قال تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَقَالُوٓاْ أَءِذَا كُنَّا عِظَٰمٗا وَرُفَٰتًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ خَلۡقٗا جَدِيدٗا٤٩﴾ (49، 98)
وقال في سورة المؤمنون: ﴿قَالُوٓاْ أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ٨٢﴾.
وقال في سورة الصافا: ﴿أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَدِينُونَ٥٣﴾.
سؤال قال في آيتي الإسراء: ﴿أَءِذَا كُنَّا عِظَٰمٗا وَرُفَٰتًا﴾، وقال في آية (المؤمنون) وآيات أخرى: ﴿أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا﴾ فما الفرق؟
الجواب: إن التراب والعظام أدلّ على البلى من العظام والرفات ذلك أن (الرفات) هو الفتات والحطّام من كل شيء، يقال: (رفت الشيء كسره ودقه). فإذا بلى الرفات أصبح تراباً.
فبعث التراب والعظام أبعد في عقول المنكرين وأغرب من بعث العظام والرفات، وهو أدعى للعجب والإنكار، وهذا يتضح من السياق الذي يرد فيه كل من التعبيرين.
ففي سياق آيتي الإسرا: ﴿وَقَالُوٓاْ أَءِذَا كُنَّا عِظَٰمٗا وَرُفَٰتًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ خَلۡقٗا جَدِيدٗا﴾ لم يذكر من قولهم غير هاتين الآيتين في الإنكار، فلم يقولوا بعدهما ولا قبلهما شيئاً يتعلق بإنكار البعث أو العجب منه.
وأما إذا ذكر التراب والعظام فإنه يذكر من إنكارهم واستبعادهم للبعث ما لم يذكره في العظام والرفات.
من ذلك مثلا ما جاء في سورة (المؤمنون) وهو قوله تعالى: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ٣٥ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ٣٦ إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ٣٧ إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ٣٨﴾ [المؤمنون: 35-38].
فأنت ترى من العجب والاستبعاد ما هو ظاهر مما لم يذكر نحوه في آيتي الإسراء، ونحو ذلك قوله في السورة نفسها: ﴿قَالُوٓاْ أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ٨٢ لَقَدۡ وُعِدۡنَا نَحۡنُ وَءَابَآؤُنَا هَٰذَا مِن قَبۡلُ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ٨٣﴾.
ونحوه ما جاء في سورة الصافات: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ٥١ يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ٥٢ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ٥٣﴾ [الصافات: 51-53].
ونحوه ما جاء في سورة الواقعة: ﴿وَكَانُواْ يَقُولُونَ أَئِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ٤٧ أَوَ ءَابَآؤُنَا ٱلۡأَوَّلُونَ٤٨﴾.
فيضيفون إلى عجبهم وإنكارهم أن يُبعثوا مع آبائهم الأولين.
فكيف يبعث آباؤهم الأولون معهم وقد أصابهم من البلى ما أصابهم؟
وهذا شأن كل ما ذكر فيه التراب والعظام.
ويدلك على هذا أيضاً أنه حيث ذكر التراب والعظام أضافوا إلى ذلك ذكر الموت فيقولون: ﴿أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا﴾ وذلك للزيادة في العجب والاستبعاد. فالميت لا يحيا إلا وإن كان حديث الموت، فكيف إذا أصبح تراباً وعظاماً؟!
ولم يذكر مثل ذلك مع العظام والرفات، فذكر الموت مع التراب والعظام فيه جانبان:
جانب الزيادة في العجب والاستبعاد، وجانب الإفاضة والتوسع في دواعي الاستبعاد والإنكار، مما يدعو إلى الإفاضة في ذكر الإنكار والعجب بخلاف ذكر العظام والرفات وعدم ذكر الموت فإنه أوجز في الكلام، وأوجز في ذكر العجب والاستبعاد.
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 117، 118)
قال تعالى في سورة مريم: ﴿جَنَّٰتِ عَدۡنٍ ٱلَّتِي وَعَدَ ٱلرَّحۡمَٰنُ عِبَادَهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ إِنَّهُۥ كَانَ وَعۡدُهُۥ مَأۡتِيّٗا٦١ لَّا يَسۡمَعُونَ فِيهَا لَغۡوًا إِلَّا سَلَٰمٗاۖ وَلَهُمۡ رِزۡقُهُمۡ فِيهَا بُكۡرَةٗ وَعَشِيّٗا٦٢ تِلۡكَ ٱلۡجَنَّةُ ٱلَّتِي نُورِثُ مِنۡ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّٗا٦٣﴾.
سؤال: في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُۥ كَانَ وَعۡدُهُۥ مَأۡتِيّٗا﴾.
1 – لماذا جاء بهذا التعبير ولم يقل مثلاً (إن وعد الرحمن كان مأتياً) أو: (إن الرحمن كان وعده مأتياً)؟
2- لماذا قال (مأتياً) ولم يقل (آتياً)؟
الجواب:
1 – الجواب عن السؤال الأول من أوجه:
أ- إن الهاء في (إنه) يحتمل أن تعود على الرحمن، ويحتمل أن تكون ضمير الشأن، وهو - أي ضمير الشأن- يفيد تفخيم الوعد وتعظيمه.
ب – لو قال: (إن الرحمن كان وعده مأتياً) لفات تفخيم الوعد وتعظيمه مع أن الوعد له شأن كبير وظاهر في السياق.
ج- ولو قال: (إن وعد الرحمن كان مأتياً) لفات التفخيم أي تفخيم الوعد من ناحية، ومن ناحية أخرى يكون الإخبار عن الوعد لا عن الرحمن، مع أن الكلام على الرحمن أيضاً كما هو على الوعد، فقد ذكر أن الرحمن وعد عباده، وأن وعده مأتـيٌّ، وأنه يورث الجنة لعباده الأتقياء فقال: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا٦٣﴾ [مريم: 63].
وعلى هذا فقد ذكر الرحمن، وأعاد عليه الضمير أربع مرات في الأقل.
الضمير في (عبادهُ) والضمير في (وعْدُهٌ)، والضمير المستتر في (نُورِثُ)
والضمير في (عبادنا)، مما يدل على أهميته في السياق.
د – في التعبير الذي جاء في الآية تفخيم وتعظيم للرحمن وللوعد كليهما وكل منهما له أهميته في السياق كما هو ظاهر ولو قال أي تعبير آخر لم يجمع المعنيين معاً.
2 – أما بالنسبة إلى السؤال الثاني فإن قوله: (مَأْتِياًّ) هو المناسب من أكثر من وجه.
فإن المقصود بالوعد في الآية إنما هو الجنة، قال تعالى: ﴿جَنَّٰتِ عَدۡنٍ ٱلَّتِي وَعَدَ ٱلرَّحۡمَٰنُ عِبَادَهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ﴾ وهم يأتونها. قال تعالى: ﴿وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ إِلَى ٱلۡجَنَّةِ زُمَرًاۖ﴾ فهي مأتية.
هذا من ناحية، من ناحية أخرى أن هذا التعبير يُفيد قوة الوعد، وأنه ناجز لا محالة فنحن نأتيه وهو يأتينا، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران: 154]
، أي يمضون إلى قدر الله الذي قدره عليهم.
وقال: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ﴾ [النساء: 78] أي: يأتيهم، فالقدر يأتي ويؤتى كما قال الشاعر:
فهــــنّ المنايــــا أيّ واد سلكته عليها طريقي أو عليّ طريقها
وذلك أدلّ على إنجاز الوعد لأنه آت ومأتي ٌّ.
هذا مع أنه قيل أيضاً: إن (مأتى) هنا بمعنى اسم الفاعل، أي آت؛ كما قيل في جملة من أسماء المفعول نحو: (حجاباً مستوراً)
والأولى عدم إخراج الصيغة عن الدلالة المشهورة لها، ما دام يمكن حملها عليها.
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 120، 121)
– قال تعالى في سورة طه: ﴿ إِذۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰٓ٣٨ أَنِ ٱقۡذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقۡذِفِيهِ فِي ٱلۡيَمِّ فَلۡيُلۡقِهِ ٱلۡيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأۡخُذۡهُ عَدُوّٞ لِّي وَعَدُوّٞ لَّهُۥۚ وَأَلۡقَيۡتُ عَلَيۡكَ مَحَبَّةٗ مِّنِّي وَلِتُصۡنَعَ عَلَىٰ عَيۡنِيٓ٣٩ إِذۡ تَمۡشِيٓ أُخۡتُكَ فَتَقُولُ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ مَن يَكۡفُلُهُۥۖ فَرَجَعۡنَٰكَ إِلَىٰٓ أُمِّكَ كَيۡ تَقَرَّ عَيۡنُهَا وَلَا تَحۡزَنَۚ﴾ (38 – 40).
وقال في سورة القصص : ﴿وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ أُمِّ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَرۡضِعِيهِۖ فَإِذَا خِفۡتِ عَلَيۡهِ فَأَلۡقِيهِ فِي ٱلۡيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحۡزَنِيٓۖ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيۡكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ٧ فَٱلۡتَقَطَهُۥٓ ءَالُ فِرۡعَوۡنَ لِيَكُونَ لَهُمۡ عَدُوّٗا وَحَزَنًاۗ إِنَّ فِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَٰطِِٔينَ٨ وَقَالَتِ ٱمۡرَأَتُ فِرۡعَوۡنَ قُرَّتُ عَيۡنٖ لِّي وَلَكَۖ لَا تَقۡتُلُوهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوۡ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدٗا وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ٩ وَأَصۡبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَٰرِغًاۖ إِن كَادَتۡ لَتُبۡدِي بِهِۦ لَوۡلَآ أَن رَّبَطۡنَا عَلَىٰ قَلۡبِهَا لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ١٠ وَقَالَتۡ لِأُخۡتِهِۦ قُصِّيهِۖ فَبَصُرَتۡ بِهِۦ عَن جُنُبٖ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ١١ ۞وَحَرَّمۡنَا عَلَيۡهِ ٱلۡمَرَاضِعَ مِن قَبۡلُ فَقَالَتۡ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰٓ أَهۡلِ بَيۡتٖ يَكۡفُلُونَهُۥ لَكُمۡ وَهُمۡ لَهُۥ نَٰصِحُونَ١٢ فَرَدَدۡنَٰهُ إِلَىٰٓ أُمِّهِۦ كَيۡ تَقَرَّ عَيۡنُهَا وَلَا تَحۡزَنَ وَلِتَعۡلَمَ أَنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ١٣﴾( 7 – 13 ).
سؤال: لماذا قال في سورة طه: ﴿هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ مَن يَكۡفُلُهُ﴾، وقال في سورة القصص: ﴿هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰٓ أَهۡلِ بَيۡتٖ يَكۡفُلُونَهُۥ لَكُمۡ﴾؟
الجواب:
1 – الكلام في القصص مبني على الجمع، وفي طه على الإفراد.
فقد قال في القصص: ﴿فَٱلۡتَقَطَهُۥٓ ءَالُ فِرۡعَوۡنَ لِيَكُونَ لَهُمۡ عَدُوّٗا وَحَزَنًاۗ﴾، وقال في طه ﴿يَأۡخُذۡهُ عَدُوّٞ لِّي وَعَدُوّٞ لَّهُۥۚ﴾ فكان قوله: ﴿أَهۡلِ بَيۡتٖ يَكۡفُلُونَهُۥ﴾ أنسب بالجمع، وقوله: ﴿مَن يَكۡفُلُهُ﴾ أنسب بالمفرد.
2 – قال في القصص: ﴿وَقَالَتِ ٱمۡرَأَتُ فِرۡعَوۡنَ قُرَّتُ عَيۡنٖ لِّي وَلَكَۖ﴾ وامرأة الرجل أهله في اللغة والقرآن. قال تعالى في امرأة سيدنا إبراهيم بعد أن قالت: ﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ٧٢ قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ٧٣﴾ [هود: 72-73].
وقالت امرأة العزيز تكلّم زوجها بخصوص سيدنا يوسف: ﴿مَا جَزَآءُ مَنۡ أَرَادَ بِأَهۡلِكَ سُوٓءًا﴾ (يوسف :25).
وامرأة فرعون أهل بيته فناسب أن تدلّ أخته أهل بيت فرعون على أهل بيت يكفلونه، وليس في طه مثل ذلك.
3 – قال تعالى في القصص: ﴿فَٱلۡتَقَطَهُۥٓ ءَالُ فِرۡعَوۡنَ﴾ والراجح عند علماء اللغة أن أصل كلمة (آل) وهو (أهل) أبدلت الهاء همزة ثم ألفاً لاجتماع همزتين الأولى مفتوحة والثانية ساكنة، فإذا صغرت (آل) قيل: (أهيل) فناسب ذكر الآل ذكر (أهل بيت) في القصص.
فآل فرعون هم أهله وخاصته فكان المناسب القول: ﴿هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰٓ أَهۡلِ بَيۡتٖ﴾ وليس في طه مثل ذلك.
4- إن هذا الجانب من القصة في سورة القصص أطول مما في طه كما هو موضح، فهي في طه ثلاث آيات، وفي القصص سبع آيات، وقوله: ﴿أَهۡلِ بَيۡتٖ يَكۡفُلُونَهُۥ لَكُمۡ وَهُمۡ لَهُۥ نَٰصِحُونَ﴾ أطول من قوله ﴿عَلَىٰ مَن يَكۡفُلُهُ﴾ فناسب الإيجازُ الإيجازَ، والتبسط ُالتبسطَ.
5 – هذا ومن جهة أخرى أن كلمة (أهل) وردت في القصص أكثر مما في طه.
وأن كلمة (من) وردت في طه أكثر مما في القصص.
فقد وردت كلمة (أهل) في القصص سبع مرات، وفي طه أربع مرات، وأن كلمة (من) وردت في طه (24) أربعاً وعشرين مرة، ووردت في القصص (20) عشرين مرة، فناسب كل تعبير موضعه من أكثر من وجه.
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 122: 124)
قال تعالى في سورة طه: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى٧٧﴾ [طه: 77].
وقال في الشعراء: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ٥٢﴾ [الشعراء: 52].
وقال في سورة الدخان: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ٢٣ وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ٢٤﴾ [الدخان: 23-24].
سؤال: لماذا قال في آية الدخان: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا﴾ فذكر الليل، ولم يقل مثل ذلك في آيتي الشعراء وطه؟
الجواب: إن الإسراء لا يكون إلا في الليل سواء ذكر الإسراء أم لم يذكره، فالليل هنا هو ظرف مؤكد، ولما أمر ربنا موسى بالإسراء في آيتي الشعراء وطه علم أن ذلك إنما هو في الليل.
وأما ذكر الليل في الدخان وعدم ذكره في الآيتين الأخريين فلأكثر من سبب:
منها: أنه ذكر في الدخان من هذا الأمر ما لم يذكره في الآيتين الأخريين، وبيّن فيها ما لم يُبينه في الموطنين الآخرين، فقد ذكر في الدخان:
1 – أنهم متبعون.
2 – وأن جند فرعون مغرقون.
ولم يذكر هذين الأمرين في الموضعين الآخرين، وإنما ذكر أحدهما في كل موضع، فقد ذكر في الشعراء أنهم متبعون، ولم يقل له إنهم جند مغرقون، وإنما ذكر أنه لما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنّا لمدركون، فنفى موسى ذلك بقوله: ﴿قَالَ كَلَّآۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهۡدِينِ٦٢﴾ (الشعراء :62).
ولم يقل له في طه إنهم متبعون، وإنما ذكر له النجاة، فقد قال له: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى٧٧﴾ [طه: 77] ثم إنه ذكر بعد ذلك ما حصل.
ففصّل وبيّن في الدخان في تبليغه لموسى ما لم يُفصله ويُبينه في الموطنين الآخرين.
ومنها: أن قوله: (لَيْلاً) ليس المطلق التوكيد وإنما هو يدل على ليلة بعينها، فقولت: (جئت ليلاً) تريد فيه ليل ليلتك، أو ليله بعينها.
ولو قلت: (جئت في الليل) لم يتعين ذاك.
فقوله ﴿فَأَسۡرِ بِعِبَادِي لَيۡلًا﴾ يريد فيه تعيين الليلة التي أمر بالإسراء فيها.
وأما قوله: ﴿فَأَسۡرِ بِعِبَادِي﴾ فإنه أمر بالإسراء من دون تعيين الوقت، فكان في الدخان: تعيين وقت الإسراء، وبيان أنهم متبعون، وأن جند فرعون جند مغرقون؛ فناسب تبيين الوقت ما ذكره من التبيين في التلبيغ.
وناسب عدم التبيين للوقت تحديداً عدم التبيين لشيء مما سيقع في الموضعيين الآخرين.
ومما زاد ذلك حُسناً في الدخان إضافة إلى ما ذكرنا أنه قال في أول السورة: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةٖ مُّبَٰرَكَةٍۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ٣ فِيهَا يُفۡرَقُ كُلُّ أَمۡرٍ حَكِيمٍ٤ أَمۡرٗا مِّنۡ عِندِنَآۚ إِنَّا كُنَّا مُرۡسِلِينَ٥ رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ٦﴾ (3-6).
فذكر الليلة التي يُفرق فيها كل أمر حكيم، فناسب ذلك ذكر الليل الذي فرّق فيها بين جند فرعون وأصحاب موسى فأغرق فرعون وجنده، ونجّى موسى ومن معه.
وهو من لطيف التناسب يراعيه القرآن فيما تحسن فيه المراعاة.
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 124: 126)
قال تعالى في سورة طه: ﴿فَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ قَبۡلَ طُلُوعِ ٱلشَّمۡسِ وَقَبۡلَ غُرُوبِهَاۖ وَمِنۡ ءَانَآيِٕ ٱلَّيۡلِ فَسَبِّحۡ وَأَطۡرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرۡضَىٰ١٣٠ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيۡنَيۡكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّنۡهُمۡ زَهۡرَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا لِنَفۡتِنَهُمۡ فِيهِۚ وَرِزۡقُ رَبِّكَ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰ﴾ (130 – 131).
وقال في سورة ق: ﴿فَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ قَبۡلَ طُلُوعِ ٱلشَّمۡسِ وَقَبۡلَ ٱلۡغُرُوبِ٣٩ وَمِنَ ٱلَّيۡلِ فَسَبِّحۡهُ وَأَدۡبَٰرَ ٱلسُّجُودِ٤٠﴾ (39-40)
سؤال:
1 - لماذا قال آية (طه): ﴿وَقَبۡلَ غُرُوبِهَا﴾ وقال في آية (ق): ﴿وَقَبۡلَ ٱلۡغُرُوبِ﴾؟
2 – ولماذا قال في طه: ﴿وَمِنۡ ءَانَآيِٕ ٱلَّيۡلِ فَسَبِّحۡ ٰ﴾، بإطلاق التسبيح، وقال في ق: ﴿وَمِنَ ٱلَّيۡلِ فَسَبِّحۡهُ﴾ بتخصيص التسبيح لله وذلك بذكر ضميره؟
الجواب:
1 – بالنسبة إلى السؤال الأول فإن قوله في آية طه: ﴿وَقَبۡلَ غُرُوبِهَا﴾ تنصيص على غروب الشمس، وذلك بذكر الضمير الذي يعود عليها.
وأما قوله في ق: ﴿وَقَبۡلَ ٱلۡغُرُوبِ﴾ فإنه يدل على غروب الشمس بدلالة السياق، قيل على تقدير ضمير أو على قول من يرى أن (أل) عوض عن الضمير، وذكروا منه قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنۡ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ وَنَهَى ٱلنَّفۡسَ عَنِ ٱلۡهَوَىٰ٤٠ فَإِنَّ ٱلۡجَنَّةَ هِيَ ٱلۡمَأۡوَىٰ٤١﴾ (النازعات :41) أي: مأواه أو المأوى له.
فكأنه أخرج (الغروب) في (ق) مخرج العموم، وإن أريد به الخصوص.
وكل تعبير مناسب للسياق الذي ورد فيه.
فإن السياق في (طه) أُخرج مخرج الخصوص، كما أنه ألصق بالشمس، أما السياق في (ق) فقد أُخرج مخرج العموم وهو أبعد عن الشمس.
أما من حيث العموم في (ق) فمن ذلك ما ذكرناه في قوله: ﴿وَقَبۡلَ ٱلۡغُرُوبِ﴾ من أنه أخرج مخرج العموم وإن كان الكلام على الخصوص تقديراً.
ومنه أنه قال في طه: ﴿وَمِنۡ ءَانَآيِٕ ٱلَّليۡلِ﴾ وقال في ق: ﴿وَمِنَ ٱلَّليۡلِ﴾.
وآناء الليل ساعاته، ولا شك أن (الليل) أعم من ساعات الليل، فكان الكلام في (ق) أُخرج مخرج العموم.
وأما من حيث إن السياق في طه ألصق بالشمس فإنه قال فيهما:
﴿وَأَطۡرَافَ ٱلنَّهَار﴾ وقوله: ﴿وَأَطۡرَافَ ٱلنَّهَار﴾ له علاقة بالشمس شروقها وزوالها عند الظهيرة وغروبها، ويكفي ذكر (النهار) الذي آيته الشمس.
وأما في ق فلم يذكر أمراً يتعلق بالشمس ولا بالنهار، فقد قال: ﴿وَأَدۡبَٰرَ ٱلسُّجُودِ﴾ وهذا ليس له علاقة بالشمس ولا بالنهار.
فكان ذكر ضمير الشمس في (طه) أنسب مع السياق من ناحيتين:
ناحية الخصوص، وناحية ماله علاقة بالشمس وهو أطراف النهار.
هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى أن السياق في طه بعد ذلك عن الدنيا والحياة الدنيا والرزق ، فقد قال بعد الآية ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى١٣١﴾ [طه: 131] وأما السياق في (ق) بعد الآية ففي الآخرة ، فقد قال بعد الآية : ﴿وَٱسۡتَمِعۡ يَوۡمَ يُنَادِ ٱلۡمُنَادِ مِن مَّكَانٖ قَرِيبٖ٤١ يَوۡمَ يَسۡمَعُونَ ٱلصَّيۡحَةَ بِٱلۡحَقِّۚ ذَٰلِكَ يَوۡمُ ٱلۡخُرُوجِ٤٢ إِنَّا نَحۡنُ نُحۡيِۦ وَنُمِيتُ وَإِلَيۡنَا ٱلۡمَصِيرُ٤٣ يَوۡمَ تَشَقَّقُ ٱلۡأَرۡضُ عَنۡهُمۡ سِرَاعٗاۚ ذَٰلِكَ حَشۡرٌ عَلَيۡنَا يَسِيرٞ٤٤﴾ (41 – 44 ).
فناسب فيها ذكر الغروب على العموم وهو غروب الشمس وذهابها وزوالها وغروب كل شيء مما يتعلق بأمر الدنيا من الكواكب والنجوم والشمس والقمر، فإخراجه مخرج العموم أنسب في (ق).
هذا إن ذكر الآخرة بعد قوله: ﴿وَأَدۡبَٰرَ ٱلسُّجُود﴾ من لطيف المناسبات، ذلك أن الآخرة ستكون أدبار السجود حيث لا يكون في الدنيا رجل يقول: (لا إله إلا الله) وليس فيها رجل ساجد.
فكان كل تعبير في مكانه هو المناسب من كل ناحية، إضافة إلى فاصلة الآية.
2 – وأما الجواب عن السؤال الثاني فإنه أمَره في (ق) بنوعين من التسبيح:
1 – التسبيح بحمد ربه.
2 – تسبيح الله نفسه وذلك أنه قال: ﴿فَسَبِّحۡه﴾ أي: فسبّح الله، أو فسبح ربك، كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا٤١ وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا٤٢﴾ [الأحزاب: 41-42]، ذلك أنه قال فيها: ﴿وَأَدۡبَٰرَ ٱلسُّجُود﴾ ومعلوم أنه بعد السجود يُسَنّ للمصلي أن يُسبح الله فيقول: (سبحان الله) ثلاثاً وثلاثين مرة.
فناسب تسبيح الله أدبار السجود.
ولما لم يرد في (طه) نحو ذلك أطلق التسبيح فقال: ﴿فَسَبِّحۡ﴾ وحذف المتعلق ليشمل عموم التسبيح، والله أعلم.
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 126: 129)
قال تعالى في سورة الحج: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ٢٧﴾ [الحج: 27]
سؤال:
1 – لماذا قال ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ فذكر وصف الضمور؟
2 – ولماذا وصف الفج بالعمق ولم يصفه بالبعد مع أن معنى (عميق) هنا (بعيد)؟
الجواب:
1 – أما بالنسبة إلى السؤال الأول فإن معنى الضامر هو المهزول الضعيف المنهوك من السفر، وذكر ُ هذا الوصف هنا مناسب من أكثر من جهة منها: أنها تأتي من كل فج عميق أي بعيد، والبعد هو الذي يُضمر الإبل والمطايا، ولم يقل: (من كل فج) فحسب لأن ذلك يشمل البعيد والقريب فلا يناسب ذكر الضمور.
ومنها أنه قال: ﴿مِنْ كُلِّ فَجٍّ﴾، وكلمة (فج) في الأصل هو الطريق في الجبل، وهو أنسب بالضمور من كلمة الطريق أو السبيل أو نحوه؛ لأن السير في الجبل أدعى إلى التعب والَمشقة والضُّمور.
2 – وأما اختيار كلمة (عميق) على (بعيد) فهو أنسب هنا من أكثر من جهة أيضاً.
منها: أن اختيار كلمة (عميق) على (بعيد) أنسب مع ذكر الضمور، ذلك أن العمق نقيض العلو والارتفاع، وأن الصعود في السير أشق وأصعب من السير في الطريق المستوى، فهو يضمر المطايا وينهكها.
ومنها: أن الحج رفعة وعلو في المنزلة عند الله؛ لأنه مدعاة إلى مغفرة الذنوب، فالسالك في طريق الحج آخذ بالارتفاع، وسالك سبيل الصعود فناسب الوصف بالعمق من أكثر من جهة، والله أعلم.
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 130)
قال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ﴾ [النور: 35].
سؤال: لماذا أخبر الله عن نفسه بأنه نور، ولم يُخبر بأنه ضياء، مع أن الضياء أقوى من النور، بدليل قوله تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمۡسَ ضِيَآءٗ وَٱلۡقَمَرَ نُورٗا﴾ (يونس:5)؟
الجواب: ليس صحيحاً ما ذُكر من أن الضياء أقوى من النور؛ لأن الضياء هو نور غير أن النور أعم من الضياء، فكل ضياء هو نور كما هو مُقرر في اللغة، إن الضياء حالة من حالات النور وهو أخص منه، وذلك أن النور درجات بعضها أقوى من بعض، فإذا كان في حالة قوية فهو ضياء فالضياء نور وليس غيره.
وقيل: هما مترادفان، جاء في (لسان العرب): (النور: الضياء، والنور: ضد الظلمة). وجاء في (تاج العروس): (النُّور بالضم الضوء أيًّا كان أو شعاعه وسطوعه ...
وقوله: ﴿هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمۡسَ ضِيَآءٗ وَٱلۡقَمَرَ نُورٗا﴾ وتخصيص الشمس بالضوء والقمر بالنور من حيث إن الضوء أخص من النور.
وجاء في (المفردات) للراغب الأصفهاني: (النور الضوء المنتشر الذي يُعين على الإبصار).
وبهذا يتضح أن النور أعم من الضياء، وأن الضياء قسم منه أو حالة من حالاته.
وقد قابل ربنا الظلمات بالنور، قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: 1].
وقال: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: 257].
وسمى الهدى نوراً والضلال ظلمات، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم: 1].
وقال: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [
[الأنعام: 122].
وسمى القرآن نوراً، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: 174].
وقال: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾ [التغابن: 8].
فسمّى الله نفسه نوراً لا ضياء لأن الضياء حالة من حالات النور، وهناك حالات من حالات النور لا نعلمها، الله يعلمها هي أعلى من الضياء، وحالات من النور غير الضياء، فلا يصح قصر المطلق على جزئية؛ فالله هو النور المطلق (والنور المطلق هو الله سبحانه). والله أعلم.
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 131، 132)
– قال تعالى في سورة الأنبياء: ﴿وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ٱلۡفُرۡقَانَ وَضِيَآءٗ وَذِكۡرٗا لِّلۡمُتَّقِينَ٤٨ ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُم بِٱلۡغَيۡبِ وَهُم مِّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشۡفِقُونَ٤٩﴾ (48 -49).
وقال في سورة المائدة: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَا ٱلتَّوۡرَىٰةَ فِيهَا هُدٗى وَنُورٞۚ يَحۡكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسۡلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ بِمَا ٱسۡتُحۡفِظُواْ مِن كِتَٰبِ ٱللَّهِ﴾ (44).
وقال في سورة الأنعام: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ﴾ [الأنعام: 91].
سؤال: لماذا وصف التوراة بأنها (ضياء) في آية الأنبياء، ووصفها بأنها (نور) في آيتي المائدة والأنعام؟
الجواب: إن النور أعمّ من الضياء، والضياء حاله من حالات النور وهو أخصّ منه كما ذكرنا في النقطة السابقة.
وقد ذُكر في آية الأنبياء أنه: ﴿لِّلۡمُتَّقِينَ٤٨ ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُم بِٱلۡغَيۡبِ وَهُم مِّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشۡفِقُونَ٤٩﴾، وهم أخصّ ممن ذُكر في الآيتين الأخريين.
فقد قال في آية المائدة: ﴿يَحۡكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسۡلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ﴾ أي: لليهود، والمتقون أخص من اليهود وهم جزء منهم.
وقال في آية الأنعام: ﴿ٱلۡكِتَٰبَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِۦ مُوسَىٰ نُورٗا وَهُدٗى لِّلنَّاسِۖ﴾ (الأنعام :91). فجعله للناس، وهم أعم من المتقين المذكورين في آية الأنبياء، والمتقون جزء منهم.
فجعل النور الذي هو أعم من الضياء للذين هم أعم وهم اليهود والناس، وجعل الضياء الذي هو أخصّ للذين هم أخصّ وهم المتقون الذين يخشون ربهم وهم من الساعة مشفقون فناسب العموم العموم، والخصوص الخصوص.
ومن ناحية أخرى أن الضياء، إنما هو الساطع من النور أو هو التام منه. وإن المتقين إنما هم جماعة ساطعة من بين عموم المؤمنين أو الناس، وحالهم أتم وأكمل، فناسب بين سطوع المتقين وسطوع النور وهو الضياء، فالمتقون من بين عموم المؤمنين كالضياء من النور.
جاء في (الكشاف) في قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ١٧﴾ [البقرة: 17].
(النار جوهر لطيف مضيء حار محرق، والنور ضوؤها وضوء كل نيّر وهو نقيض الظلمة ... والإضاءة فرط الإنارة، ومصداق ذلك قوله: ﴿هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمۡسَ ضِيَآءٗ وَٱلۡقَمَرَ نُورٗا﴾ ...
فإن قلت: هلا قيل (ذهب الله بضوئهم) لقوله (فَلَمَّا أَضَاءَتْ)؟
قلت: ذكر النور أبلغ لأن الضوء فيه دلالة على الزيادة فلو قيل: (ذهب الله بضوئهم) لأوهم الذهاب بالزيادة وبقاء ما يسمى نوراً، والغرض إزالة النور عنهم رأساً وطمسه أصلاً. ألا ترى كيف ذكر عقيبه: (وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ)، والظلمة عبارة عن عدم النور وانطماسه، وكيف جمعها وكيف نكّرها وكيف أتبعها ما يدل على أنها ظلمة مبهمة لا يتراءى فيها شبحان، وهو قوله (لاَّ يُبْصِرُونَ).
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 133، 134)
– قال تعالى في سورة العنكبوت في سيدنا نوح عليه السلام: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ١٥﴾ [العنكبوت: 15].
وفي آيات أخرى سماها الفلك فقال: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ﴾ [الشعراء: 119].
وقال: ﴿فَأَنجَيۡنَٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ فِي ٱلۡفُلۡكِ ٱلۡمَشۡحُونِ١١٩﴾ [الشعراء: 119]، فما السبب؟
الجواب: السفينة هي الفلك غير أن العرب استعملت السفينة خاصة بالمفردة المؤنثة.
أما الفلك فقد استعملتها عامة، فقد استعملتها للواحد والاثنين والجمع، واستعملتها مذكرة مؤنثة، فتقول للواحد: (فُلك) تؤنثه وتذكّره، وتقول للجمع أيضاً (فُلك)، وكذا استعمله القرآن.
قال تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [المؤمنون: 27]، فجعلها مفردة مؤنثة، فقد قال: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا﴾.
وقال: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ٤١﴾ [هود: 41] وقال: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾ [هود: 42]، وهي في ذلك كله مؤنثة.
وقال: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ١١٩﴾ [الشعراء: 119].
وقال: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ١٣٩ إِذۡ أَبَقَ إِلَى ٱلۡفُلۡكِ ٱلۡمَشۡحُونِ١٤٠﴾ (الصافات 139 -140).
فقال: ﴿ٱلۡفُلۡكِ ٱلۡمَشۡحُون﴾ فجعلها مفردة مُذكرة.
وقال: ﴿وَتَرَى ٱلۡفُلۡكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾، فقال:﴿مَوَاخِرَ﴾ فجعلها جمعًا.
وقال: ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا كُنتُمۡ فِي ٱلۡفُلۡكِ وَجَرَيۡنَ بِهِم﴾(يونس: 22)، فقال:﴿وَجَرَيۡنَ﴾ فجمع وأنّث.
وقد تقول: ولم استعملها القرآن مذكرة أحيانًا ومؤنثة أحيانًا أخرى؟
فنقول: إنه استعملها مذكرة في حالة ملئها بالحمل، ولم يستعملها في غير ذلك؛ ذلك لأن التذكير أقوى من التأنيث، وأن المذكر أقوى من المؤنث، قال تعالى:﴿فَأَنجَيۡنَٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ فِي ٱلۡفُلۡكِ ٱلۡمَشۡحُونِ﴾ (الشعراء: 119).
وقال:﴿وَءَايَةٞ لَّهُمۡ أَنَّا حَمَلۡنَا ذُرِّيَّتَهُمۡ فِي ٱلۡفُلۡكِ ٱلۡمَشۡحُونِ﴾ (يس: 41)، و:﴿ٱلۡمَشۡحُونِ﴾ معناه: المملوء، ((والشحن ملؤك السفينة وإتمامك جهازها كله، شحن السفينة يشحنها شحنًا ملأها))، فشحن السفينة ملؤها كلها.
ولذا عندما ذكر سيدنا يونس فقال:﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ١٣٩ إِذۡ أَبَقَ إِلَى ٱلۡفُلۡكِ ٱلۡمَشۡحُونِ١٤٠ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلۡمُدۡحَضِينَ١٤١ فَٱلۡتَقَمَهُ ٱلۡحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٞ﴾ (الصافات: 139-142).
أفاد إنه أُلقي في البحر لأن السفينة كانت ملأى ولابد أن يخفف من حملها، فوقعت القرعة عليه فالتقمه الحوت، فلما ذكر أثقل حالاتها حملًا ذكرها مذكًرة.
قد تقول: ولكنه ذكر حالات أخرى تدل على الملء ولم يستعملها مذكرة، وذلك قوله:
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ٤٠﴾ [هود: 40] وقوله : ﴿ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ٢٧﴾ [المؤمنون: 27] .
فنقول: إن الآيتين لا تدلان على الملء فهو لم يقل إنها مملوءة، فقد أمره في آية هود أن يحمل من كل زوجين اثنين وأهله ومن آمن، وقد ذكر أنهم قلة، فقال: ﴿وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٞ﴾.
ومما يدل على أن في السفينة متسعاً، أنه نادى ابنه فقال: ﴿يَٰبُنَيَّ ٱرۡكَب مَّعَنَا﴾ (هود: 42).
وأما آية (المؤمنون) فقد ذكر أنه أمره أن يسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهله، ولم يذكر مَن آمن، فلم يصرّح بالملء بخلاف التصريح بالشحن، وثيل: إن تأنيثها وتذكيرها كأنه (يذهب بها إذا كانت واحدة إلى المركب فيذكّر، وإلى السفينة فيؤنث).
ثم نأتي إلى السفينة والفلك في السؤال فنقول:
إن السفينة من السّفْن وهو القَشْر، ومعنى (سفن الشيء) قشره، وسميت السفينة لأنها تسفن وجه الماء أي تقشره. وأما الفلك فكأنها سُميت بذلك لأنها تركب الفَلَك، ومن معاني (الفَلَك) بفتح الفاء واللام موج البحر إذا ماج واضطرب، ومن معانيه الماء الذي حركته الريح، وفَلَك البحر موجه المستدير المتردد. فكأنها سٌميت بذلك لما كانت تركب الموج وما ذكرناه في معنى الفلك.
وقد بيّنا أن (الفُلك) أعم من السفينة في الاستعمال اللغوي لأنه يذكّر ويؤنث، ويكون للواحد وغيره بخلاف السفينة، فإنها مفردة مؤنثة فهي مختصة.
وقد استعمل القرآن السفينة في مقام التخصيص فقط مناسبة لمعناها اللغوي بخلاف الفلك فقد استعملها عامة وخاصة.
1 – فقد استعمل القرآن السفينة في المملوكة دون غيرها، فقد قال: ﴿حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا﴾ [الكهف: 71]، وهذه السفينة كانت لمساكين يعملون في البحر كما جاء في سورة الكهف آية 79.
ثم قال: ﴿وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٞ يَأۡخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصۡبٗا٧٩﴾ (الكهف: 79)، أي يأخذها غصباً من ملكها.
فالسفينة في القرآن لم تستعمل إلا في سفينة نوح، وهي المذكورة في آية العنكبوت، وفي هذه السفن المذكورة في سورة الكهف وهي مملوكة لمساكين أو آخرين في ذلك العهد.
وهي على أية حال خاصة بمالك أو خاصة بعهد معين هو عهد الملك المغتصب أو هي فلك نوح.
وأما الفلك فهي قد تكون خاصة كما في فلك نوح، وقد تكون مطلقة تصلح لجميع الأزمنة، وذلك نحو قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾ [لقمان: 31].
وقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ﴾ [الجاثية: 12].
وقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم: 46].
2 – ومن استعمالها مختصة أنه ذكر معها الأصحاب في قصة نوح، فقال: ﴿فَأَنجَيۡنَٰهُ وَأَصۡحَٰبَ ٱلسَّفِينَةِ﴾ وكلمة الأصحاب قد تأتي بمعنى المالكين، وإن لم تكن كذلك في قصة نوح، وإنما هي على تقدير (في) أي وأصحابه في السفينة، مثل ﴿يَٰصَٰحِبَيِ ٱلسِّجۡنِ﴾ أو تكون الإضافة لأدنى ملابسة، فناسب ذكر الأصحاب استعمالها مملوكة في السياقات الأخرى، فكانت في كل استعمالاتها مملوكة أو كالمملوكة.
3 – ومن لطيف الاستعمال أنه مع ذكر السفينة التي هي خاصة ذكر المدة التي لبثها سيدنا نوح وخصصها فقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ١٤﴾ [العنكبوت: 14]، فذكره وخصصه مع ذكر السفينة التي هي أخص من الفلك.
4 – ثم إنه قال في السفينة المذكورة في آية العنكبوت، وهي سفينة نوح : ﴿وَجَعَلۡنَٰهَآ ءَايَةٗ لِّلۡعَٰلَمِين﴾ أي : جعل السفينة هذه آية ، ولو ذكر مكانها الفلك لم يدل نصاً على أن المقصود به الفلك الذي صنعه نوح ، بل يحتمل أن المقصود به عموم الفلك الذي يركبه الناس ، وقد ذكره ربنا ، وذكر أنه آية من آياته في أكثر من موضع فقال : ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ١٦٤﴾ [البقرة: 164] .
وقال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم: 46] فذكر أنه من آياته. وقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ﴾ [لقمان: 31].
وقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ١٢ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ١٣﴾ [الجاثية: 12-13].
فلو ذكر الفلك أيضاً في آية العنكبوت لاحتمل أن المقصود نحو ما ذكره في آيات أخرى في الفلك، ولم ينص على أنه سفينة نوح.
فاستعمل السفينة التي هي – خاصة في اللغة – خاصة بسفينة نوح أو خاصة بمالكين أو خاصة بعهد معين، وخصص معها مدة لبث نوح وخصصها بأنها آية للعالمين.
فما أجلّ هذا التناسب وألطفه!
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 135: 140)
قال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ٢٠﴾ [العنكبوت: 20].
وقال: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك: 15].
سؤال: لماذا قال في آية العنكبوت ﴿سِيرُوا﴾، وقال في سورة الملك ﴿فَامْشُوا﴾، وما الفرق بين السير والمشي؟
الجواب: يقال (سار القوم) ((إذا امتد بهم السير في جهة ما توجهوا إليها، أما المشي فلانتقال الخطى وإن كانت قليلة.
والسير قد يكون للسفر وللتجارة والضرب في الأرض، وللاعتبار والاتعاظ ولغير ذلك على أن يكون ممتداً.
قال تعالى: ﴿۞فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلۡأَجَلَ وَسَارَ بِأَهۡلِهِۦٓ ءَانَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَارٗاۖ﴾.
وقال: ﴿سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا ءَامِنِينَ١٨﴾ (سبأ: 18)، وهو سير متطاول ممتد يستغرق ليالي وأياماً كما قال ربنا.
وقال: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج: 46]، وهو سير للعبرة.
ونحوه قوله: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ [العنكبوت: 20].
أما المشي فيكون على الأرجل وإن كان قليلاً، قال تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ﴾ [لقمان: 18].
وقال: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ [القصص: 25].
وقال: ﴿إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي﴾ [الفرقان: 20].
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 140، 141)