هل يسرك أن يعلم الناس ما في صدرك - مما تحرص على كتمانه ولا تحب نسبته إليك -؟! قطعًا لا تحب، بل ستتبرأ منه لو ظهر. إذن قف مع هذه الآية متدبرًا، وتأمل ذلك المشهد العظيم: (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ)، (وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ)، أتريد النجاة من هذا كله؟ إذن حاول أن تأتي ربك كما أتى الخليل ربه تعالى: (إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)، وهنا؟ «لن ترى ما يسوؤك!».
وعدل عن قول: (واستغفرت لهم) إلى: (وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ)؛ لأن في هذا الالتفات بيان تعظيم استغفاره، وأنهم سينالون شفاعته لأنه رسول، وفي ذلك تنويه بمكانة الرسالة التي جاء بها.
إذا استحكمت الأزمات وتعقدت حبالها، وترادفت الضوائق وطال ليلها، فالصبر وحده هو الذي يشع للمسلم النور العاصم من التخبط، ولك الأسوة في نبي الله يعقوب، لما توالت عليه المحن قال: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ).
وإذا كان توقف القلب عن الرضا بحكم الرسول يخرج عن الإيمان، كما قال تعالى: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا) فكيف يصح الإيمان مع الاعتراض على الله تعالى؟
"قال ابن الجوزي في قوله تعالى: (يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ) هذا لفظ الشكوى، فأين الصبر الذي مدح به يعقوب؟
أحدهما: أنه شكا إلى الله لا منه، والثاني: أنه أراد به الدعاء، فالمعنى يا رب ارحم أسفي على يوسف.
قال ابن الأنباري: الحزن ونفور النفوس من المكروه والبلاء لا عيب فيه، ولا مأثم إذا لم ينطق اللسان بكلام مؤثم، ولم يشتك من ربه، فلما كان قوله: (يَا أَسَفَى) شكوى إلى ربه، كان غير ملوم.
"
معالجة الأمور العظيمة وحل المشكلات العويصة يحتاج إلى رفق وأناة وبعد نظر: (اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ) و (وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا) (الكهف:١٩) بخلاف ما درج عليه كثير من الناس.
(وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا) (النساء:٦٦) تدبُّر القرآن يزيد في علوم الإيمان وشواهده، ويقوي الإرادة القلبيَّة، ويحث على أعمال القلوب من التوكل والإخلاص والتعلق بالله
(لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ)، (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا) (النور:٢٢) في الإحسان إلى المسيء شرف الاتصاف بصفات الخالق؛ إذ يجعلون له الصاحبة والولد، وهو يعافيهم ويرزقهم! وفيه فطام للمسيء عن إساءته، وتعريف له بقبح ظلمه.