لأنَّ كلَّ داءٍ يُداوى بضده، فهذا القميص -لما كان فيه أثر ريح يوسف، الذي أودع قلب أبيه من الحزن والشوق ما الله به عليم- أراد أن يشمَّه؛ فترجع إليه روحه، وتتراجع إليه نفسه، ويرجع إليه بصره.
تَدرُّجٌ من القلة إلى الكثرة، ومن الأفضل إلى الفاضل؛ إذ قدم ذكر (الله) على (الرَّسُولَ ) ورتب السعداء من الخلق بحسب تفاضلهم كما تدرج من القلة إلى الكثرة، فبدأ بالنبيين وهم أقل الخلق عددًا، ثم الصديقين وهم أكثر، فكل صنف أكثر من الذي قبله.
"(وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ) ما أعظم وفاء يوسف مع أبويه فحين مكنه الله، رفعهما على سرير ملكه، وأظهر لهما التقدير والاحترام!
إنها رسالة لكل من آتاه الله مكانةً وعلمًا وغنى، أن يرد الجميل لوالديه، وأن يرفعهما حسًا ومعنى.
"
إياك أن تغتر بما يغتر به الجاهلون، فإنهم يقولون: لو كان هؤلاء على حق لم يكونوا أقل الناس عددا والناس على خلافهم! فاعلم أن هؤلاء هم الناس، ومن خالفهم فمُشَبَّهون بالناس وليسوا بناس، فما الناس إلا أهل الحق وإن كانوا أقلهم عددا: (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ).
(قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) (يوسف: ١٠٨) الداعية الناجح هو الذي يعتني بالدليل، ويصبر على الأذى، ويبذل وسعه في الدعوة إلى الله مهما تنوَّعت الإغراءات، ومهما تلوَّع من التعب!
ذكر الولدان تكميلًا للاستعطاف، وتنبيهًا على تناهي ظلم المشركين بحيث بلغ أذاهم للصبيان، وفيه دلالة على إجابة دعائهم، واقتراب الخلاص؛ لما فيه من التضرُّع لله.
من الخطأ أن يبرر البعض ترك القيام بالدعوة استدلالًا بهذه الآية: (فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى) دون النظر في الآية الأخرى: (ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ). فالدعوة نافعة حالًا أو مآلًا، لكن قد تطرأ أسباب يكون من الحكمة تأخير التذكير لعارض، وبهذا نجمع بين الآيتين.
سمى الله الإنسان ضعيفًا، وقال عن كيد الشيطان: (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) والضعيفان إذا اقتتلا، ولم يكن لواحد منهما مُعين، لم يظفر بصاحبه؛ فأمر الله الإنسان الضعيف أن يستعين بالرب اللطيف من كيد الشيطان الضعيف؛ ليعصمه منه ويعينه عليه.