استدل على تفضيل النكاح على التخلي لنوافل العبادة بأن الله تعالى اختار النكاح لرسله، فقال: (وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً) واقتطع من زمن كليمه موسى عشر سنين في رعاية الغنم مهرًا لزواجه، واختار لنبيه - صلى الله عليه وسلم - أفضل الأشياء فزوجه تسعًا فأكثر، ولا هدي فوق هديه.
تدبر قوله تعالى: (وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ)، حيث قال: (لَهُمُ) مما يدل على أن الإمام ينبغي أن يعتني بصلاته أكثر، ويعتني بحال المأمومين؛ لأنه لا يصلي لنفسه، بل يصلي لمن خلفه من المأمومين أيضا.
الاستغفار بعد الفراغ من العبادة هو شأن الصالحين، فالخليل وابنه قالا -بعد بناء البيت -: (وَتُبْ عَلَيْنَا) ، وأمرنا به عند الانتهاء من الصلاة: (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُواْ اللّهَ)، وبينت السنة أنه البدء بالاستغفار، وكذا أمرنا به بعد الإفاضة من عرفة، فما أحوجنا إلى تذكر منة الله علينا بالتوفيق للعبادة، واستشعار تقصيرنا الذي يدفعنا للاستغفار.
لما أعلن فرعون إيمانه عند الغرق، قيل له: (آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ) فتأمل كيف نص على ذكر الإفساد دون غيره من معاصيه؛ وما ذاك -والله أعلم- إلا لشناعة نشر الفساد في الأرض، وعظيم تأثيره على أديان الناس ودنياهم وأخلاقهم وحقوقهم، فويل للمفسدين!
(وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ) كأنَّ الله يقول لهم: لا ينبغي أن يكون خصومكم -وهم أشياع الباطل- أصبرَ على الآلام، وأثبتَ على مواقف الأخطار منكم، وأنتم حماة الحق!
النوم منة عظيمة من الله على عباده، ومن المعروف علميًا أنه إذا كان مكان النوم أكثر هدوءا، أصبح أعظم أثرا؛ فوقفت متدبرا لقوله تعالى: (فَضَرَبْنَا عَلَى آَذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا) (الكهف: ١١) ولم يقل: (قلوبهم) أو (أعينهم)، حيث أثبت لي كثيرون: أن سد الأذنين يعطي نومًا أسرع وأعمق دون تقطع.
من الناس من يسمع الآيات ويقول: هذه الآية نزلت في الكافرين أو المنافقين، لا في أمثالي من المؤمنين، وإن كان مُتَّصِفًا بما تنهى عنه، وتتوعد عليه من صفاتهم وأعمالهم؛ فصاحبُها يصدق عليه بوجهٍ مَّا أنه من الذين (قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ).
كُدُورَة المعاصي والخبث الذي يتراكم على وجه القلب من كثرة الشهوات يمنع صفاء القلب وجلاءه، فيمتنع ظهور الحق فيه لظلمته وتراكمه (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ).
(ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) دليل على أن الله قد يسلب النعم بفعل المعصية عقوبة لفاعليها، فهو سبحانه لا يغير ما بهم حتى يحدثوا أحداثًا يعاقبهم الله عليها، فيغير ما بهم، ويكون الإحداث سببًا للتغيير.