قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا ليَعْبُدُونِ) .
لا ينافي ذلك عدم عبادة الكافرين، لأن الغاية لا يلزم وجودُها، كما في قولك: بريتُ القلم لأكتب به، فإنك قد لا تكتب به، أو لأن ذلك عامٌ أُريد به الخصوص، بدليل قوله. نعالى " ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً مِن الجنِّ والإِنس " ومَنْ خُلِق، لجهنم لا يكون مخلوقاً للعبادة.
قوله تعالى: (مَا أُرِيدُ مِنهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ) .
فإن قلتَ: ما فائدةُ تكرار لفظ " ما أريد "؟
قلتُ: فائدته إفادةُ حكمٍ زائد على ما قبله، إِذِ المعنى ما أريد منهم أن يطعموا أنفسهم، وما أريد منهم أن يُطعموا عبيدي، وإنما أضاف تعالى الإِطعام إلى نفسه، لأن الخلق عيالُه وعبيدُه، ومن أطعم عيال غيره فكأنه أطعمه، ويؤيده خبر " إن الله تعالى يقول يوم القيامة: يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني "، أي استطعمك عبدي فلم تطعمه.
قوله تعالى: (وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ) .
إن قلتَ: كيف قال ذلك، مع أنَّ الحورَ العينَ في الجنة، مملوكاتٍ ملكَ يمينٍ، لا ملك نكاح؟
قلتُ: معناه قرنَّاهم بهنَّ، من قولك: زوَّجتُ إبلي أي قرنت بعضها إلى بعض، وليس من التزويج الذي هو عقدُ النكاح، ويؤيّده أن ذلك لا يُعدَّى بالباء بل بنفسه، كما قال تعالى " زَوَّجْنَاكَهَا ".
قوله تعالى: (كُلُّ امْرِىءٍ بِمَاكَسَبَ رَهِينٌ) .
إن قلتَ: كيف قال تعالى في وصف أهل الجنة ذلك، مع أن المعنى: كل امرىءٍ مرهونٌ في النَّارِ بعمله؟
قلتُ: بل المعنى كلُّ نفس مرهونةٌ بالعمل الصالح،
الذي هي مطالبةٌ به، فإن عمل صالحاً فلها، وإلَّا أوبقها، أو الجملةُ من صفاتِ أهل النار، معترضةٌ بين صفاتِ أهل الجنَّةِ. رُوي عن مقاتل أنه قال: معناه كلُّ امرىءٍ كافرٍ بما
عمل من الكفر، مرتَهنٌ في النار، والمؤمن لا يكون مرتهناً، لقوله تعالى " كلُّ نفسٍ بما كسبتْ رهينة. إلّاَ أصحابَ اليمين. . ".
قوله تعالى: (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مكنَونٌ) .
قاله هنا وفي الِإنسان بالواو، عطفاً على ما قبلَه، وقاله في الواقعة بغير واوٍ، لأنه حالٌ أو خبرٌ بعد خبر.
قوله تعالى: (فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (29) .
إن قلتَ: كيف قال ذلك، مع أن كلَّ أَحدٍ غيره كذلك؟
قلتُ: معناه فما أنتَ - بحمدِ اللَّهِ وإِنعامهِ عليكَ بالصِّدقِ والنبوَّة، - بكاهنٍ ولا مجنون كما يقول الكفَّارُ، أو " الباءُ " هنا - بمعنى " مع " كما في قوله تعالى " فَتَسْتَجيبونَ بِحمْدِهِ ".
قوله تعالى: (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى) .
إن قلتَ: كيف قال ذلك، مع أن الضلالة والغِواية متَّحدتان؟
قلت: لا نسلم اتحادهما إذ الضلالة ضد الهدى، والغواية ضد الرشد، أو المعنى ما ضل في قوله ولا غوى فى فعله، وبتقدير اتحادهما يكون ذلك من باب التأكيد باللفظ المخالف مع اتحاد المعنى
قوله تعالى: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى. فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدنى) .
إن قلتَ: كيف أدخَلَ كلمةَ الشكِّ، وهو مُحالٌ عليه تعالى؟
قلتُ: " أو " للتخيير لا للشكِّ، أي إِن شئتم قدِّروا ذلك القرب بقاب قوسين، أو بأدق منهما، أو هي بمعنى " بلْ "، أو " للتشكيك لهم في قدرِ القُربِ.