إننا نرى الأموات تمر بنا مواكبهم كل يوم، ولكنا نظن أن الموت كُتب على الناس كلهم إلا علينا، ونبصر القبور تملأ الأرض، ولا نفكر أننا سننزل يومًا إلى القبر.
من حفظ معاملته عن المخادعة في البيع وخلف الوعد، فقد وفق لأمر عظيم، وأفضل ما يستعين به من له عناية بدينه: القناعة، وحسن الظن بالله، والثقة بما ضمن له من الرزق، وخوف الحساب، ومراقبة الجليل، فإنه قال وقوله الحق: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ)(البقرة:152).
روي عن عمر أنه قال: لا يقعد أحدُكم عن طلب الرزق، ويقول: اللهم ارزقني، وقد علم أنَّ السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضةً، وأن الله تعالى إنما يرزق الناس بعضهم من بعض، وتلا قول الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ).
المشروع أن يخطب يوم الجمعة قائمًا -خلافًا لبعض من ابتدع الجلوس-، واستدل الشافعي على ذلك، فقال: «قال الله جل ثناؤه: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا)، فلم أعلم مخالفًا أنها نزلت في خطبة النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الجمعة».
ما حرمه الله و كرهه مما فيه جمال إنما حرم وكره؛ لاشتماله على مكروه يبغضه الله أعظم مما فيه من محبوبه، وكذلك الصور الجميلة من الرجال والنساء، فإن أحدهم إذا كان خلقه سيئًا -بأن يكون فاجرًا، أو كافرًا معلنًا أو منافقًا -، كان البغض أو المقت لخلقه ودينه مستعليًا على ما فيه من الجمال، كما قال تعالى عن المنافقين: (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ).
(لَا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا) ظنوا أنهم لولا أموالهم لما اجتمع المسلمون لنصر دين الله! فمن أعجب العجب أن يدَّعي أحرص الناس على خذلان الدين مثل هذه الدعوى، ولا يروج هذا إلا على من لا علم له بحقائق الأمور: (وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ).
اختار لفظ (لَا تُلْهِكُمْ) ولم يقل (تشغلكم)، والحكمة في ذلك أن من الشغل ما هو محمود؛ فقد يكون شغلًا في حق،
كما جاء في الحديث: «إن في الصلاة لشغلا» وكما قال تعالى: (إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ) (يس:٥٥)،
أما الإلهاء فمما لا خير فيه؛ وهو مذموم على وجه العموم، فاختار ما هو أحق بالنهي.