قوله تعالى: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ. .) .
فإن قلتَ: ما فائدةُ ذكرِ اليدِ، مع أنَّ الكتابةَ لا تكون إِلَّا بها؟
قلتُ: فائدتُه تحقيقُ مباشرتهم ما حرَّفوه بأنفسهم، زيادةً في تقبيح فعلهم.
قوله تعالى: (وَقَالُوا لَنْ تَمَسنَا النارُ إلَّا أَياماً مَعْدُودَةً) .
إن قلتَ: لمَ قال هنا " معدودة " وفي آل عمران " معدود ات "؟
قلتُ: إشارة إلى الجمع بين الأصل والفرعِ، إذِ الأصلُ في الجمع بالألف والتَّاء إذا كان واحده مذكَّراَ، أن يُقتصر في الوصف على تأنيثه مفرداً كقوله تعالى " فيها سُرر مَرْفوعةٌ " وقد يأتي " سُرُرٌ مرفوعاتٌ " على الجمع، فهو فرع عن الأول، فذكر في " البقرة " على الأصل، لكونها أول، وفي " آل عمران " على الفرع.
قوله تعالى: (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلّاَ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ) .
فإن قلت: التولّي والإِعراضُ واحدٌ، فلمَ جُمع بينهُما؟
قلتُ: لا محذور فيه لأن قوله " وَأَنتمْ مُعْرضُونَ " حال من فاعل توليتم، فهي حالٌ مؤكَدة كما في قوله تعالى " ثمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرينَ ". أو مؤسسة إذِ المعنى: ثم وليتم عن الوفاء بالعهد، وأنتم معرضون عن النظر والفكر في عاقبة ذلك.
قوله تعالى: (وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) .
فإن قلتَ: لمَ قالَ هنا " لَنْ " وفي الجمعة " لا "؟
قلتُ: لأنَّ " لَنْ " أبلُغ في النفي منْ " لا "، حتى قيل: إنَّها لتأبيد النفي، ودعواهم في البقرة بالغةٌ قاطعة، وهي كونُ الجنَّةِ لهم بصفة الخلوص، فناسب ذكْرُ " لَنْ " فيها.
ودعواهم في " الجمعة " قاصرةٌ مردودة، وهي زعمهم أنهم أولياء الله، فناسبَ ذكرُ " لا " فيها.
قوله تعالى: (وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا. .) .
فإن قلتَ: لمَ خُصُّوا بالذّكر، مع دخولهم في الناس
في قوله تعالى: " ولتجدنَّهم أحرصَ النَّاسِ على حَيَاةٍ "؟
قلتُ: لشدَّة حرصهم على الحياة، لِإنكارهم البعث.
قوله تعالى: (بَلْ أَكْثَرُهُم لَا يُؤْمِنُونَ) .
إن قلتَ: لمَ قال هنا " لا يؤمنون " وفي غيره " لا يعقلون "، " لا يعلمون "؟
قلتُ: لَأنَّ الآية هنا نزلت في كفارٍ نقضَ بعضهم العهد، وجحد بعضهم الحقَّ، ولم يجتمع هذان الأمران في غير هذه السورة.
قوله تعالى: (وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الملَكَيْن)
أي من السِّحر، فهو معطوفٌ على السِّحر قبله، وسوَّغ عليه تغايُرهما لفظاً، والمَلَكان أنزلهما الله تعالى لتعليم السِّحر، ابتلاءً منه للناس.
فإِن قلتُ: هذا يدلّ على جواز تعليم السحر، فلا يكون حراماً؟
قلتُ: الحرامُ تعليمُه ليُعمل به، لا ليُجتنب فإِنه جائزٌ، كما لو سُئل إنسانٌ عن الزِّنا، لزمه بيانه للسائل ليعرفه فيجتنبه.
قوله تعالى: (وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ في الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ. . . إلى: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) .
إِن قلتَ: كيف أثبتَ لهم العلم أولًا مؤكداً بلام القَسَم، ونفاه عنهم آخراً؟
قلتُ: المثبتُ لهم علمهم بأنَّ من اختار السِّحر، ما له في الآخرة من نصيب، والمنفيُّ عنهم علمهم بحقيقة ما يصيرون إِليه فيها.
أو المثبتُ لهم العلمُ مطلقاً، والمنفيُّ عنهم العقل، لأنه أصل العلم فإِذا انتفى انتفى.
قوله تعالى: (لَمَتُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ) .
أي من السِّحر، وهو خبرٌ لمثوبة.
فإِن قلتَ: " خيرٌ " أفعلُ تفضيل، ولا خير في السِّحر؟
قلتُ: ليس " خيرٌ " هنا أفعل تفضيل، بل هو لبيان أنَّ المثوبة فاضلة كما في قوله تعالى " أَفَمَنْ يُلْقى في النَّار خيرٌ " كما يُقال: الرجوع إِلى الحقِّ خيرٌ من التَّمادي
في الباطل. أو هو أفعل تفضيل، وخاطبهم اللهُ على اعتقادهم أن تعلّم السِّحر خيرٌ، نظراً منهم إِلى حصول مقصودهم الدنيوي به.