قوله تعالى: (تِلْكَ أمَّة قَدْ خَلَتْ. .)
ذكَرها مع أَنَّ مضمونَها معلومٌ لِكل مميِّز، للتنبيه على عِظَم العصيان واجتنابه، كما أنَّ قوله " لكُمْ دينكُم وليَ دين " ذُكر مع أنه معلومٌ، للتنبيه على أن الكفر ممَّا يعود بسوء العاقبة عليهم، وكرَّرها مبالغة في النصح، أو لأن " الأمَّة " في الأولى للأنبياء، وفي الثانية لأسلاف اليهود والنصارى. أو لأن الخطاب في الأولى لهم، وفي الثانية لنا تحذيراً عن الِإقتداء بهم.
قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ. .) .
" كان " للماضي وهو هنا للحال، وتأتي في القرآن لخمسة معان:
أ - للحال ومنه " إِنَّ الصَّلاةَ كانتْ عَلَى المؤمنينَ كِتَاباً مَوْفوتاً " و " كان الله بما يعملون بصيراً ".
ب - وللماضي المنقطع ومنه " وكان في المدينةِ تِسْعةُ رَهْطٍ " وهو الأصل في معانيها.
ب - وللاستقبال ومنه " وَيَخَافُونَ يوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً ".
د - وللدوام ومنه " وكانَ اللَّه عَلِيماً حَكِيماً ".
هـ - وبمعنى صار ومنه " وَكان مِنَ الكَافِرين ".
قوله تعالى: (فَلَنوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا. .) .
فإِن قلتَ: هذا يقتضي عدم رضا النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتوجه
إلى بيت المقدس، مع أن التوجه إليه كان بأمر الله؟
قلتُ: المراد بالرضا هنا رضا المحبة بالطبع، لا رضا التسليم والانقياد لأمر الله.
قوله تعالى: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَام. .)
كُرِّر ثلاث مرَّات، لأن الأول في المَسجد الحرام، والثاني خارجه، والثالث خارج البلد، وعليها يُنزَّل قوله قبل كلٍّ منها " ومنْ حيثُ خرجت ".
قوله تعالى: (وَمَا أَنْتَ بِتَابع قِبْلَتَهُمْ. .)
أي اليهود والنصارى، ولكلٍّ منهما قبلة، لكنْ لمَّا كانت القبلتان باطلتيْن، كانتا في حكم البطلان واحدةً، فلهذا قال " قبلتَهم ".
قوله تعالى: (فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ)
قال في الأنعام مثله " فَلَا تَكُونَنَّ منَ المُمترينَ " وفي آل عمران " فلا تكنْ من الْممترينَ " بغير نون التوكيد. لأنَّ ما في " آل عمران " جاء على الأصل، ولم يكن فيها ما اقتضى إدخال نون التوكيد. بخلاف ما هنا، فإِنَّ قبله التوكيد بأَنَّ في قوله " أَنَّه الحقُّ من ربهم ".
قوله تعالى: (لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَليْكُمْ حُجَّةٌ إِلّاَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ. .) .
إن قلتَ: كيف يكون للظالمين من اليهود حجَّةٌ على المؤمنين؟
قلتُ: حجَّتُهم قولُهم: ما تحوَّل محمدٌ عن الكعبة، إِلَّا أنه بدا له الرجوع إِلى قبلةِ آبائه، ويوشك أن يرجع إِلى دينهم.!!
وهذا باطلٌ، وإِنما سُمِّي حجَّةً كقوله " حجَّتُهم داحضةٌ " لشبهه لها صورةً، فالمعنى إلا أن يقولوا ظلماَ وباطلًا، كقولك لرجلٍ: ما لكَ عندي حقٌ إِلاَّ أن تظلم أي إلا أن تقول الباطل.
قوله تعالى: (وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ) .
إن قلتَ: ما فائدةُ ذكرِ الثاني مع أن الأول يقتضيه؟
قلتُ: لا نسلِّم أنه يقتضيه، لأن المراد بالكفر ستر النِّعمة، والشّكرُ لا يقتضي عدمَه.