الفكر هو مبدأ أي عمل؛ فالإنسان إنما يعمل -عادة- بعد أن يجيل فكره، وبعد أن ينظر، ثم بعد ذلك يقدم على العمل: (وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) ، فبعد أن تفكروا عملوا؛ فسألوا الله الجنة، واستعاذوا به من النار.
(وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ والأرحامَ) قرن الله الأمر بتقواه بالأمر ببر الأرحام والنهي عن قطيعتها؛ ليؤكد هذا الحق، وأنه كما يلزم القيام بحق الله، كذلك يجب القيام بحقوق الخلق، خصوصًا الأقربين منهم، بل القيام بحقوقهم هو من حق الله الذي أمر به.
لما ذكر الله قوامة الرجل على المرأة، وحق الزوج في تأديب امرأته الناشز، ختم الآية بقوله: (إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا)، فذكر بعلوه وكبريائه ترهيبًا للرجال؛ لئلا يعتدوا على النساء، ويتعدوا حدود الله التي أمر بها.
وكل شيء في القرآن تظن فيه التناقض -فيما يبدو لك- فتدبره حتى يتبين لك؛ لقوله تعالى: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا) ، فإن لم يتبين لك، فعليك بطريق الراسخين في العلم الذين يقولون: (آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ) (آل عمران:7)، واعلم أن القصور في علمك، أو في فهمك.
سؤال الموؤدة لا يعارض الآيات النافية السؤال عن الذنب؛ لأنها سئلت عن أي ذنب كان قتلها؟ وهذا ليس من ذنبها، والمراد بسؤالها هنا توبيخ قاتلها وتقريعه؛ لأنها تقول: لا ذنب لي، فيرجع اللوم على من قتلها ظلمًا.
قال سلمان الفارسي: «الصلاة مكيال، من وفَّى، وُفِّي له، ومن طفف، فقد علمتم ما قال الله في المطففين»، وهذا من عمق علم السلف بالقرآن، حيث عمَّم معنى الوعيد الوارد في قوله تعالى: (وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ)، ولم يقصره على التطفيف في البيع والشراء فحسب.
قال حذيفة بن اليمان: القلب مثل الكف، فيذنب الذنب فينقبض منه، ثم يذنب الذنب فينقبض منه؛ حتى يجتمع، فإذا اجتمع طبع عليه، فإذا سمع خيرًا دخل في أذنيه؛ حتى يأتي القلب فلا يجد فيه مدخلًا، فذلك قوله: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ).
قال الشافعي: في هذه الآية دليل على أن المؤمنين يرونه يومئذ.
فعلق ابن كثير على كلمة الشافعي قائلًا: وهذا الذي قاله الإمام الشافعي في غاية الحسن، وهو استدلال بمفهوم هذه الآية، كما دل عليه منطوق قوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ " إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)