قوله تعالى: (فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. .) الآية، أي قولوا: السلامُ - أي من الله - علينا وعلى عبادِ الله الصالحين، فإِنَّ الملائكة تردُّ عليكم، هذا إن لم يكن بها أحدٌ، وإِلا فقولوا: السلامُ عليكم.
قوله تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أمرِه. .) الآية.
إن قلتَ: كيف عدَّى خالف ب " عَنْ " مع أنه يتعدَّى بنفسه؟!
قلتُ: ضَمّن ب " خَالَفَ " معنى " يُعرضُ " أو " يعدلُ " فعدَّاه تعديتَه، أو عن متعلَّقٍ بمحذوفٍ تقديره: أو ويعدلون عن أمره، أو هي زائدة على قول الأخفش.
قوله تعالى: (تَبَارَكَ إلَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً) . " تبارك " هذه كلمةٌ لا تُستعمل إِلَّا لله بلفظ الماضي، وذُكرت في هذه السورة في ثلاثة مواضع تعظيماً لله تعالى.
وخُصَّتْ مواضُعها بذكرها، لِعظَم ما بعدها.
الأول: ذكرُ الفرقان وهو القرآنُ، المشتملُ على معاني جميع كتبِ الله.
والثاني: ذكرُ النبي - صلى الله عليه وسلم - ومخاطبةِ الله له فيه، وروي (1) : " لولاك يا محمدُ ما خَلقتُ الكائناتِ ".
والثالث: ذكرُ البروج، والشمس، والقمر، والليل
والنهار، ولولاها لما وُجد في الأرض حيوان ولا نباتٌ.
قوله تعالى: (وَخَلَقَ كلَّ شَيْءٍ فَقَدَّره تَقْدِيراً)
إن قلتَ: الخلقُ هو التقديرُ، ومنه قوله تعالى " وإِذْ تخلُقُ من الطِّينِ " فكيف جمع بينهما؟
قلتُ: الخلقُ من الله هو الِإيجادُ، فصحَّ الجمعُ بينه وبين التقدير، ولو سُلِّم أنه التقديرُ، فساغ الجمعُ بينهما لاختلافهما لفظاً، كما في قوله تعالى: " أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ " -.
3 - قوله تعالى: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ. .) الآية.
قاله هنا بالضمير " مِنْ دونه " وقاله في مريم، ويسَ بلفظ " الله " موافقةً لما قبله في المواضع الثلاثة.
قوله تعالى: (أَمْ جَنَّةُ الخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيراً) .
إن قلتَ: كيف قال في وصف الجنة ذلك، مع أنها لم تكن حينئذٍ جزاءً ومصيراً؟
قلتُ: إنما قال ذلك، لأن ما وعد الله به، فهو فىِ تحقّقه كأنه قد كان. أو أنه كان في اللوح المحفوظ، أنَّ الجنة جزاؤُهم ومصيرُهم.
قوله تعالى: (لِنُحْييَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَاماَ وَأَنَاسِيَّ كثِيراً) .
ذكر الصفة مع أن الموصوف
مؤنَّثٌ، نظراً إلى معنى البلدة وهو المكان، لا إلى لفظها، والسرُّ فيه تخفيف اللفظ.
وقدَّم في الآية إحياءَ الأرضِ، وسقيَ الأنعامِ، على سقي الأناسيّ، لأن حياة الأناسيّ بحياة أرضهم وأنعامهم، فقدَّم ما هو سببُ حياتهم ومعاشهم، ولأن سقْيَ الأرضِ بماء المطرِ، سابقٌ فِي الوجود على سقي الأناسيّ.