قوله تعالى: (إنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) .
إن قلتَ: القرآنُ ليس بمجعولٍ، لأن الجَعْل هو الخلقُ،
فلمَ لم يقل: قلناه أوأنزلناه؟
قلتُ: الجَعْلُ يأتي بمعنى القول أيضاً، كقوله تعالى
" ويَجْعَلُونَ للَّهِ البَنَاتِ " وقوله " وَجَعَلوا للَّهِ أَنْدَاداً ".
قوله تعالى: (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا ابَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ) .
قاله هنا بلفظ " مهتدون " وبعده بلفظ " مقتدون " لأن
الأول وقع في محاجَّتهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، وادِّعائهم أن آباءهم كانوا مهتدين، وأنهم مهتدون كآبائهم، فناسبه " مهتدون " والثاني وقع حكايةً عن قومٍ ادَّعوا الِإقتداء بالآباء دون الِإهتداء، فناسبه " مقتدون ".
قوله تعالى: (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا. .) الآية.
إن قلتَ: كيف قال ذلك، مع أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يلقَ أحداً من الرسل حتى يسأله؟
قلتُ: فيه إضمارٌ تقديره: واسأل أتباعَ أو أممَ مَنْ أرسلنا، أو هو مجازٌ عن النَّظر في أديانهم، والبحثِ عن مِلَلِهم هل فيها ذلك؟
أو واسأَلِ المرسلينَ ليلةَ الِإسراء (1) ، فإنه لَقِيهم وأمَّهم في مسجد بيت المقدس، وقال بعد أن نزلت عليه هذه الآية بعد سلامه: لا أسألُ قد كُفيتُ، كأنَّ المرادَ بالأمرِ بالسؤالِ، التقريبُ لمشركي قريش، أنه لم يأتِ رسولٌ من الله، ولا كتابٌ بعبادة غير الله.
قوله تعالى: (قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالحِكْمَةِ وَلأُبَينٍّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ ... ) .
إن قلتَ: كيف قال عيسى عليه السلام لأمته ذلكَ، مع أن كل نبيٍّ يلزمه أن يُبيِّن لأمته كلَّ ما يختلفون فيه؟
قلتُ: المراد أنه يُبيّن لهم ممَّا اختلفوا فيه، ما يحتاجونه دون ما لا يحتاجونه. أو المرادُ بالبعض الكُلُّ، كما مرَّ نظيره في غافر.
قوله تعالى: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) .
فائدة ذكر " وهُمْ لا يَشْعُرون " بعد " بَغْتَةً " أي فجأة، أنَّ الساعة تأتيهم وهم غافلون، مشغولون بأمور دنياهم، كما قال تعالى " مَا يَنْظُرونَ إِلَّا صَيْحةً واحدةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ " فلولا قوله " لا يشعرون " لجاز أن تأتيهم بغتةً، وهم يَقِظونَ حَذِرونَ مستعدُّون لها.
قوله تعالى: (إِنَّ المُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ. لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ) .
إن قلتَ: كيف وصف أهل النَّارِ فيها بأنهم مبلِسون، والبلسُ: هو الآيسُ من الرحمة والفرج، مع قوله بعدُ " ونَادَوْا يا مَالِكُ لِيَقْضِ علينَا ربُّكَ " الدالَّ على طلبهم الفَرَج بالموت؟
قلتُ: وقع كلٌّ منهما في زمنٍ، لأن أزمنةَ يومِ القيامةِ متعدَدة.
قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي في السَّمَاءِ إِلهٌ وَفي الَأرْضِ إِلهٌ وَهُوَ الحَكيمُ العَلِيمُ) .
إن قلتَ: هذا يقتضي تعدُّد الآلهة، لأن النكرة إذأ أُعيدت نكرة تعدَّدتْ، كقولك: أنتِ طالقٌ وطالقٌ؟
قلتُ: الِإله هنا بمعنى المعبود، وهو تعالى معبودٌ فيهما، والمغايرةُ إنما هي بين معبوديته في السماء، ومعبوديته " في الأرض "، لأن المعبود به من الأمور الِإضافية، فيكفي التغاير فيها من أحدِ الطرفين، فإِذا كان العابدُ في السماء غير العابد في الأرض، صدق أنَّ معبوديته في السماء غير معبوديته في الأرض، مع أن المعبود واحدٌ.