ولكم في القصاص حياة)معناه كثير، ولفظه قليل؛ لأن معناه: أنَّ الإنسان إذا علم أنه متى قتل اقتصوا منه كان داعيًا ألا يقدم على القتل، فارتفع كثير من قتل الناس بعضهم لبعض، وكان ارتفاع القتل حياةً لهم.
من لطف الله تعالى بعباده أنه لا يواجههم بأعظم المشاقّ، ومن هذا المعنى قال بعض العلماء: إن الله تعالى قال في المكروهات: { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ }على لفظ لم يسم فاعله ، وإن كان قد عُلِمَ أنه هو الكاتب ،
فلما جاء إلى ما يوجب الراحة قال: (كتب على نفسه الرحمة) (الأنعام: ١٢).
(أياما معدودات )وإنما عبر عن رمضان بأيام -وهي جمع قلة- ووصف بمعدودات -وهي جمع قلة أيضًا-؛ تهويًنا لأمره على المكلفين؛ لأن الشيء القليل يعد عدًا؛ والكثير لا يعد.
(وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ) فإن قال قائل: لم قدَّم الرواح، والسراح هو المقدَّم؟ قلنا: لأنَّ المالك يكون أعجبَ بها إذا راحت؛ ولأن المنافع منها إنما تؤخذ بعد الرواح!
قال تعالى في هذه الدار: (وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) فهذا شأن الانتقال في الدنيا من بلد إلى بلد، فكيف الانتقال من الدنيا إلى دار القرار؟!
الصيام سبب لارتفاع القلب من الاتصال بالعلائق البشرية إلى الاتصال والتعلق بالعلائق السماوية التي نزل منها القرآن؛ ففيه اتصال مباشر بجهة نزول القرآن. وبهذا يلتقيان من هذا الوجه.
ما من اختراعٍ يخطر ببالك من المخترعات الحديثة -كالمركبات ووسائل الاتصال وغيرها- إلا وقد أشار إليه القرآن، تأمَّل قوله تعالى: (وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)، وبفهم هذه العمومات يدرك المتدبِّر سعة معاني كلام الله تعالى، وكيف تدخل آلاف الأشياء والمعاني في جملة قصيرة.
تأمَّل خلق الأرض حين خُلقت ساكنة؛ ليتمكَّن الخلق من السعي عليها، والجلوس لراحتهم ونومهم، والقيام بأعمالهم، ولو كانت رجراجة لم يستطيعوا على ظهرها قرارًا، ولا ثبت لهم عليها بناء، ولا أمكنهم عليها صناعة، ولا تجارة، ولا حراثة، واعتبر ذلك بما يصيبهم من الزلازل، كيف تصيرهم إلى ترك منازلهم والهرب عنها، وقد نبَّه الله على ذلك بقوله: (وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ).
تأمل سر تعليق الاهتداء بالنجم؛ لأن النجوم المرادة ثابتة لا تتغير، ولا تنكسف، وضوءها مستقر لا يختلف لذاتها، وإنما لعوامل أخرى، ومعرفتها أيسر من معرفة منازل القمر، وعلى قدر إتقانها تكون الدلالة على الطريق والوصول إلى الهدف، فكذلك أدلة المنهج فهي ثابتة مطردة بينة ميسرة، وعلى قدر معرفتها والالتزام بها تكون السلامة والوصول إلى الغاية، وإلا كان الاضطراب والضلال والهلاك.
(وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا) إذا جلست على مائدة طعامك، فحاول أن تحسب أنت وأهلك عدد أنواع المطاعم والمشارب التي عليها، كلُّ هذه النعم اجتمعت لك في لحظةٍ واحدةٍ، وفوقها نعمة العافية والأمن، وفوقها جميعًا نعمة الإيمان، فاللهم أعنا على ذكرك وشكرك.