قوله تعالى: (وَإذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ فَكُلُوا. .) .
فإن قلتَ: ما الحكمةُ في العطف بالفاء هنا، وفي الأعراف بالواو؟
قلتُ: لأنه عبَّر هنا بالدخول، وهو سريعُ الانقضاء، فلا يناسبه مجامعة الأكلِ له، وإنما يناسبه تعقيبه له، فعطف بالفاء. وعَبَّر بالأعراف بالسكون، أي الاستقرار وهو ممتدٌّ يجامعه الأكلُ، فعطف بالواو.
قوله تعالى: (وَسَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ)
إن قلتَ: لمَ ذكرَ هنا بالواو، وفي الأعراف بدونها؟
قلتُ: لأنَّ اتصالَه هنا أشدُّ، لِإسناد القول فيه إلى
الله تعالى في قوله " وَإذْ قُلْنَا ادْخُلُوا ". بخلافه ثَمَّ، فالأليقُ به حذفُ الواو ليكون استئنافاً.
قوله تعالى: (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ. .) .
إن قلتَ: هم لم يُبدِّلوا غير الذي قيل لهم، وإنما بدَّلوه نفسه، لأنهم قيل لهم قولوا " حِطَّةٌ " فقالوا: حنطة.
قلتُ: بل بدَّلوا غير الذي قيل لهمِ، لأن معناه: فبدَّل الذين ظلموا قولًا قيل لهم، فقالوا قولاً غير الذي قيل لهم.
وزاد في الأعراف " منهم " موافقةً لقوله قبله " وَمِنْ قَوْمِ موسى " ولقوله بعده " مِنْهمُ الصَّالِحونَ وَمِنْهمْ دُوْنَ ذَلِكَ ".
قوله تعالى: (فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً. .) .
عبَّر بدَلَه في الأعراف بقوله: (فَانْبجَسَتْ) والأول أبلغُ لأنه انصبابُ الماء بكثرة، والانبجاسُ: ظهورُ الماء، فناسب ذكر " الانفجار " هنا الجمعُ قبله بين الأكل والشرب، الذي هو أبلغ من الاقتصار على الأكل.
قوله تعالى: (وَلَا تَعْثَوْا في الأَرْضِ مُفْسِدِينَ) .
إن قلتَ: العثُوُّ: الفسادُ، فيصير المعنى: ولا تفسدوا في الأرض مفسدين.
قلتُ: لا محذور فيه، غايتُه أن " مُفْسِدينَ " حالٌ
من فاعل " تَعْثَوْا " فهي حالٌ مؤكدة كما في قوله: " ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ " أو حالٌ مؤسِّسَة إذ " العُثُوُّ " لكونه التَّمادي في الفساد، أخصُّ من الفساد. فالمعنى - كما قال الزمخشري - لا تتمادوا في الفساد في حال فسادكم. 33 - قوله تعالى: (لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ) .
إن قلتَ: كيف قالوا: " على طَعامِ
واحدٍ " وطعامُهم كان طعاميْن: " المَنَّ " و " السَّلوى "؟
قلتُ: المرادُ بالواحد ما لا يختلف ولا يتبدَّل، أو بالطَّعاميْن أنهما ضربٌ واحدٌ، لأنهما من طعام أهل التلذُّذ والتَّرف، أو أنهما كانا يؤكلان مختلطيْنِ.
قوله تعالى: (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَق) .
عَرَّف الحقَّ هنا، ونكَّره في " آل عمران " و " النساء "!!
لأنَّ ما هنا لكونه وقع أولاً إشارةً إلى " الحقِّ " الذي أذن الله أن يُقتل النَّفسُ به، وهو قوله: " وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتي حَرَّمَ الَّلهُ إلاَّ بالحقِّ " فكان التعريف أولى، وهناك أُريد به " بغير حقٍّ " في معتقدهم ودينهم، فكان بالتنكير أولى.
فإن قلتَ: قتلُ النبِّيينَ لا يكون إلّا بغير الحقِّ، فما فائد " ذلك؟
قلتُ: فائدتُه التصريحُ بصفةِ فعلهم القبيح، لأنه أبلغُ في الشناعة.
فإن قلتَ: لمَ مكَّنَ الكافرين من قتلِ الأنبياءِ؟
قلتُ: كرامةً لهم، وزيادةً في منازلهم، كمن يُقْتلُ في الجهادِ من المؤمنين.
قوله تعالى: (وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ. .)
فإن قلتَ: لمَ قدَّم النَّصارى على الصَّابئين هنا، وعكَسَ في المائدة والحجِّ؟
قلتُ: لأن النصارى مقدَّمون على الصَّابئِين في الرتبة، لأنهم أهلُ كتابٍ، فقُدِّموا في " البقرة " لكونها أوَّلاً. والصَّابئون مقدَّمون على النَّصارى في الزمن، فقُدّموا في " الحّجِ "، ورُوعي في " المائدة " المعنيان، فقُدّموا في اللفظ وأُخِّروا في المعنى، إذِ التقديرُ:
والصابئون كذلك كما في قول الشاعر:
فمنْ يَكُ أمْسَى في المدينةِ رَحْلُه
فإنّي وَقَيارٌ بهَا لَغَريبُ
إذِ التقديرُ: فإني لغريبٌ بها وقيارٌ كذلك.
قوله تعالى: (فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) .
فإن قلتَ: كيف أُمروا بذلك مع أنه ليس في وسعهم؟
قلتُ: هذا أمرُ إيجادٍ لا أمُر إيجابٍ، كقوله " كنْ فيكونُ ".