قال تعالى في سورة هود في قصة عاد: ﴿وَأُتۡبِعُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا لَعۡنَةٗ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ﴾ (60).
وقال في سورة هود أيضًا في قوم فرعون: ﴿ٱلۡمَوۡرُودُ٩٨ وَأُتۡبِعُواْ فِي هَٰذِهِۦ لَعۡنَةٗ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ بِئۡسَ ٱلرِّفۡدُ ٱلۡمَرۡفُود﴾
سؤال: لماذا قال في عاد: ﴿وَأُتۡبِعُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا لَعۡنَةٗ﴾ فذكر (الدنيا)، وقال في قوم فرعون: ﴿وَأُتۡبِعُواْ فِي هَٰذِهِۦ لَعۡنَةٗ﴾ ولم يذكر الدنيا، مع أن المقصود بالإشارة هي الدنيا؟
الجواب:
1- إن قصة عاد في السورة أطول من قصة موسى وفرعون، فقصة عاد إحدى عشرة آية تبدأ من الآية الخمسين إلى الآية الستين، وأما قصة موسى فهي أربع آيات من الآية السادسة والتسعين إلى الآية التاسعة والتسعين.
فناسب ذكر (الدنيا) مقام الإطالة والتبسط في قوم عاد، وناسب عدم ذكرها والاكتفاء بالإشارة إليها في مقام الإيجاز.
2- ذكر في قصة عاد أمورًا تتعلق بالدنيا منها أنه قال فيها: ﴿وَيَٰقَوۡمِ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِ يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا وَيَزِدۡكُمۡ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمۡ﴾، فقد ذكر في هذه الآية أمرين مهمين من أمور الدنيا:
أحدهما: سعة الرزق، وبه تقوم الحياة، وهو قوله: ﴿يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا﴾
والآخر: زيادة القوة، وبه استمرار الحياة الكريمة، وهو قوله: ﴿وَيَزِدۡكُمۡ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمۡ﴾ ولم يذكر أمرًا يتعلق بالدنيا في قصة موسى.
فناسب ذكر الدنيا والإشارة إليها في قصة عاد، وعدم ذكرها والاكتفاء بالإشارة إليها في قصة موسى من هذه الجهة أيضًا.
3- أشار إلى العذاب الذي أحاط بعاد ونجاة هود ومن آمن معه في الدنيا، فقال: ﴿وَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا نَجَّيۡنَا هُودٗا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةٖ مِّنَّا وَنَجَّيۡنَٰهُم مِّنۡ عَذَابٍ غَلِيظٖ﴾
ولم يُشر إلى عذاب أو عقوبة أحاطت بفرعون وملته في الدنيا، فناسب من جهة أخرى ذكر (الدنيا) والإشارة إليها في قصة عاد، والاكتفاء بالإشارة إليها في قصة موسى.
4- ذكر العذاب الذي سيصيب فرعون وقومه يوم القيامة، فقال: ﴿يَقۡدُمُ قَوۡمَهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَأَوۡرَدَهُمُ ٱلنَّارَۖ وَبِئۡسَ ٱلۡوِرۡدُ ٱلۡمَوۡرُود﴾، ولم يذكر شيئَا عن عذاب سيصيب عادًا يوم القيامة.
فناسب من جهة أخرى ذكر الدنيا في قصة عاد، وعدم ذكرها والاكتفاء بالإشارة إليها في قصة فرعون.
ويحسن أن نذكر من جهة أخرى أنه اختلف التعقيب بعد كل قصة بما يناسب المقام، فقد قال تعقيبًا على قصة عاد: ﴿وَأُتۡبِعُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا لَعۡنَةٗ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ﴾
، وقال تعقيبًا على قصة فرعون: ﴿يَقۡدُمُ قَوۡمَهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَأَوۡرَدَهُمُ ٱلنَّارَۖ وَبِئۡسَ ٱلۡوِرۡدُ ٱلۡمَوۡرُودُ٩٨ وَأُتۡبِعُواْ فِي هَٰذِهِۦ لَعۡنَةٗ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ بِئۡسَ ٱلرِّفۡدُ ٱلۡمَرۡفُودُ﴾ (98، 99) فلم يزد على قوله: ﴿وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ﴾ في قصة عاد لأنه لم يذكر فيها أمرًا يتعلق بيوم القيامة.
وقال في قصة فرعون بعد ذكر العذاب: ﴿بِئۡسَ ٱلۡوِرۡدُ ٱلۡمَوۡرُودُ﴾ ثم قال بعد قوله: ﴿وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ﴾:
﴿بِئۡسَ ٱلرِّفۡدُ ٱلۡمَرۡفُودُ﴾، فكان كل تعبير أنسب بالموضع الذي ورد فيه.
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 90: 92)
قال تعالى في سورة يوسف: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ قُرۡءَٰنًا عَرَبِيّٗا لَّعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ﴾ (2).
وقال في سورة الزخرف: ﴿إِنَّا جَعَلۡنَٰهُ قُرۡءَٰنًا عَرَبِيّٗا لَّعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُون﴾ (3).
سؤال: لماذا ذكر الإنزال في آية يوسف والجعل في الزخرف؟
الجواب: لقد ذكر الإنزال في آية يوسف لأنه ذكر ما يتعلق بالإنزال وهو قوله: ﴿نَحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ أَحۡسَنَ ٱلۡقَصَصِ بِمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبۡلِهِۦ لَمِنَ ٱلۡغَٰفِلِينَ . . . لَّقَدۡ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخۡوَتِهِۦٓ ءَايَٰتٞ لِّلسَّآئِلِين﴾ (3: 7).
فقد ذكر أن ربه يقص عليه أحسن القصص وأنه أوحى إليه هذا القرآن، وأن هذه القصة جواب للسائلين عنهاـ ومعنى ذلك أنه أنزله إليه.
وسورة يوسف هي في عمومها سرد لقصة يوسف التي سُئل عنها رسول الله فقد ذكر في أسباب نزولها أن جماعة من اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحدثهم بأمر يعقوب وولده وشأن يوسف وما انتهى إليه.
وقيل إن جماعة من اليهود وجهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل المدينة من يسأله عن رجل من الأنبياء كان بالشام أخرج ابنه إلى مصر فبكى عليه حتى عمي. ولم يكن بمكة أحد من أهل الكتاب، ولا من يعرف خبر الأنبياء فأنز الله سورة يوسف جملة واحدة كما في التوراة.
وقد قال سبحانه في آخر القصة: ﴿ذَٰلِكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهِ إِلَيۡكَۖ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ أَجۡمَعُوٓاْ أَمۡرَهُمۡ وَهُمۡ يَمۡكُرُونَ﴾ (102).
فقد ذكر سبحانه أن هذا من أنباء الغيب فدل ذلك على أن هذا الكتاب إنما هو إنزال من عند الله لأن قومه لا يعلمون عن هذه القصة شيئًاـ فناسب ذلك ذكر الإنزال.
أما في آية الزخرف فلم يذكر الإنزال، وإنما ذكر الجعل لأنه لم يذكر ما يتعلق بالإنزال فقد قال بعدها: ﴿وَإِنَّهُۥ فِيٓ أُمِّ ٱلۡكِتَٰبِ لَدَيۡنَا لَعَلِيٌّ حَكِيم﴾ (4)، ففي قوله: ﴿أُمِّ ٱلۡكِتَٰبِ﴾ و﴿لَدَيۡنَا﴾ و﴿لَعَلِيٌّ﴾ دلالة على أن الكلام ليس على الإنزال وإنما على ما هو في الأعلى فلم يذكر الإنزال.
ثم إنه تردد لفظ الجعل في السورة عدة مرات من نحو قوله: ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مَهۡدٗا وَجَعَلَ لَكُمۡ فِيهَا سُبُلٗا لَّعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ﴾ (10)، وقوله: ﴿وَجَعَلُواْ لَهُۥ مِنۡ عِبَادِهِۦ جُزۡءًاۚ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَكَفُورٞ مُّبِينٌ﴾ (15)، وقوله: ﴿وَجَعَلُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمۡ عِبَٰدُ ٱلرَّحۡمَٰنِ إِنَٰثًاۚ﴾ (19)، وقوله: ﴿وَلَوۡ نَشَآءُ لَجَعَلۡنَا مِنكُم مَّلَٰٓئِكَةٗ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَخۡلُفُون﴾، وغيره، فناسب ذكر الجعل فيها.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى أن لفظ (الجعل) ورد في الزخرف أكثر مما في سورة يوسف، فقد ورد في الزخرف (11) إحدى عشرة مرة، وورد في سورة يوسف (4) أربع مرات.
وإن الإنزال ومشتقاته ورد في يوسف (3) ثلاث مرات وورد في الزخرف مرة واحدة، فناسب ذكر الجعل في الزخرف والإنزال في يوسف من جهة أخرى.
جاء في ((ملاك التأويل)) في سبب الاختلاف بين هاتين الآيتين: (( أن آية سورة يوسف لما كانت توطئة لذكر قصصه عليه الصلاة والسلام ... ومستوفيًا ما كان أهل الكتاب يظنون أنهم انفردوا بعلمه فأنزل الله هذه السورة موفية من ذلك أتمه ومعرّفة من قصصه العجيب ومؤدية أكمله وأعمه ولا أنسب عبارة من قوله تعالى:﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ قُرۡءَٰنًا عَرَبِيّٗا﴾ ليعلم العرب وأهل الكتاب أن ذلك منزل من عند الله تعالى ... وليقطع العرب والجميع أن محمدًا صلى الله عليه وسلم لم يتلق تلك القصص من أحد من العرب إذ لم يكن عندهم من نبأ، ولا رحل في تعرفّه إلى أحد فكان قصصًا وآية مُعلمًا بصحة رسالته صلى الله عليه وسلم وعظيم تلك العنايةـ فالتعبير بالإنزال هنا بيّن.
وأما آية الزخرف فلم تُبنَ على إخبار بل أعقبت بآي الاعتبار واللطف والتنبيه والتذكار)).
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 97 :99)
يقول الله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِۤ يَسۡجُدُۤ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعٗا وَكَرۡهٗا وَظِلَٰلُهُم بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ﴾ (الرعد: 15).
ويقول: ﴿أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسۡجُدُۤ لَهُۥۤ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلۡجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٞ مِّنَ ٱلنَّاسِۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيۡهِ ٱلۡعَذَابُۗ﴾ [الحج: 18]
بإسناد الفعل (يسجد) إلى: (من) التي هي للعاقل في الآيتين.
وقال في آية أخرى: ﴿أَوَ لَمۡ يَرَوۡاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيۡءٖ يَتَفَيَّؤُاْ ظِلَٰلُهُۥ عَنِ ٱلۡيَمِينِ وَٱلشَّمَآئِلِ سُجَّدٗا لِّلَّهِ وَهُمۡ دَٰخِرُونَ٤٨ وَلِلَّهِۤ يَسۡجُدُۤ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ مِن دَآبَّةٖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ﴾ [النحل: 48-49]، بإسناد الفعل (يسجد) إلى (ما) فما السبب؟
الجواب: قال تعالى في آية الرعد: ﴿وَلِلَّهِۤ يَسۡجُدُۤ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعٗا وَكَرۡهٗا﴾، والطوع والكره من صفات العقلاء؛ إذ العاقل هو الذي يختار الفعل طوعًا أو يُستكره عليه، فناسب إسناد السجود إلى (من) التي هي للعاقل.
وأما آية الحج فإنها في سياق العقلاء، فقد قال قبلها: ﴿يُرِيدُ١٦ إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّٰبِِٔينَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلۡمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡصِلُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ١٧ أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسۡجُدُۤ لَهُۥۤ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ . . .﴾.
فناسب إسناد السجود إلى (من) أيضًا.
وأما آية النحل فإنها ذُكرت في سياق العموم، فقد جاء قبل الآية قوله سبحانه: ﴿أَوَ لَمۡ يَرَوۡاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيۡءٖ يَتَفَيَّؤُاْ ظِلَٰلُهُۥ عَنِ ٱلۡيَمِينِ وَٱلشَّمَآئِلِ سُجَّدٗا لِّلَّهِ وَهُمۡ دَٰخِرُونَ٤٨ وَلِلَّهِۤ يَسۡجُدُۤ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ . . .﴾
، فقد قال: ﴿أَوَ لَمۡ يَرَوۡاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيۡءٖ﴾ وكلمة (شيء) تدل
على العموم من عاقل وغيره، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى أنه قال في الآية: ﴿وَلِلَّهِۤ يَسۡجُدُۤ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ مِن دَآبَّةٖ﴾ فبين الساجدين بقوله: (من دابة)، وكلمة (دابة) عامة، واستعمالها في غير العاقل هو الغالب، فناسب إسناد الفعل إلى (ما) من جهتين:
الأولى: العموم في (شيء)
والأخرى: العموم وغلبة غير العاقل في (دابة).
و(ما) كما هو معلوم أعم من (من)، وما تدل عليه أكثر مما تدل عليه (من).
فإن (من) خاصة بذوات العقلاء، وأما (ما) فهي تدل على ذوات ما لا يعقل وعلى صفات العقلاء.
فالأول نحو قولك: (آكل ما تأكل وأركب ما تركب)، قال تعالى: ﴿يَأۡكُلُ مِمَّا تَأۡكُلُونَ مِنۡهُ وَيَشۡرَبُ مِمَّا تَشۡرَبُون﴾ (المؤمنون: 33).
والثاني: نحو قولك (ما زيد؟) فتقول: تاجر أو كاتب، ونحو قوله تعالى: ﴿وَنَفۡسٖ وَمَا سَوَّىٰهَا﴾ [الشمس: 7]، والذي سوّاها هو الله، وقوله: ﴿فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ﴾ (النساء: 3)، فاتضح أن ما تدل عليه (ما) أعّم وأكثر مما تدل عليه (من) فذوات غير العاقل أكثر من ذوات العقلاء، فكيف إذا أُضيف إليهم صفات العقلاء؟
فناسب العموم كلمة (ما) في آية النحل إضافة إلى ما بيّن به (ما) من غير العاقل أو ما غلب فيه ذلك، وهو قوله: (من دابة) فناسب ذلك (ما) أيضًا.
ومن اللطيف أن نذكر ههنا أن الله سبحانه إذا أسند السجود، إلى(من) أتبعه بذكر غير العاقل، وإذا أسنده إلى (ما) أتبعه بذكر العاقل.
فقد قال في آية الرعد: ﴿وَلِلَّهِۤ يَسۡجُدُۤ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ﴾ ثم عطف عليه
بقوله:﴿وَظِلَٰلُهُم﴾ والظلال غير عاقلة.
وقال في آية الحج: ﴿شَهِيدٌ١٧ أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسۡجُدُۤ لَهُۥۤ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ﴾، وعطف عليه الشمس والقمر والنجوم ونحوها.
وقال في آية النحل: ﴿وَلِلَّهِۤ يَسۡجُدُۤ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ﴾ وعطف عليه الملائكة، حتى إنه فعل ذلك مع فعل التسبيح في قوله تعالى: ﴿أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلطَّيۡرُ صَٰٓفَّٰتٖۖ﴾ فعطف (الطير) على: ﴿مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ﴾.
وقد تقول: ولم قال في آية الحج: ﴿وَكَثِيرٞ مِّنَ ٱلنَّاسِۖ﴾ بعد قوله: ﴿وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ وهم داخلون فيمن قبلهم؟
والجواب من أكثر من وجه:
فقد يكون ذاك من باب عطف الخاص على العام فإن قوله: ﴿مَن فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ لا يخص الناس وحدهم بل قد يكونون من الناس أو من غيرهم من الجن أو عباد الله الآخرين الذين لا نعلمهم.
وعطف الخاص على العام غير عزيز في اللغة، قال تعالى: ﴿حَٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وَٱلصَّلَوٰةِ ٱلۡوُسۡطَىٰ﴾ [البقرة: 238]
والصلاة الوسطى من الصلوات، وقال: ﴿فِيهِمَا فَٰكِهَةٞ وَنَخۡلٞ وَرُمَّانٞ﴾ [الرحمن: 68] والنخل والرمان فاكهة.
أو إن السجود الأول بمعنى السجود العام، وهو التسخير والانقياد لله والخضوع له، وهذا لا يخص الإنسان بل يعم الجميع من عاقل أو غيره، وهو ليس عبادة بالنسبة إلى المكلفين، وإن السجود الثاني سجود طاعة واختيار كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِۤ يَسۡجُدُۤ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعٗا وَكَرۡهٗا﴾.
وقد يقوّى هذا الاحتمال أنه ذكر قبل الآية أصنافًا من الناس، من يسجد لله سجود طاعة وكثيرًا حق عليه العذاب، وذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّٰبِِٔينَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلۡمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡصِلُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ﴾، فالمجوس والذين أشركوا وقسم من الصابئين لا يسجدون لله سجود طاعة واختيار، فقد يكون من بين هؤلاء من يعبد النار أو يعبد النجوم أو غير ذلك من المعبودات.
فناسب أن يقول: ﴿وَكَثِيرٞ مِّنَ ٱلنَّاسِۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيۡهِ ٱلۡعَذَابُۗ﴾.
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 100: 103)
قال تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: 2]
سؤال: لم قُرئت (رُبما) بتخفيف الباء؟
الجواب: إن (ربما) قرئت بالتخفيف والتشديد وكلتا القراءتين سبعية متواترة.
أما الإجابة عن التخفيف والتشديد فإن التخفيف قد يكون لتخفيف معنى الحرف، وإن التشديد آكد في معنى الحرف، وذلك نظير نون التوكيد الثقيلة والخفيفة، فإن الثقيلة آكد من الخفيفة، ونظير (إنّ) الثقيلة والمخففة فإن الثقيلة آكد من المخففة، فـ(ربّ) المثقلة آكد في معنى الحرف من المخففة فإن تكرار الباء لزيادة المعنى.
و(ربّ) تكون للتكثير كقوله صلى الله عليه وسلم: ((ألا رُبّ كاسية في الدنيا عارية يوم القيامه))، وتكون للتقليل كقول الشاعر:
ألا ربّ مولود وليس له أب وذي ولد لم يلده أبوان
إن الرغبة في الدخول في الإسلام التي ذكرتها الآية تختلف بحسب المواطن والأشخاص، فقد تقوى في مواطن وتخف في مواطن، وقد تقوى عند أشخاص وتخف عند آخرين، فقد قيل: إن ذلك في الدنيا عندما رأوا الغلبة في المسلمين في بدر أو غيرها.
وفي مثل هذا الموطن يتمنى قسم من الناس أن لو كانوا مسلمين ليحصلوا على غنائم، وتختلف هذه الرغبة باختلاف الأشخاص، فقد تكون قوية عند أشخاص، وقد تكون خفيفة عند آخرين.
وقيل: إن ذلك يكون في القيامة، ولا شك أن تلك الرغبة ستكون قوية جدا وأنهم يتمنون أن لو كانوا مسلمين.
فالتمني في أن لو كانوا مسلمين يختلف قوة وشدة بحسب المواطن، وبحسب الأشخاص، فقد يكون قويا جدا في مواطن ما، فذلك المعنى يحققه التشديد، وقد يكون أخف في مواطن آخر فذلك ما يحققه التخفيف، فاقتضي ذلك القراءتين كلتيهما.
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 104، 105)
قال تعالى في سورة الحجر: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: 46]، وقال في سورة ق: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ [ق: 34].
سؤال: لماذا ذكر الأمن في سورة الحجر، فقال ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ ولم يقل مثل ذلك في آية (ق)؟
الجواب: هناك ما حسن ذكر الأمن في آية الحجر، ذلك أن الآية وردت في سياق قصة آدم وإبليس وانتهت بإخراج آدم من الجنة، فكان من المناسب أن يؤمنهم ربنا من ذلك، ومن كل ما يُخشى منه وأنه لا يصيبهم ما أصاب أباهم حين كان في الجنة ثم أحرج منها.
وقوي هذا المعنى بقوله: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: 48] تمكيناً لهذا المعنى في نفوسهم وإرغاماً لإبليس وزيادة في إغاظته، وهو من لطيف المناسبات.
وليس السياق في (ق) في مثل ذلك، وإنما ذكر مجيء الموت، وفرار الإنسان منه فقال: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق: 19].
فناسب ذكر الخلود الذي لا موت فيه والذي هو مطمع الإنسان وغاية رغبته، فقال: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ فكان كل تعبير في مكانه أنسب.
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 105)
قال تعالى في سورة النحل: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [النحل: 61]
وقال في سورة الحجر: ﴿وَمَآ أَهۡلَكۡنَا مِن قَرۡيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٞ مَّعۡلُومٞ٤ مَّا تَسۡبِقُ مِنۡ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسۡتَٔۡخِرُونَ٥﴾ (4، 5)
سؤال: لماذا ذكر تأخير الأجل في النحل، فقال ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾.
وقدم سبق الأجل في الحجر، فقال: ﴿مَّا تَسۡبِقُ مِنۡ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسۡتَٔۡخِرُونَ﴾؟
الجواب: قدم تأخير الأجل في النحل لأكثر من مناسبة:
فقد قال في الآية: ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ فناسب التأخير؛ ولأن الناس يريدون تأخير الأجل، فقدم ما يريده الناس وما يسعون إليه؛ ولأنه قال: ﴿وَلَوۡ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلۡمِهِم﴾ فقد يكون من أسباب الظلم الرغبة في البقاء ومد الأجل، فناسب ذلك تأخير الأجل.
وأما تقديم الأجل في الحجر فله سببه أيضًا؛ ذلك أنه قال بعدها: ﴿وَقَالُواْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيۡهِ ٱلذِّكۡرُ إِنَّكَ لَمَجۡنُونٞ٦ لَّوۡ مَا تَأۡتِينَا بِٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ٧ مَا نُنَزِّلُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَمَا كَانُوٓاْ إِذٗا مُّنظَرِينَ﴾ (6، 8)
فقد طلبوا إنزال الملائكة، ولو أنزلها إليهم لم يمهلهم ولم يؤخرهم، كما قال تعالى: ﴿مَا نُنَزِّلُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَمَا كَانُوٓاْ إِذٗا مُّنظَرِينَ٨﴾ فكأنهم أرادوا استعجال أجلهم بطلبهم هذا، فقال ربنا: ﴿مَّا تَسۡبِقُ مِنۡ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسۡتَأْخِرُونَ٥﴾، فناسب كل تعبير موضعه الذي ورد فيه.
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 106)
قال تعالى في سورة النحل: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ٦٤﴾ [النحل: 64] فذكر الهدى والرحمة.
وقال فيها أيضًا: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ١٠٢﴾ [النحل: 102]، فذكر الهدى والبشرى.
وقال في السورة نفسها: ﴿وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ تِبۡيَٰنٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِينَ٨٩﴾.
فذكر الهدى والرحمة والبشرى فجمع الأوصاف كلها، فلم ذلك؟ ولم خص كل مواطن بما ذكر فيه من الهدى والرحمة أو الهدى والبشرى؟
الجواب: إن ما ذكره في الآية الرابعة والستين من قوله: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ إنما هو غرض واحد من أغراض إنزال الكتاب، فأغراض إنزال الكتاب كثيرة أهمها وأولها عبادة ربهم غير أنه ذكر غرضًا واحدًا وهو تبيين الذي اختلفوا فيه، فذكر الهدى والرحمة.
وكذلك ما ذكره في الآية الثانية بعد المائة وهو قوله: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، فهو غرض من أغراض إنزال الكتاب ولم يذكر الأغراض كلها، فذكر الهدى والبشرى.
وأما الآية التاسعة والثمانون فقد ذكر فيها أن التنزيل تبيان لكل شيء فلم يترك شئياً إلا شمله فجمع الأوصاف كلها، فقال: ﴿وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ وَبُشۡرَىٰ﴾ وهو المناسب لقوله: ﴿وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ تِبۡيَٰنٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ﴾.
أما الجواب عن السؤال الآخر وهو أنه لماذا خصّ كل مواطن بما ذكره من الهدى والرحمة أو الهدى والبشرى فهو أنه ذكر بعد الآية الرابعة والستين - وهي قوله : ﴿ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ ﴾ - أموراً من مظاهر الرحمة وذلك من نحو قوله تعالى ﴿وَٱللَّهُ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَآۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَسۡمَعُونَ ٦٥ وَإِنَّ لَكُمۡ فِي ٱلۡأَنۡعَٰمِ لَعِبۡرَةٗۖ نُّسۡقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِۦ مِنۢ بَيۡنِ فَرۡثٖ وَدَمٖ لَّبَنًا خَالِصٗا سَآئِغٗا لِّلشَّٰرِبِينَ٦٦ وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلۡأَعۡنَٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنۡهُ سَكَرٗا وَرِزۡقًا حَسَنًاۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ٦٧﴾ (65 – 67) . فناسب ذكر الرحمة.
وإنه ذكر قبل الآية الثانية بعد المائة شيئاً من البشرى وذلك من نحو قوله تعالى: ﴿وَلَنَجۡزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوٓاْ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ٩٦ مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ٩٧﴾ (96، 97). فناسب ذكر البشرى، فناسب كل تعبير مكانه.
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 107، 108)
54 – قال تعالى في سورة النحل ﴿إِنَّ لَكُمۡ فِي ٱلۡأَنۡعَٰمِ لَعِبۡرَةٗۖ نُّسۡقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِۦ مِنۢ بَيۡنِ فَرۡثٖ وَدَمٖ لَّبَنًا خَالِصٗا سَآئِغٗا لِّلشَّٰرِبِينَ٦٦ وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلۡأَعۡنَٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنۡهُ سَكَرٗا وَرِزۡقًا حَسَنًاۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ٦٧﴾ (66 – 67)
سؤال: لماذا عدّ السَّكَر وهو الخمر من جملة النعم؟
ولماذا ختم الآية بقوله ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ﴾ مع أن الخمر تذهب بالعقل؟
الجواب:
1 – إن الآية نزلت قبل تحريم الخمر ومع ذلك فهي ليست كما ظن
السائل.
2 – قيل إن من معاني السَّكَر (الخَلّ) ولكن المعنى الشهور للسكر هو الخمر، ونحن سننظر في النص بحسب المعنى المشهور.
3 – إنه قسّم ما يتخذه الإنسان من ثمرات النخيل والأعناب على قسمين:
السَّكَر ولم يصفه بأنه حسن
والرزق الحسن، فأخرج السَّكَر من الرزق الحسن مع أن الآية نزلت قبل تحريم الخمر، وفي هذا للفت للنظر إلى أن الخمر ليست ممدوحة.
4 – إن الآية ليست خطاباً للمؤمنين وإنما هي لعموم الناس فيما يتخذونه من هذه الثمرات، وهذا أمر واقع فإن الناس يتخذون من هذه الثمرات ما ذكر.
5 – لم تكن الآية في تعداد النعم وإنما هي في ذكر ما هو حاصل في واقع الأمر.
6 – لم يقل في خاتمة الآية (لعلكم تشكرون) لسببين:
السبب الأول: أنها ليست في سياق ذكر النعم.
والآخر: لئلا يشمل الشكر السَّكَ.
7 – ختم الآية بقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ﴾.
وكأن في هذا إهابة لترك السَّكَر لأن السَّكَر يخامر العقل ويغطيه أما الآية فإنها لمن يعقل لا لمن يُذهب عقله السكر ُ.
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 108، 109)
قال تعالى في سورة النحل: ﴿وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرۡذَلِ ٱلۡعُمُرِ لِكَيۡ لَا يَعۡلَمَ بَعۡدَ عِلۡمٖ شَيًۡٔاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٞ قَدِيرٞ٧٠﴾.
وقال في سورة الحج: ﴿وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرۡذَلِ ٱلۡعُمُرِ لِكَيۡلَا يَعۡلَمَ مِنۢ بَعۡدِ عِلۡمٖ شَيۡٔٗاۚ﴾ (5)
سؤال: لقد فصلت (لا) عن (كي) في الرسم في آية النحل فكتبت (لكيلا)، ووصلت في آية الحج فكتبت (لكيلا) فما السبب؟
الجواب: إن هذا من شؤون رسم المصحف الذي لا يقاس عليه مع أنه يجوز (لا) بـ (كي) ويجوز فصلها عنها في الرسم، ومع ذلك فإنه كما يبدو أن وصل (لا) بكي وفصلها عنها في رسم المصحف له ارتباط بالناحية البيانية، والله أعلم.
ذلك أن (من) في قوله: ﴿مِنۢ بَعۡدِ عِلۡمٖ﴾ ونحوها تفيد ابتداء الغاية، فقوله: ﴿لِكَيۡلَا يَعۡلَمَ مِنۢ بَعۡدِ عِلۡمٖ﴾ يفيد أن عدم العلم موصول بالعلم بلا فاصل أي إن ذلك يكون بعد العلم مباشرة.
وأما قوله: ﴿بَعۡدِ عِلۡمٖ﴾ فإن ذلك يحتمل أن يكون عدم العلم متصلاً بالعلم كالأول، ويحتمل أن يكون بعده بمدة.
ونظيره قولك: (فوقه)، (ومن فوقه)، فإن قولك: (فوقه) يحتمل القرب.
وأما (من فوقه) فيفيد الاتصال بما هو تحته، قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا [فصلت: 10]
فقال (من فوقها) أي بلا فاصل.
وقال: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا﴾ [ق: 6]، فلم يأت
ب (من) لأن الفوقية بعيدة.
ونحوه قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ﴾ [الملك: 19]، فإنه لم يأت ب(من) لأنها كذلك أي إن الفوقية غير متصلة.
فلما كان عدم العلم متصلاَ بالعمل في آية الحج أي حصل بعده مباشرة بلا فاصل وصلت (لا) بـ (كي) فرُسمت موصولة بـ (لكيلا).
ولما لم يكن كذلك في آية النحل فصلت (لا) عن (كي) فرُسمتا مفصولتين (كي لا)
وهذا الأمر لا يقتصر على هاتين الآيتين بل حيث وردت (كي) مع (لا) في المصحف رُسمتا بحسب هذا الأمر.
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ [الأحزاب: 37].
ففصلت (لا) عن (كي) في الرسم، وذلك أن الزواج بأزواج الأدعياء إنما يكون بعد الانفصال عن أزواجهن وبعد انقضاء العّده ففصلت في الخط (لا) عن (كي) مجانسة لذلك.
في حين رُسمت (لا) موصوله ب (كي) في قوله تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ ﴾ [الأحزاب: 50] ؛ وذلك لأن الاتصال قائم بأزواجه وبما ملكت يمينه .
ونحوه قوله تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ [آل عمران: 153].
إذ وصلت (كي) ب (لا) وذلك أن قوله: ﴿فَأَثَٰبَكُمۡ غَمَّۢا بِغَمّٖ﴾ معناه أنه جازاكم غمًّا موصولاً بغم، غم الهزيمة وفوات الغنيمة، أو جازاكم غمًّا موصولاً بغم فعلتموه لرسول الله لمّا عصيتم أمره.
فلما كان الغم الثاني موصولاً بالغم الأول وصلت (كي) ب (لا) مجانسة لوصل الغمين.
في حين رُسمت (كي) مفصولة عن (لا) في قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: 7].
وذلك أنه لا يريد أن تبقى الأموال دُولة بين الأغنياء لا تخرج عنهم، وإنما أراد أن يشاركهم فيها الآخرون ففصلت (لا) عن (كي) مجانسة لإرادة ألا تبقى الأموال محصورة في فئة معينة. وهذا لطيف الرسم.
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 109: 112)
قال تعالى في سورة النحل: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ٧٩﴾ [النحل: 79].
وقال في سورة الملك: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ١٩﴾ [الملك: 19].
سؤال: لماذا قال في آية النحل ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ﴾ بإسناد الإمساك إلى الله، وقال في آية الملك ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾ بإمساك الإسناد إلى الرحمن؟
الجواب: من أوجه:
1 – إن كلمة (الرحمن) لم ترد في سورة النحل على وطولها وهي (128) آية، ووردت في سورة الملك أربع مرات، وهي ثلاثون آية.
2 – ووردت كلمة (الله) في سورة النحل (84) أربعًا وثمانين مرة، ووردت في سورة الملك ثلاث مرات.
3 – لم يرد إسناد الفعل (سخر) إلى الرحمن في القرآن الكريم، وقد أُسند إلى الله في مواضع عدة، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [لقمان: 20]، ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ١٢﴾ [الجاثية: 12].
فمن حيث السمة التعبيرية للسورة والاستعمال القرآني للفعل (سخر) ناسب كل تعبير موضعه.
4 – وإن السياق في سورة الملك في ذكر مظاهر الرحمة، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ ذَلُولٗا فَٱمۡشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزۡقِهِۦۖ وَإِلَيۡهِ ٱلنُّشُورُ١٥﴾.
وقوله: ﴿قُلۡ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَكُمۡ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفِۡٔدَةَۚ قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ٢٣﴾.
حتى إنه إذا حذرهم فإنه يحذرهم بزوال النعم من نحو قوله تعالى: ﴿أَمَّنۡ هَٰذَا ٱلَّذِي يَرۡزُقُكُمۡ إِنۡ أَمۡسَكَ رِزۡقَهُۥۚ بَل لَّجُّواْ فِي عُتُوّٖ وَنُفُورٍ٢١﴾، وقوله: ﴿قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِنۡ أَصۡبَحَ مَآؤُكُمۡ غَوۡرٗا فَمَن يَأۡتِيكُم بِمَآءٖ مَّعِينِۢ٣٠﴾.
ومن مظاهر لذلك أنه حين ذكرهم بالمكذبين ممن قبلهم، قال ﴿وَلَقَدۡ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَكَيۡفَ كَانَ نَكِيرِ١٨﴾ ولم يقل: ﴿فكيف كان عقاب﴾.
فذكر الإنكار عليهم ولم يذكر العقوبة، كما قال في الرعد مثلا (الآية 32) والإنكار أخف من العقوبة.
أما السياق في سورة النحل ففي التوحيد والنعي على الشرك ، وذلك نحو قوله : ﴿وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمۡلِكُ لَهُمۡ رِزۡقٗا مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ شَيۡٔٗا وَلَا يَسۡتَطِيعُونَ٧٣ فَلَا تَضۡرِبُواْ لِلَّهِ ٱلۡأَمۡثَالَۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ٧٤ ۞ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا عَبۡدٗا مَّمۡلُوكٗا لَّا يَقۡدِرُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَمَن رَّزَقۡنَٰهُ مِنَّا رِزۡقًا حَسَنٗا فَهُوَ يُنفِقُ مِنۡهُ سِرّٗا وَجَهۡرًاۖ هَلۡ يَسۡتَوُۥنَۚ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ٧٥ وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا رَّجُلَيۡنِ أَحَدُهُمَآ أَبۡكَمُ لَا يَقۡدِرُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوۡلَىٰهُ أَيۡنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأۡتِ بِخَيۡرٍ هَلۡ يَسۡتَوِي هُوَ وَمَن يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ٧٦ وَلِلَّهِ غَيۡبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَآ أَمۡرُ ٱلسَّاعَةِ إِلَّا كَلَمۡحِ ٱلۡبَصَرِ أَوۡ هُوَ أَقۡرَبُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ٧٧﴾ .
حتى إنه ختم الآية: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ﴾.
قد تقول: ولكن قال أيضا في سياق آية النحل قبل هذه الآية: ﴿وَٱللَّهُ أَخۡرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ شَيۡٔٗا وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفِۡٔدَةَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ٧٨﴾.
فأقول: نعم ولكنها وردت في سياق التوحيد والنعي على الشرك ثم إنه قال في آية النحل: ﴿وَٱللَّهُ أَخۡرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ﴾ فأسند ذلك إالى الله.
وقال في الملك: ﴿قُلۡ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَكُمۡ﴾ فأسند ذلك إالى الضمير (هو) الذي يعود على الحمن قبله في قوله تعالى: ﴿أَمَّنۡ هَٰذَا ٱلَّذِي هُوَ جُندٞ لَّكُمۡ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ ٱلرَّحۡمَٰنِۚ إِنِ ٱلۡكَٰفِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ٢٠﴾. فأعاد الضمير على الحمن فناسب ذكر (الرحمن) في آية الملك، وذكر(الله) في آية النحل.
5- ذكر في آية النحل أن الطير مسخرات وهو من باب القهر والتذليل، وليس من باب الاختيار فأسند ذلك إلى الله، أما في آية الملك فقد قال: إنهن ﴿صَٰٓفَّٰتٖ وَيَقۡبِضۡنَۚ﴾ (الملك: 19) بإسناد ذلك إلى الطير فهو من باب التمكين للطير، وهو أنسب بالرحمة.
6- ذكر في سورة الملك شيئاً من الراحة للطير وهو قوله ﴿صَٰٓفَّٰتٖ﴾ وهو سكون الحركة فناسب ذلك الرحمة، وجاء في ((ملاك التأويل)): ((إن سورة الملك لما انطوت على ذكر حالين للطائر من صفه جناحية وقبضهما وهما حالتان يستريح إليهما الطائر. فتارة يصف جناحية كأن لا حركة به، وتارة يقبضهما إلى جنبيه حتى يلزقهما بهما ثم يبسطهما ويقبضهما موالاة بسرعة كما يفعل السابح، فناسب هذا الإنعام منه تعالى ورود اسمه الرحمن.
أما آية النحل فلم يرد فيها ذكر هذه الاستراحة فقيل هنا: ﴿مَا يُمۡسِكُهُنَّ إِلَّا ٱللَّهُۚ﴾ وتناسب ذلك وامتنع عكس الوارد بما تبين، والله أعلم)).
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 112: 115)
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ٨١﴾ [النحل: 81].
سؤال: لماذا قال ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ ولم يقل: (البرد)؟
الجواب: قال بعضهم: استدل بذكر الحر على البرد، فحذف ما يدل عليه: أي والبرد. وقد يكون اكتفى بقوله سبحانه في أول السورة ﴿وَٱلۡأَنۡعَٰمَ خَلَقَهَاۖ لَكُمۡ فِيهَا دِفۡءٞ﴾ وهناك أمر آخر حسّن عدم ذكر وقاية البرد ههنا ذلك أن المقام في ذكر الحر لا البرد، فإن الإنسان يذهب للظلال ليقي نفسه الحر، ويذهب إلى الجبال في الصيف ليحتمي من الحر، فكان المناسب ذكر الوقاية من الحر.
وأما الوقاية من البرد فقد ذكرها في أول السورة كما أشرنا، وقال بعضهم: إن ذكر الحر يُغني عن ذكر البرد، فإن القياس يكون بذكر درجات الحرارة فإنها قد تتدنى وقد ترتفع.
ولو كان الأمر كما ذكر هؤلاء لما كان داعٍ لذكر البرد أصلاً.
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 115، 116)