عرض وقفات أسرار بلاغية

  • ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ ﴿٣٢﴾    [ص   آية:٣٢]
قوله تعالى: (فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (32) . إن قلتَ: ما معنى تكرر الحُبِّ وتعديته ب " عَنْ " وظاهرُه إني أحببتُ حباً مثل حبِّ الخير، كقولك: أحببتُ حُبَّ زيدٍ أي مثلَ حبِّهِ؟ قلتُ: أحببتُ هنا بمعنى آثرتُ، كما في قوله تعالى " فَاستَحَبُّوا العَمَى عَلى الهُدَى " أي آثروه، و " عن " بمعنى " على " كما في قوله تعالى " ومن يبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ " فيصيرُ المعنى: آثرتُ حبَّ الخير على ذكر ربّي.
  • ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ ﴿٣٥﴾    [ص   آية:٣٥]
قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لي وَهَبْ لي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي. .) . إن قلتَ: كيف قال سليمان ذلك، مع أنه يُشبه الحسد والبخل بنعم الله تعالى على عباده، بما لا يَضرُّ سليمانَ؟! قلتُ: المرادُ لا ينبغي لأحدٍ أن يسلبه مني في حياتي، كما فعل الشيطان الذي لبس خاتمي، وجلس على كرسيِّ (1) .. أو أنَّ الله علم أنه لا يقوم غيره مقامه بمصالح ذلك المكان، واقتضت حكمته تعالى تخصيصه به، فألهمه سؤاله.
  • ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِّعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴿٤٤﴾    [ص   آية:٤٤]
قوله تعالى: (إنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ العَبْدُ إِنَّهُ أَوَابٌ) . إن قلتَ: كيف وصف الله تعالى أيوب عليه السلام بالصبر، مع أن الصبر ترك الشكوى من ألم البلوى، وهو قد شكى بقوله " أَنِّي مَسَّنيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبِ وَعَذَابِ " وقوله " أني مَسّنِي الضُرُّ "؟ قلتُ: الشكوى إلى اللَّهِ تعالى لا يُنافي الصبر، ولا تُسمَّى جزعاً لما فيها من الجهاد والخضوع والعبودية للَّهِ تعالى، والافتقار إليه، ويؤيده قول يعقوب عليه السلام " إنَّمَا أشكُو بَثِّي وحُزْنِي إِلَى اللَّهِ " مع قوله " فَصَبْرٌ جَميلٌ " وقولهم: الصبرُ تركُ الشكوى أي إلى العباد، أو أنه عَليه السلام طلب الشفاء من الله تعالى، بعدما لم يبق منه إلَّا قلبُه ولسانُه، خيفةً على قومه أن يفتنهم الشيطان، ويوسوس إليهم أنه لو كان نبيًّا لَمَا ابتُلي بما هو فيه، ولكشفَ الله ضرَّه إذا دعاه.
  • ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ ﴿٧٨﴾    [ص   آية:٧٨]
قوله تعالى: (وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْم الدِّينِ) . إن قلتَ: هذا يدلُّ على أنَّ غاية لعنة الله تعالى لِإبليس إلى يوم القيامة قد تنقطع؟ قلتُ: كيف تنقطع وقد قال تعالى " فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ على الظّاِلمينَ " وإبليسُ أظلمُ الظَّلمةِ، والمراد أن عليه اللعنة طول مدَّةِ الدنيا، فإذا كان يوم القيامة، اقترن له باللعنة من أنواعِ العذاب، ما ينسى معه اللعنة، فكأنها انقطعت.
  • ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ ﴿٢﴾    [الزمر   آية:٢]
قوله تعالى: (إنَّا أنْزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ. .) . عبَّر فيه هنا ب " إلى " وفيها أثناء السورة ب " على ". . تقدَّم في البقرة الفرقُ بين " إلى " و " على " ونزيد هنا أنَّ كلَّ موضعٍ خُوطب فيه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بالِإنزالِ، أو التنزيل، أو النزول، إن عُدِّيَ ب " إلى " ففيه تكليفٌ له، أو ب " على " ففيه تخفيفٌ عنه، فما هنا تكليفٌ له بالِإخلاص في العبادة بدليل قوله " فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ " وما في أثناء السورة تخفيفٌ عنه بدليل قوله " وما أنتَ عليْهم بوكيلٍ " أي لستَ بمسئولٍ عنهم.
  • ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ﴿٣﴾    [الزمر   آية:٣]
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ) . أي دائمٌ على كفره وكذبه، أو لا يهديه إلى حجة يُلزم بها المؤمنين، وإلَّا فكم هُدي من كافر.
  • ﴿لَّوْ أَرَادَ اللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا لَّاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴿٤﴾    [الزمر   آية:٤]
قوله تعالى: (لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ. .) الآية. إن قلتَ: كيف يكون قوله فيها " لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشَاءُ " مع أن كل من ادَّعى له ولداً، أو نسبَ إليه ولداً قال: إنَّ الله اصطفاه من خلقه فجعله ولداً؟! (1) قلتُ: إن جُعِلَ ردًّا على اليهود في قولهم: إن عزيراً بن الله، وعلى النَّصارى في قولهم: إنه المسيحُ. . كان معناه: لاصطفى ولداً من الملائكة لا من البشر، لأن الملائكة أشرفُ من البشر بلا خلافٍ بين اليهود والنصارى. أو ردًّا على مشركي العرب في قولهم: إنه الملائكة، كان معناه لاصطفى ولداً من جنس ما يخلق كل شيء يريده، ليكون ولدُه موصوفاً بصفته، لا من الملائكة الذين لا يقدرون على إيجاد جناح بعوضة. ولا يرد على هذا خلق عيسى عليه السلام الطَّيْرَ، لأنه ليس بتامّ، أو لأنه بمعنى التقدير من الطين، ثم اللَّهُ يخلقه حيواناً، بنفخ عيسى عليه السلام إظهاراً لمعجزته.
  • ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ ﴿٥﴾    [الزمر   آية:٥]
قوله تعالى: ((خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالَأرْضَ بِالحَقِّ. .) أي بسبب إقامته.
  • ﴿خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِّن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ﴿٦﴾    [الزمر   آية:٦]
قوله تعالى: (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا. .) الآية. إن قلتَ: كيف عطف ب " ثُمَّ " مع أن خلق حواء من آدم، سابقٌ على خلقنا منه؟! قلتُ: " ثُمَّ " هنا للترتيب في الِإخبار لا في الِإيجاد، أو المعطوف متعلِّقٌ بمعنى واحدة، و " ثُمَّ " عاطفة عليه لا على " خلقكم " فمعناه: خلقكم من نفسٍ واحدة أُفردت بالإِيجاد، ثم شُفِعتْ بزوج. أو هو معطوف على " خلقكم " لكنَّ المراد بخلقهم، خلقُهم يوم أخذ الميثاق، لا هذا الخلق الذي يتمُّ فيه الآن، بالتوالدِ والتناسل، وذلك أن الله خلق آدم عليه السلام، ثم أخرج أولاده من ظهره كالذَّرِّ، وأخذ عليهم الميثاق ثم ردَّهم إلى ظهره، ثم خلق منه حواء.
  • ﴿خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِّن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ﴿٦﴾    [الزمر   آية:٦]
قوله تعالى: (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الَأنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجً. .) الآية. إن قلتَ: كيف قال ذلك مع أنَّ الأنعامَ مخلوقةٌ في الأرضِ، لا منزلةٌ من السَّماءِ؟ قلتُ: هذا من مجازِ النسبةِ إلى سبب السَّبب، إذِ الأنعامُ لما كانت لا تعيش إلّا بالنَّباتِ، والنَّباتُ لا يعيش إلا بالمطرِ، والمطرُ منزلٌ من السماء، وصفها بالإِنزالِ، من تسمية المسبَّب باسم سَببِ سببه. أو معناه: وقضى لكم، لأن قضاءه منزلٌ من السماء، من حيث كُتب في اللوح المحفوظ. أو خلقها في الجنة ثم أنزلها على آدم عليه السلام، بعد إنزاله إلى الأرض، والِإنزالُ بمعنى الإِحداثِ والِإنشاءِ، لقوله تعالى " يا بني آدمَ قَدْ أَنْزَلْنَا علَيكُمْ لباساً ".
إظهار النتائج من 9641 إلى 9650 من إجمالي 12325 نتيجة.