قوله تعالى: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ) .
زاد اللّاَمَ بعد " أمِرْتُ " الثاني دون الأول، لأن مفعول الثاني محذوفٌ اكتفاءً بمفعول الأول، والتقديرُ: وأُمرتُ أن أكون عبداً لله لأن أكون.
فإن قلتَ: لمَ قال في هذه الآية " مُخْلِصاً لهُ الدِّينَ " ب " أل " وقال بعد: " قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِيني " بالإِضافة.
قلتُ: لأن قوله " اللَّهَ أَعْبُدُ " إخبارٌ عن التكلِّم، فناسبتِ الِإضافةُ إليه، وقوله " أُمِرْتُ أنْ أَعْبُدَ اللَّهَ " ليس إخباراً عن المتكلِّمِ، فناسبت الِإخبارَ عنه أصالة " أُمِرْتُ " فقط، وما بعده فضلةٌ.
قوله تعالى: (قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَميعاً لَهُ مُلْكُ السَّموَاتِ وَالَأرْضِ ثُمَّ إليه تُرْجَعُونَ)
إن قلتَ: كيف قال ذلك، مع أن للأنبياء، والعلماء، والشهداء، والأطفال، شفاعةٌ؟
قلتُ: معناه أن أحداً لا يملكها إلَّا بتحليلها، كما قال تعالى: " منْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ " وقال: " وَلَا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَن ارْتَضَى ".
قوله تعالى: (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبكُمْ. .) الآية.
إن قلتَ: كيف قال ذلك، مع أن القرآن كلَّه حسنٌ؟
قلتُ: معناه أحسنَ وحيِ، أو كتاب أُنزل اليكم، وهو القرآن كلُّه. أو أحسنُ القرآنُ آَياتُه المحكماتُ، أو آياتُه التي تضمَّنت أمر طاعةٍ أو إحسان، وقد مرَّ نظير هذا السؤال في نظير هذه الآية في الأعراف، في قوله تعالى " وَأْمُرْ قومَكَ يأخذوا بأحسنِها " وما مرَّ ثَمَّ في جوابه يأتي هنا.
قوله تعالى: (وَلَقَدْ أوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ. .) .
إن قلتَ: كيف قال ذلك مع أن الموحى إليهم جمعٌ، ولمَّا أوحِيَ إلى من قبلَه، لم يكن فِى الوحي إليهم خطابُه.
قلتُ: معناه ولقد أوحي إلى كل واحدٍ منك ومنهم لئن أشركتَ، أو فيه إضمارُ نائب الفاعل تقديره: ولقد أوحِيَ إليك وإلى الذِينَ من قبلك التوحيدُ، ثم ابتدأ فقال: " لئن أشركتَ "، أو فيه تقديمٌ وتأخير تقديره: ولقد أُوحيَ إليك لئن أشركتَ، وكذلك أُوحي إلى الذين من قبلك.
قوله تعالى: (وَسِيقَ الَّذِينَ كفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً. .) الآيتين.
إن قلتَ: كيف قال ذلك، مع أن السَّوْق فيه نوعُ إهانةٍ، لا يليقُ بأهل الجنَّة؟
قلتُ: المرادُ بسوق " أهلِ النَّارِ " طردُهم إليها بالهوانِ والعنفِ، كما يُفعل بالأسرى الخارجين على السلطان، إذا سيقوا إلى حبسٍ أو قتل. وبسوقِ " أهل الجنَّةِ " سوق مراكبهم، حَثّاً وإسراعاً بهم إلى دار الكرامةِ والرضوان، كما يُفعل بمن يُشرَّفُ وُيكرَّمُ من الوافدين على السلطان.
فإن قلتَ: كيف قال في صفة النَّارِ " فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا " بلا واوٍ، وفي صفة الجنة بالواو " وَفُتِحَتْ أَبْوَابُها "؟
قلتُ: هي زائدة، أو هي واوُ الثمانية لأن أبواب الجنة ثمانيةٌ، أو واوُ الحال أي جاءوها وقد فُتِحَتْ أبوابُها قبل مجيئهم، بخلاف أبواب النَّارِ فإنها إنما فُتحت عند مجيئهم، والسرُّ في ذلك أن يتعجلوا الفرح والسرور، إذا رأوا الأبواب مفتَّحةً.
وأهلُ النار يأتونها وأبوابُها مغلقةٌ ليكون أشدَّ لحرِّها
(1) ، أو أنَّ الوقوف على الباب المغلق نوعُ ذلٍّ وهوان، فصِينَ أهل الجنة عنه. أو أن الكريم يُعجِّل المثوبة وُيؤخّر العقوبة، أو اعتبر في ذلِكَ عادةُ دارِ الدنيا، لأن عادة مَنْ في منازلها من الخدم، إذا بُشّروا بقدوم أهل المنازل، فُتح أبوابها قبل مجيئهم، استبشاراً وتطلعاً إليهم، وعادةُ أهل الحبوس إذا شُدِّد في أمرها، ألَّا تفتح أبوابُها إلا عند الدخول إليها أو الخروج.