قوله تعالى: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّاَ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ. .) الآية.
إن قلتَ: لمَ تركَ ذكر الأعمام والأخوالِ، مع أنَّ حكمَهما حكم من استُثْني؟
قلتُ: تركهما كما ترك محرَّم الرضاع، أو لفهمهما من بني الِإخوان وبني الأخوات، بالأَوْلى أو بالمساواة.
والجوابُ - أنه لم يُذكر من المستثنى، إِلَّا من اشترك هو وابنُه في المحرميَّةِ، لأنَّ من لم يشاركه ابنُه فيها، كالعمِّ والخال، قد يَصِفُ محرمَه عند ابنه، وهو ليس بمحْرَمِ لها، فيُفْضي إلى الفتنةِ - نُقِضَ بأن إفضاءَ الفتنةِ، َ يأتي في " آباء بعولتهنَّ " فقد يذكرُ أبو البعلِ، محْرمَه عند ابنه الآخر، وليس بمحرم لها.
قوله تعالى: (وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى البِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً. .) الآية.
إن قلتَ: كيف قال ذلكَ، مع أن إكراههنَّ على الزنى حرامٌ، وإِنْ لم يُردْنَ التحصُّنَ؟
قلتُ: الشرط هنا لا مفهوم له، لخروجه مخرج
الغالب منْ أنَّ إكراههنَّ إنما يكون مع إرادتهنّ التحصًّنَ، ولوروده على سبب، وهو أن الجاهلية كانوا يُكرهون إماءَهم على الزنى، مع إرادتهنَّ التحصنِ، أو أنَّ " إنْ " بمعنى " إذْ " كما في قوله تعالى: " وَذرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ " وقَوْلِهِ: " وأنتمُ الأعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ".
قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثلاً مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ. .) .
قاله هنا بذكرِ الواوِ، و " إليكمْ " وقاله بعدُ بحذفهما، لأن اتصال ما هنا بما قبله أشدًّ؟ إذ قوله بعدُ " ومَوْعِظَةً للمتَّقِينَ " مصروفٌ الى الجُمَل السابقة من قوله: " وَلْيَسْتَعْفِف الّذينَ لا يجدونَ نكاحاً " إلى آخره، وفيه معطوفان بالواو، فناسبَ ذكرُها العطف، وذكرَ " إليكم " ليُفيد أنّ الآياتِ المبيِّناتِ، نزلتْ في المخاطبينَ في الجُمَل السَّابقة، وما ذُكِرَ بعدُ خالٍ عن ذلك، فناسبَهُ الاستئنافُ والحذفُ.
قوله تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ..) الآية، أي مثل صفةِ نورِه
تعالى، كصفةِ نور مِشْكاةٍ فيها مصباحٌ، المصباحُ في " زُجَاجَةٍ " هي القنديل، والمصباحُ: الفتيلةُ الموقودةُ، والمشكاةُ: الأنبوبةُ في القنديل، فصار المعنى: كمثل نور مصباحٍ، في مشكاةٍ، في زجاجة.
فإِن قلتَ: لمَ مثَّل الله نورَه - أي معرفته - في قلب المؤمنِ، بنور المصباح دون نور الشمس، مع أن نورها أتمُ؟
قلتُ: لأن المقصود تمثيلُ النور في القلب، والقلبُ
في الصَّدْرِ، والصَّدرُ في البدن، كالمصباحِ، والمصباحُ في الزجاجةِ، والزجاجة في القنديل.
وهذا التمثيلُ لا يستقيم إِلَّا فيما ذُكر، ولأن نور المعرفة له آلاتٌ يتوقَّفُ هو على اجتماعها، كالذّهنِ، والفهم، والعقل، واليقظة، وغيرها من الصفات الحميدة، كما أنَّ نور القنديل، يتوقف على اجتماع القنديل، والزيتِ، والفتيلة وغيرها، أو لأن نور الشمس يُشرقُ متوجهاً إلى العالم السُّفلي، ونور المعرفةِ يُشرق متوجهاً إلى العالم العُلْوي، كنور المصباح.
ولكثرةِ نفع الزيتِ وخلوصهِ عمَّا يخالطه غالباً، وقعَ التشبيهُ في نوره دون نور الشمس، مع أنه أتمُّ من نور المصباح.
قوله تعالى: (رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ. .) .
إن قلتَ: لمَ عطفَ البيعَ على التجارة مع شمولها له؟
قلتُ: لأن التجارة هي التصرُّف في المال لقصد الربح، والبيعُ أعمُّ من ذلك، فَعَطَفه عليها لئلا يُتوهم القصورُ على بيع التجارة.
أو أُريد بالتجارة؟ الشراءُ لقصد الربح، وبالبيع: البيعُ مطلقاً.
قوله تعالى: (وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ. .)
إن قلتَ: لمَ خصَّ الدابة بالذِّكْرِ، مع أن عْيرها مثلها، كما شمله قوله في الأنبياء: " وَجَعَلْنَا مِنَ المَاءِكُل شَيْءٍ حَيٍّ ".
قلتُ: لأن القدرة فيها أظهرُ وأعجَبُ منها في غيرها.
وله تعالى: (فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَنْ يَمْشِي عَلَى
أربع ... ) .
فيه مجازُ التغليبِ، حيثُ استعمل " مَنْ " وهي لمن يعقلُ فى غيره، لوقوعه تفصيلاً لما يعمُّهما وهو " كلّ دابة ".
وفيه أيضاً: مجازُ التشبيه، إذْ إسنادُ ما ذُكر إلى الحيَّة، زحفٌ لا مَشْيٌ، لكنَّه يشبهه في السَّيْر.
قوله تعالى: (يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنْكُم. .) .؟
إن قلتَ: كيف أمرَ الله تعالى بالاستئذانِ لهم، مع أنهم غير مكلَّفين؟
قلتُ: الأمرُ في الحقيقة لأوليائهم ليؤدِّبوهم.
قوله تعالى: (وَالقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاَّتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً..) الآية.
إن قلتَ: كيف أباح تعالى بذلك للقواعد من النساء - وهنَّ العجائزُ - التجرُّدَ من الثياب بحضرة الرجال؟!
قلتُ: المرادُ بالثيابِ الزائدةُ على ما يسترهنَّ، وسُمِّيتِ العجوزُ قاعداً لكثرة قعودها قاله ابن قتيبة.