قوله تعالى: (وَمَا هُوَ بَقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ. وَلاَ بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ) .
إن قلتَ: لمَ ختمَ الأُولى بقلَّةِ الِإيمانِ، والثانيةَ بقلَّةِ التذكّرِ؟
قلتُ: لأن من نَسَبَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - إلى أنه شاعرٌ، وأنَّ ما أتى به شعرٌ فهو كافرٌ، وأنَّ من نسبه إلى الكَهَانة فإنما نسبه إليها لقلَّةِ تذكُّرِهِ في ألفاظ القرآن، إذْ كلامُ الكهَنَةِ نثرٌ لا شعر، فناسبَ ختمَهُ بقلَّةِ التذكّر، وختمَ الأول بِقلَّةِ الِإيمان.
قوله تعالى: (إِنَّ الِإنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً) .
فسَّرَ " هَلُوعاً " بقوله " إِذَا مسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً. وإذَا مسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعاً ".
فإن قلتَ: الِإنسانُ في حال خلْقه، لم يكن موصوفاً بذلك؟
قلتُ: " هَلُوعاً " حالٌ مقدَّرةٌ أي مقدَّرٌ في خلقه الهَلَعُ، كما في قوله تعالى " محلِّقينَ رءوسَكُمْ " أي لتدخلنَّ المسجد الحرام مقدرين حلق رءوسكم.
قوله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ) .
ختمه هنا بقوله " دَائِمونَ " وبعدُ بقوله " يُحَافِظونَ " لأن المراد بدوامهم عليها، ألا يتركوها في وقتٍ من أوقاتها، وبمحافظتهم عليها، أن يأتوا بها على أكمل أحوالها، من
الإِتيان بها بجميع واجباتها وسُنَنها، ومنها الاجتهادُ في تفريغ القلب عن الوسوسة، والرياء، والسُّمْعةِ.
(يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلً مُسَمَّىً) .
خطابٌ لقوم نوحٍ عليه السلام.
فإن قلتَ: إن كان المراد تأخيرهم عن الَأجَل المقدَّر أزلاً فهو محالٌ، لقوله تعالى " ولنْ يُؤخِّرَ اللهُ نفْساً إِذَا جَاءَ أجلُهَا " أوتأخيرَهم إلى مجيء أجلهِم المقدَّر، فهم كغيرهم سواءً آمنوا أم لا؟
قلتُ: معناه يؤخركم عن العذاب إلا منتهى آجالكم، على تقدير الِإيمان، فلا يُعذّبكم في الدنيا إن وقع منكم ذنبٌ، كما عذَّب غيركم من الأمم الكافرة فيها، أويؤخر موتكم كأن
قضى الله بتعميركم ألف سنة إن آمنوا، وبخمسمائة سنة إن لم يُؤمنوا.
قوله تعالى: (وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الكَافرِينَ دَيَاراً) .
إن قلتَ: كيف دعا نوحٌ على قومه بذلك، مع أنه أُرسل إليهم ليهديهم وُيرشدهم؟
قلت: إنما دعا عليهم بذلك، بعد أن أعلمه الله تعالى أنهم لا يُؤمنون.
قوله تعالى: (وَلاَ يَلِدُوا إِلّاَ فَاجِراً كفَّاراً) من كلام نوح.
فإن قلتَ: كيف وصفهم بالفجور والكفر حال ولادتهم، وكيف عرف أنهم لا يلدوا إلا فاجراً كفاراً؟!
قلتُ: وصفَهم بما يئولون إليه من الفجور والكفر، وعلمَ ذلكَ بإعلام اللَّهِ إيَّاه.
قوله تعالى: (وَأنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ. .) .
أي النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإنما عَدَل عنه إلى " عبدُ اللَّهِ " تواضعاً، لأنه واقع موقع كلامه عن نفسه.