(وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللّه) تتناول أيام نعمه وأيام نقمه ليشكروا ويعتبروا؛ ولهذا قال بعدها: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) فإن ذكر النعم يدعو إلى الشكر؛ وذكر النقم يقتضي الصبر على فعل المأمور وإن كرهته النفس، والصبر عن المحظور وإن أحبته النفس؛ لئلا يصيبه ما أصاب غيره من النقمة.
عليك بالمطالب العالية والمراتب السامية التي لا تنال إلا بطاعة الله؛ فإن الله سبحانه قضى أن لا يُنال ما عنده إلا بطاعته، ومن كان لله كما يريد، كان الله له فوق ما يريد: (لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ).
(وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آَذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) هذا شعار المؤمنين حين يشتد بهم أذى الكفار والمنافقين، يتدثرون بالصبر والتوكل، وهم ينتظرون سنة الله في الآية التي بعدها: (لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ) .
من لطائف هذا التمثيل أن اختير له التشبيه بهيئة الرماد المجتمع؛ لأن الرماد أثر لأفضل أعمال الذين كفروا، وأشيعها بينهم، وهو قرى الضيف، حتى صارت كثرة الرماد كناية في لسانهم عن الكرم.
قوله (وَبَرَزُواْ لِلّهِ) مع كونه سبحانه عالما بهم لا تخفى عليه خافية من أحوالهم، سواء برزوا أو لم يبرزوا؟ الحكمة في ذلك: لأنهم كانوا يستترون عن العيون عند فعلهم للمعاصي، ويظنون أن ذلك يخفى على الله تعالى، فالكلام خارج على ما يعتقدونه هم.
تحت قوله: (يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ) كنز عظيم، من وُفِّق لمظنته وأحسن استخراجه، واقتناءه، وأنفق منه، فقد غنم، ومن حُرِمه فقد حُرِم؛ وذلك أن العبد لا يستغني عن تثبيت الله له طرفة عين، فإن لم يثبته، زالت سماء إيمانه وأرضه عن مكانهما، وقد قال تعالى لأكرم خلقه عليه عبده ورسوله: (وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلً)
عقلاء الغرب يعترفون بأهمية النظام المصرفي الإسلامي، وبعض أبناء المسلمين ممن يدير دفة الاقتصاد يرى النظام الرأسمالي الربوي كالدم لجسم الإنسان، فأَذهبوا أموالهم وأموال المسلمين، فتدبر: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ)؟!