قوله تعالى: (فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الحَصِيدِ) .
إن قلتَ. فيه إضافةُ الشيء إلى نفسه وهي ممتنعةٌ، لأن الِإضافة تقتضي المغايرةَ بينَ المُضَافِ والمُضَاف إليه؟
قلتُ: ليست ممتنعةً مطلقاً، بل هي جائزةٌ عند اختلاف اللفظيْنِ، كما في قوله " حقَّ اليقين " و " حبلَ الوريد " و " دارَ الآخرة ".
وبتقدير امتناعها مطلقاً فالتقدير: حبَّ الزَّرعِ أو النباتِ الحصيد.
قوله تعالى: (إِذْ يَتَلَقَّى المُتَلَقِّيَانِ عَنِ اليمينِ وَعًنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ) .
إن قلتَ: كيف قال " قَعِيدٌ " ولم يقل: قعيدان، إذْ أنه وصفٌ للملَكَيْنِ المذكورين؟
قلتُ: معناه عن اليمين قعيدٌ، وعن الشمال قعيدٌ، لكنه
حذف أحدهما لدلالة المذكور عليه، أو أن " فعيلاً " يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع، قال تعالى " والملائكةُ بعد ذلكَ ظهيرٌ " أو قال ذلك رعايةً للفواصل.
قوله تعالى: (وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ) .
قاله هنا بالواو، وقاله بعدُ بدونها، لأن الأول خطابٌ للِإنسانِ من قرينه ومتعلِّقٌ به، فناسب ذكرُ الواو، والثاني استئنافُ خطابِ من الله، غير متعلقٍ بما قبله، فناسب حذفُها.
قوله تعالى: (أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ) .
إن قلتَ: كيف ثنَّى الفاعل مع أنه واحدٌ، وهو مالكٌ خازنُ النَّارِ؟
قلتُ: بل الفاعلُ مثنَّى، وهما الملَكَان اللَّذان مرَّ ذكرهما بقوله " وَجَاءَتْ كلُّ نفْسٍ معَها سَائِقٌ وشَهِيدٌ "، أو أنَّ تثنية الفاعل أُقيمت مقام تكرّر الفعل للتأكيد، واتّحادهما حكماً، فكأنه قال: أَلْقِ، أَلْقِ، كقول امرىء القيس: قفا نبكِ، أو أن العرب أكثر ما يوافق الرجل منهم اثنين، فكثر على ألسنتهم خطابهما فقالوا، خليليَّ، وصاحبيَّ، وقِفَا، ونحوها.
قوله تعالى: (وَأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ) .
إن قلتَ: لمَ لمْ يقل: غير بعيدةٍ، لكونه وصفاً للجنة؟
قلتُ: لأن " فعيلاً " يستوي فيه المذكَر والمؤنث، أو لأنه صفة لمذكَّرٍ محذوف أي مكاناً غير بعيد.
فإن قلتَ: ما فائدة قوله " غيرَ بعيدٍ " بعد قوله " وأُزلفت "
: بمعنى قُرِّبت؟
قلتُ: فائدته التأكيدُ، كقولهم: هو قريبٌ غيرُ بعيد، وعزيزٌ غير ذليل.
قوله تعالى: (إِنَّمَا توعَدُونَ لِصَادِقٌ) .
إن قلتَ: كيف قال ذلك، مع أن الصَّادِق وصفٌ
للواعد، لا لما يُوعَد؟
قلتُ وُصف به ما يُوعد مبالغةً، أو هو بمعنى مصدوق، كعيشةٍ راضية، وماءٍ دافق.
قوله تعالى: (إِنَّ المُتَّقِينَ في جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ. .) .
ختم الآية هنا بقوله " وعيونٍ. آخذينَ " وفي الطور بقوله " ونعيم. فاكهينَ " لأن ما هنا متَّصلٌ بما به يصلُ الِإنسان إلى الجنَّات، وهو قوله " إنهم كانوا قبل ذلك محسنين " الآيات. وما في الطور متَّصلٌ بما يناله الِإنسان فيها، وهو قوله " ووقاهم عذاب الجحيم. كلو واشربوا " الآية.
قوله تعالى: (وَمِنْ كُل شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) أي صنفين.
فإِن قلت: كيف قال ذلك، مع أن العرش، والكرسي، واللوح، والقلم، لم يُخلق من كلٍ منها إلَّا واحد؟
قلتُ: معناه ومن كل حيوانٍ خلقنا ذكراً وأنثى، ومن كل شيء يشاهدونه خلقنا صنفين، كالليلِ والنهار، والنور والظلمة، والصيف والشتاء، والخير والشر، والحياة والموت، والشمس والقمر.