قوله تعالى: (وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَ اهِيمُ. قَدْ صَدَّقْتَ الرُؤْيَا. .) .
إن قلتَ: كيف قال " قدْ صَدَّقتَ الرُّؤْيا " مع أنَّ تصديقها إنما يكون بالذبح ولم يوجد؟
قلتُ: معناه قد فعلتَ ما في غاية وُسْعكَ، ممَّا يفعله الذابح من إلقاء ولدك، وإمرار المُديةِ على حلقه، ولكنَّ اللهَ منعها أن تقطع، أو أنَّ الذي رآه في النوم، معالجة الذبح فقط لِإراقة الدم، وقد فعل ذلك في اليقظة فكان مصدِّقا للرؤيا.
قوله تعالى: (كذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ) .
إن قلتَ: لمَ قاله هنا، أعني في قصة إبراهيم بحذف " إذَّا " وأثبتَه في آخر غيرها من القصص؟
قلتُ: حذفه في قصة إبراهيم اختصاراً، واكتفاءً بذكره له قبلُ، في قصته بقوله: " وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إبْرَاهيمُ " الآية، مع أنَّ ما بعد قصته كان من تكملتها وهو قوله: " وَبَشَّرْنَاهُ بإِسحاقَ نَبِيّاً مِنَ الصَّالِحِينَ " بخلاف سائر القصص.
قوله تعالى: (وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (133) إِذْ نَجَّيْنَاهُ
وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (134) .
إن قلتَ: لوطٌ كان رسولًا قبل التنجية، فما وجه تعلق " إذْ نجَّيْناه " به؟
قلتُ: هو ليس متعلقاً به، بل بمحذوفٍ تقديره: واذكرْ، وكذا القولُ في قوله تعالى " وإنَّ يونسَ لمنَ المُرْسَلين. إذْ أَبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ ".
قوله تعالى: (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ) .
إن قلتَ: " أَوْ " للشَّكِّ، وهو على اللَّهِ محالٌ؟!
قلتُ: " أو " بمعنى " بل " أو بمعنى الواو، أو المعنى أو يزيدون في نظرهم، فالشكُّ إنما دخل في قول المخلوقين.
17 - قوله تعالى: (وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ) . تهديدٌ لهم، ثم أعاده في قوله " وأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ " تأكيداً. أو لأنَّ الأول في الدنيا، والثاني في الآخرة، وحذف منه المفعول اكتفاءً بذكره أولاً.
قوله تعالى: (ص) إن جُعل اسماً للسورة، فهو خبر مبتدأٍ محذوفٍ أي هذه " صَ " السورة التي أعجزت العرب، فقوله " والقرآنِ ذي الذكر " قسمُ عجز العرب، كقولك: هذا حاتمٌ واللَّهِ، أي هذا هو المشهور بالسخاء واللَّهِ، وإن جُعلَ قَسَماً فجوابه مع ما عُطف عليه محذوفٌ تقديره: إنه كلامٌ معجز، أو لنهلكنَّ أعداءك بقرينة قوله " كمْ أهلكْنَا مِنْ قبلِهمْ مِن قَرْنٍ " أو جوابه " كَمْ " وأصله " لَكَمْ " حُذفت اللاَّم لطول الكلام تخفيفاً، كما في قوله تعالى " والشَّمسِ وضُحَاهَا. . قَدْ أفلَحَ مَنْ زَكَّاهَا " وقيل: غير ذلك.
قوله تعالى: (وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ
(4) .
قاله هنا بالواو، وفي " ق " بالفاء، لأنَّ ما هناك أشدُّ اتصالًا منه هنا، لأنَّ ما هنا متَّصلٌ بما قبله اتصالَاَ معنوياً فقط، وهو أنهم عجبوا من مجيء المنذِر، وقالوا هذا ساحرٌ كذَّابٌ، وما في " ق " متصلٌ بما قبله اتصالًا لفظياً ومعنوياً، وهو أنهم عجبوا عقب الِإخبار عنهم بأنهم عجبوا، فقالوا هذا شىء عجيب، فناسب فيه ذكرُ الفاء دون ما هنا.
قوله تعالى: (أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا. .) الآية.
قاله هنا بلفظ " أَأُنزِلَ " وفي القمر بلفظ " أَأُلقِيَ "، لأن
ما هنا حكايةٌ عن كفار قريش، فناسبَ التعبيرُ به، لوقوعه إنكاراً لمَّا قرأه عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، من قوله تعالى " وَأنْزَلنَا إليكَ الذِّكرَ لتُبيِّن للنَّاسِ مَا نُزِّلَ إليهِمْ " وما في القمر حكايةٌ عن قوم صالح، وكانت الأنبياءُ تُلقي إليهم صحفٌ مكتوبة، فناسبَ التعبيرُ ب " أُلقي " وقدَّم الجار والمجرور على الذكر هنا، موافقةً لما قرأه النبي - صلى الله عليه وسلم - على المنكرين، وعَكَس في القمر جرياً على الأصل، من تقديم المفعول بلا واسطة
على المفعول بواسطة.
قوله تعالى: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الأَوْتَادِ. . إلى قوله: فَحَقَّ عِقَابِ) .
ختم أواخر آياته هنا بما قبل آخره ألفٌ، وآيات قوله في (ق) " كذَّبتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ. . إلى قوله: فَحَقَّ وَعِيدِ " بما قبل آخره ياءٌ أو واوٌ، موافقة لبقية فواصل السورتين،
قوله تعالى: (إذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ. .) .
أي قالوا حين دخلوا على داود عليه السلام: نحنُ خصمان وهما مَلَكانِ مثَّلا أنفسهما معه بخصمينِ بغى أحدهما على الآخر، على سبيل الفرض والتصوير، لأن الملائكة مُنتفٍ عنهم البغيُ والظلم، وكذا قولُه " إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسعُون نَعْجةً وَليَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ " كقول الفقيه: لزيدٍ أربعون شاةً، وعمروٍ مثلُها وخلطاها وحال عليها الحول، كم يجب فيها؟ وليس لهما شيء من ذلك. وكنًى عن المرأة بالنَّعجة (1) ، كما مثل نفسه بالخصم.