دل قوله تعالى: (فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ) على أن كل من وسع على عباد الله أبواب الخير والراحة، وسع الله عليه خيرات الدنيا والآخرة، ولا ينبغي للعاقل أن يقيد الآية بالتفسح والتوسع في المجلس، بل المراد منه إيصال أي خير إلى المسلم، وإدخال السرور في قلبه.
"من أبين النَّسْخ في القرآن: نَسْخُ وجوب الصدقة عند مناجاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقد أجمع العلماء عليه.
ويبقى السؤال: ما حكمة ذكره وقد نسخ وزال المقصود منه بموت الرسول؟
فيقال: ليبقى لورثة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أهل العلم هيبة وقدر فلا يجترأ عليهم ولا يؤذون بكثرة الأسئلة، والمناجاة في كل وقت فلا جفاء ولا غلو.
"
قال تعالى عن المنافقين: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ) وهذا يقتضي توغلهم في النفاق ورسوخه فيهم وأنه باق في أرواحهم بعد بعثهم؛ لأن نفوسهم خرجت من عالم الدنيا متخلقة به، فإن النفوس إنما تكتسب تزكية أو خبثا في عالم التكليف.
(فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) (الحشر: ٢) القرآن يأمر ويمدح التفكرَ، والتدبر، والتذكر، والنظر، والاعتبار، والفقه، والعلم، والعقل، والسمع، والبصر، والنطق، ونحو ذلك من أنواع العلم وأسبابه وكماله.. ويذم أضداد ذلك.
(وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) يؤلمني جدًا عندما يقال لشخص: قال رسول الله كذا وكذا، فيقول لك: هل فيه خلاف؟ سبحان الله! المخالف قد يكون معذورًا في مخالفة النص لتأويله، أو عدم علمه، لكن أنت غير معذور، وإذا عذر المتبوع، فليس للتابع عذر.
إذا أردت أن تعرف بعض مزايا الأنصار النادرة، فقف وتأمل:يحبون من هاجر. فعبر بـ(الحب) دون غيره كـ(القبول والرضا والإكرام)؛ لأن الناس -غالبًا- يتضايقون ممن يفد إليهم من بلاد أخرى، بل قد لا يتحمل بعضهم ضيفًا عزيزًا بضعة أيام، فكيف بمن سيشاركهم الإقامة والمعيشة؟.
"قال سعد بن أبي وقاص : الناس على ثلاث منازل، فمضت منزلتان، وبقيت واحدة:
١- (لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا) (الحشر:٨) هؤلاء المهاجرون، وهذه منزلة قد مضت.
٢- (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ) (الحشر:٩)، وهؤلاء الأنصار وهذه منزلة قد مضت.
٣- (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا)، فأحسن ما أنتم عليه كائنون، أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت.
"
قال تعالى عن اليهود: (بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ) يعني: أن البأس الشديد الذي يوصفون به إنما يكون إذا كان بعضهم مع بعض، فأما إذا قاتلوكم لم يبق لهم ذلك البأس والشدة؛ لأن الشجاع يجبن والعزيز يذل عند محاربة الله ورسوله، كما قال تعالى قبلها: (أَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ) (الحشر: ١٣).