قوله تعالى (أَلمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهَاداً. وَالجِبَالَ أَوْتَاداً)
وجهُ اتّصالهِ بما قبلَه، أنهم لما اختلفوا في النبأ العظيم - وهو البعث - ثم أنكروه، نبَّههم اللهُ تعالى بما خلقه وأوجدهُ، على كمال قدرته، وغايةِ قهره، وأن جميعَ الأشياء طوعُ إرادته، وفي مشيئته.
فوله تعالى (إِلّاَ حَمِيماً وَغَسَّاقاً. جَزَاءً وفَاقاً)
قال ذلك هنا، وقال بعدُ " جزاءً منْ ربِّكَ عَطَاءً حِسَاباً " لأن الأول للكفار، فناسب ذكر " وِفَاقاً " أي جزاءً موافقاً لأعمالهم، كما قال تعالى " وجزاءُ سيِّئةٍ سيِّئةٌ مثلُها " والثاني للمؤمنين، فناسب ذكرُ " حساباً " أي كافياً وافياً لأعمالهم، من قولك: حسبى أي كفاني.
قوله تعالى (وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً. والنَّاشِطَاتِ نَشْطاً)
الواوُ فيه للقَسَم، وجوابه محذوفٌ أي لتبعثن، والمرادُ بالنازعات وما عُطِف عليه: الملائكةُ، وذُكروا بلفظ التأنيث مع أنهم ليسوا إناثاً، لأنه تعالى أقسم بطوائفها، والطائفةُ مؤنثة.
فإن قلتَ: كيف أضاف الأبصارَ إلى القلوب، مع أنها لا تُضافُ إليها؟
قلتُ: فيه حذفُ مضافٍ أي أبصارُ أربابها.
" 2 - قوله تعالى (فَأَرَاهُ الآية َ الكُبْرى) هو أي العَصَى واليد.
فإن قلتَ: كيف قال ذلك، مع أنه أراه الآياتِ كلَّها، لقوله تعالى " ولَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنَا كُلَّها " وكلُّ آياتِه كبرى.
قلتُ: الِإخبارُ هنا عمَّا أراه له أوَّلَ ملاقاته إيَّاه، وهو العصى، واليد، وأطلق عليهما " الآية الكبرى " لاتحاد معناهما، أو أراد بالكبرى: العصى وحدها، لأنها كانت مقدَّمة على الأخرى.
@4 - قوله تعالى (وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا)
أضاف الليلَ إلى السماءِ، مع أنه إنما هو في الأرض، لأنه هو: أول ما يظهر عند الغروب من أُفُق السَّماءِ.
قوله تعالى (فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الكُبرَى) أي الداهيةُ العظمى التي تَطمُّ على غيرها، وهي " النفخةُ الثانية "، وخصَّ ما هنا بالطامَّة، موافقةً لما قبله من داهية فرعون، وهي قوله " أَنا رَبُّكُمُ الأَعلَى " ولذلك وُصفت
الطامةُ بالكبرى، موافقةً لقوله قبلُ " فَأَرَاهُ الآيةَ الكُبرى " بخلاف ما في " عَبَس " لم يتقدّمه شيء من ذلك، فخُصَّت بالصاخَّة، وإن شاركت الطامَّة في أنها النفخة الثانية، لأنها الصوتُ الشديدُ، والصَّوتُ يكون بعد الطمِّ، فناسبَ جعلُ الطمِّ للسَّابقة، والصخِّ للاَحقة، وجوابُ " إذا " قولُه " فأمَّا مَنْ طَغىَ " الخ، وقيل: محذوفٌ تقديره: فإن الجحيم مأواه.
قوله تعالى: (وَإِذَا البِحَارُ سُجِّرَتْ)
أي أُوقدت فصارتْ ناراً.
قال ذلك هنا، وقال في الانفطار " إذَا البِحَارُ فُجِّرتْ "
أي سالت مياهُها على الأرض، فصارت بحراً واحداً، واختلط العذبُ بالملح، موافقةً في الأول لقوله بعده، " سُعِّرتْ " ليقع الوعيد بتسجير البحار وتسعير النار، وفي الثاني لقوله " وإذَا الكواكبُ انتثرتْ " أي تساقطت على الأرض، وصيرورةُ البحار ناراً مسجَّرة، يصيرُ أحدهما في وقت؟ ، والآخرُ في آخر، لطول يوم القيامة.
قوله تعالى: ((وَإذَا المَوْءُودَةُ سُئِلَت. بأيِّ ذَنْبِ قُتِلَتْ)
فإِن قلتَ: كيف قال ذلك، مع أن سؤال ما ذُكر إنما يحسُن من القاتل لا من المقتول؟
قلتُ: إنما سُئلت لتبكيتِ قاتلها توبيخه بما يجيب به، فإنها قُتِلَتْ بغير ذنبِ.
ونظيره قولُهَ تعالى لعيسى عليه السلام " أَأَنْتَ قلتَ للنَّاسِ اتَّخِذوني وأمّيَ إِلهَيْنِ من دون الله. . ".
قوله تعالى: (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ)
أي علمت كلّ نفسٍ، لقوله تعالى: " يومَ تجدُ كلُّ نفسٍ ما عَمِلتْ من خيرٍ محضَراً " الآية.
فإن قلتَ: لمَ ختمَ الآية هنا بقوله " مَا أَحْضَرَتْ " أي من خير وشرٍّ، وفي الإِنفطار بقوله " ما قدَّمتْ وأَخَّرتْ " أي ما قدَّمته من الأعمال، وما أخَّرته منها فلم تعمله. (1)
قلتُ: رعايةً للمناسبة، إذْ شروط الجواب هنا طالتْ بكثرتها، فحسُن اختصارهُ ليوقف عليه، وشروطُه ثَمَّ قصُرتْ بقلَّتها، فحَسُن بسطُه لتيسُّر الوقف عليه حينئذِ.