجمل المنعَم عليهم،وذكرهم بالاسم الموصول وصلته؛ لمعرفتهم، وقد بينهم في موضع آخر: (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسُن أولئك رفيقا)
صراط الذين أنعمت عليهم)
ذكر الإنعام والمنعِم والمنعَم عليهم، ولم يذكر المنعَم به؛ لأن السورة بنيت على الإجمال، ولتذهب النفس كل مذهب في تخيل هذا الإنعام من الرب المنعم جل جلاله، بدءًا من الهداية إلى الصراط المستقيم وانتهاء بحسن الجزاء يوم الدين
التعبير بـ(عليهم) يصوّر هذا الإنعام وقد عمّهم وتغشاهم وأحاط بهم.
جعلنا الله منهم.
(غير المغضوب عليهم ولا الضالين)
هم اليهود الذين علموا الحق فلم يعملوا به، والنصارى الذين عملوا من غير اتباع للحق، وهكذا كل من سلك سبلهم في الضلال عن الحق والعمل به.
وأما من هداه الله إلى الصراط المستقبم فإنه يعلم الحق ويتبعه؛ فيسلم من الغضب والضلال.
كرر النفي مع الضالين تأكيدًا له، ولبيان أن كل وصف تختص به طائفة، فالغضب خص به اليهود كما قال عنهم: (وباؤوا بغضب على غضب)، والضلال للنصارى كما قال عنهم: (قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرًا وضلوا عن سواء السبيل). وهكذا من سلك سبلهم.
في الإنعام أسند الفعل إلى الله، وفي الغضب بني الاسم للمفعول.
وهذا من أدب القرآن في إسناد بعض الأفعال التي هي من قضائه.
كما أن الغضب على هؤلاء يحصل من الله ومن ملائكته وأوليائه.
أما الإنعام فمنه وحده:(وما بكم من نعمة فمن الله)
في الدنيا صراط مستقيم وعلى جنباته سبل الضلال، وفي الآخرة صراط على جهنم في جنباته كلاليب.
وعلى قدر السير والثبات على الصراط في الدنيا يكون السير والثبات على صراط الآخرة.
وعلى قدر تخطف سبل الضلال في الدنيا تتخطفك كلاليب جهنم.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "هو الرجل يصوم ويصلي ويتصدق، ويخاف أنْ لا يُقْبل مِنْه".
وقال الحسن: لقد أدركت أقوامًا كانوا من حسناتهم أن ترد عليهم أشفق منكم على سيئاتكم أن تعذبوا عليها.
(وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ)
"قال لي أبو بكر الفهري: متى اجتمع لك أمران، أحدهما للدنيا، والآخر لله؛ فقدم ما لله؛ فإنهما يحصلان لك جميعًا. وإن قدمت الدنيا ربما فاتا معًا، وربما حصل حظ الدنيا ولم يبارك لك فيه.
ولقد جربته فوجدته".
(ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ)
أحكام القرآن لابن العربي