قال تعالى في آل عمران: ﴿فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُولُواْ ٱشۡهَدُواْ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ﴾ (64)
وقال في سورة هود: ﴿قَالَ إِنِّيٓ أُشۡهِدُ ٱللَّهَ وَٱشۡهَدُوٓاْ أَنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ٥٤ مِن دُونِهِۦۖ﴾ (54، 55).
سؤال: لماذا قال في آية عمران: ﴿ٱشۡهَدُواْ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ﴾ فجاء بالباء مع (أنا) ولم يذكرها في قوله: ﴿وَٱشۡهَدُوٓاْ أَنِّي بَرِيٓءٞ﴾ فلم يقل: (بأني بريء) مع أن الفعل فيهما واحد وهو قوله: (اشهدوا)؟
الجواب: إن الباء مُقدرة في قوله تعالى: ﴿وَٱشۡهَدُوٓاْ أَنِّي بَرِيٓءٞ﴾ والمصدر المؤول منصوب على نزع الخافض لأن (شهد) بهذا المعنى يتعدى بالباء وذلك نحو قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَن شَهِدَ بِٱلۡحَقّ﴾ (الزخرف :86)، وقوله: ﴿وَمَا شَهِدۡنَآ إِلَّا بِمَا عَلِمۡنَا﴾ (يوسف: 81).
ومعلوم أن الذكر أقوى وآكد من الحذف فقوله: ﴿ٱشۡهَدُواْ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ﴾ أقوى وآكد من قوله: ﴿وَٱشۡهَدُوٓاْ أَنِّي بَرِيٓءٞ﴾
وسياق كل الآيتين يوضح ذلك.
قال تعالى في آل عمران: ﴿قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ كَلِمَةٖ سَوَآءِۢ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمۡ أَلَّا نَعۡبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشۡرِكَ بِهِۦ شَيۡٔٗا وَلَا يَتَّخِذَ بَعۡضُنَا بَعۡضًا أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُولُواْ ٱشۡهَدُواْ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ٦٤﴾ [آل عمران: 64].
وقال في سورة هود: ﴿إِن نَّقُولُ إِلَّا ٱعۡتَرَىٰكَ بَعۡضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوٓءٖۗ قَالَ إِنِّيٓ أُشۡهِدُ ٱللَّهَ وَٱشۡهَدُوٓاْ أَنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ٥٤ مِن دُونِهِۦۖ فَكِيدُونِي جَمِيعٗا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ٥٥﴾ [هود: 54-55].
ومن النظر في كل من الموضعين يتضح أن ما ذكره رسول الله آل عمران أكثر مما قاله نبي الله هود في سورة هود.
فقد قال في آل عمران:
1- ﴿أَلَّا نَعۡبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ﴾
2- ﴿وَلَا نُشۡرِكَ بِهِۦ شَيۡٔٗا﴾
3- ﴿ا وَلَا يَتَّخِذَ بَعۡضُنَا بَعۡضًا أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِۚ﴾
وأما في هود فقد ذكر البراءة من الشرك فقط فقال: ﴿أَنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ٥٤ مِن دُونِهِۦۖ﴾، وهو واحد مما جاء في آل عمران.
ثم لو نظرنا فيما جاء عن الشرك في كل الموضعين لوجدنا أن ما في آل عمران أقوى وأعم فقد قال فيها: ﴿وَلَا نُشۡرِكَ بِهِۦ شَيۡٔٗا﴾ أي: أيّ شيء كان، وهذا التعبير يحتمل معنيين: لا نشرك به شيئًا من الشرك ولا نشرك به شيئًا من الأشياء.
في حين قال في هود: ﴿أَنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ٥٤ مِن دُونِهِۦۖ﴾ فإنه ذكر البراءة مما يشرك قومه. فكان ما في آل عمران أعم وأشمل لأنه
نفى كل أنواع الشرك ويدخل فيه ما ذكره في هود.
فكان ما في آل عمران أقوى وآكد وأعم فناسب ذكر الباء فيه، ولما كان ما في هود جزءًا مما ذكر في آل عمران ناسب الحذف، والحذف في نحو هذا قياس كما هو معلوم.
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم
- الجزء الأول – صـ 33 : 35)
قال تعالى في آل عمران: ﴿فِيهِ ءَايَٰتُۢ بَيِّنَٰتٞ مَّقَامُ إِبۡرَٰهِيمَۖ وَمَن دَخَلَهُۥ كَانَ ءَامِنٗاۗ وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلۡبَيۡتِ مَنِ ٱسۡتَطَاعَ إِلَيۡهِ سَبِيلٗاۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ٩٧﴾ [آل عمران: 97].
سؤال: من المعلوم أن الحج عبادة مأمور بها المسلمون وهي ركن من أركان الإسلام، فلماذا قال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلۡبَيۡتِ﴾ فقال: (على الناس)، والناس فيهم الكافر والمسلم، ولم يقل: (على المسلمين) أو (على المؤمنين) كما قال تعالى في الصيام: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ﴾ [البقرة: 183]، وكما قال في الصلاة: ﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتۡ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ كِتَٰبٗا مَّوۡقُوتٗا١٠٣﴾ [النساء: 103] فذكر المؤمنين؟
الجواب:
1- قال تعالى قبل هذه الآية: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيۡتٖ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكٗا وَهُدٗى لِّلۡعَٰلَمِينَ﴾ [آل عمران: 96]، فذكر أن هذا البيت إنما وضع للناس فناسب أن يدعو الناس إلى حجه.
وقال: ﴿مُبَارَكٗا وَهُدٗى لِّلۡعَٰلَمِينَ﴾ فذكر العالمين فناسب ذلك أيضًا أن يدعو العالمين إلى حجه.
وقال: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ فذكر العالمين أيضًا فناسب ذلك من جهة أخرى أن يدعو العالمين إلى حجه.
2- إن هذا الفريضة تختلف عن بقية الفرائض من صلاة وصيام وزكاة، فإن هذه الفرائض مأمور بها الأنبياء السابقون وأتباعهم.
فقد قال في الصيام: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ﴾.
فذكر أن الصيام كتب علينا كما كتب على الذين من قبلنا، فلو قال: (الله على الناس أن يصوموا) لقال أصحاب الديانات الأخرى أو كثير منهم: نحن نصوم فنحن قائمون بما أمر الله به. ولو قال: (ولله على الناس إقامة الصلاة) لقال كثير من أهل الملل من أهل الكتاب وغيرهم، نحن نقيم الصلاة، فإن الصلاة عبادة مأمور بها الأنبياء وأتباعهم.
قال تعالى في سيدنا موسى: ﴿وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوۡمِكُمَا بِمِصۡرَ بُيُوتٗا وَٱجۡعَلُواْ بُيُوتَكُمۡ قِبۡلَةٗ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَۗ﴾ [يونس: 87].
وقال على لسان سيدنا إبراهيم: ﴿رَّبَّنَآ إِنِّيٓ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيۡرِ ذِي زَرۡعٍ عِندَ بَيۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ [إبراهيم: 37].
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم -
الجزء الأول – صـ 35، 36)
- قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿يَوۡمَ تَبۡيَضُّ وُجُوهٞ وَتَسۡوَدُّ وُجُوهٞۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسۡوَدَّتۡ وُجُوهُهُمۡ أَكَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ١٠٦ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبۡيَضَّتۡ وُجُوهُهُمۡ فَفِي رَحۡمَةِ ٱللَّهِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾ [آل عمران: 106-107].
سؤال: لماذا قدّم أولاً من تبيضّ وجوههم على من تَسودّ فقال: ﴿يَوۡمَ تَبۡيَضُّ وُجُوهٞ وَتَسۡوَدُّ وُجُوه﴾، ثم قدّم بعده من تسودّ وجوههم على من تبيضّ، فقال: ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسۡوَدَّتۡ وُجُوهُهُمۡ﴾ وقال بعده: ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبۡيَضَّتۡ وُجُوهُهُمۡ﴾.
وكان المظنون أن يكون التفصيل على نسق ما بدأ، فيقول أولًا: ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبۡيَضَّتۡ وُجُوهُهُمۡ﴾ ويقول بعده: ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسۡوَدَّتۡ وُجُوهُهُمۡ﴾ نظير قوله تعالى في سورة هود: ﴿فَمِنۡهُمۡ شَقِيّٞ وَسَعِيدٞ١٠٥ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ فَفِي ٱلنَّارِ لَهُمۡ فِيهَا زَفِيرٞ وَشَهِيقٌ . . . وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي ٱلۡجَنَّةِ خَٰلِدِينَ فِيهَا﴾ (105-108)
فإنه لما قال: ﴿فَمِنۡهُمۡ شَقِيّٞ وَسَعِيدٞ﴾ فقدم الشقي كان التفصيل على نسق ذلك، فقال: ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ﴾ فقدم الذين شقوا على الذين سعدوا فما الفرق؟
الجواب: إن التقديم والتأخير في آل عمران جرى بحسب القرب والبعد، فمَن كان قريبًا قدم القول فيه، ومن كان بعيدًا أخرّ القول فيه.
وإيضاح ذلك أن الكلام كان على صنفين من الناس أحدهما مخاطب والآخر غائب، ولا شك أن المخاطب أقرب من الغائب فقدّم ما يتعلق بالمخاطب وأخّر ما يتعلق بالغائب.
وبيان ذلك أن السياق في آل عمران إنما هو في خطاب المؤمنين فقد خاطبهم بقوله: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ يَرُدُّوكُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡ كَٰفِرِينَ١٠٠﴾ [آل عمران: 100]، ويستمر الكلام في خطابهم فيقول: ﴿وَكَيۡفَ تَكۡفُرُونَ وَأَنتُمۡ تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمۡ رَسُولُهُۥ . . . ١٠١ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ١٠٢ وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ . . . ١٠٣ وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّةٞ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَيۡرِ . . . ١٠٤ وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخۡتَلَفُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ١٠٥ يَوۡمَ تَبۡيَضُّ وُجُوهٞ وَتَسۡوَدُّ وُجُوهٞۚ . . . ١٠٦﴾ [آل عمران: 101-106]
فالمؤمنون فهم المخاطبون وهم الذين تبيض وجوههم. والذين تفرّقوا واختلفوا هم الذين تسودّ وجوههم وهم في السياق غائبون، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ﴾ فأخبر عنهم بضمير الغيبة؟
فقدم القول في المخاطبين كما ذكرنا فقال: ﴿يَوۡمَ تَبۡيَضُّ وُجُوهٞ﴾.
وأما الكلام بعد ذلك فإن الذين اسودّت وجوههم هم المخاطبون فيه، وأما الذين ابيضت وجوههم فهم غائبون.
فقد قال: ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسۡوَدَّتۡ وُجُوهُهُمۡ أَكَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ﴾.
فقد خاطبهم بقوله: ﴿أَكَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡ﴾، ﴿فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ﴾.
وأما الذين ابيضت وجوههم فهم هنا غائبون فقد قال فيهم: ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبۡيَضَّتۡ وُجُوهُهُمۡ فَفِي رَحۡمَةِ ٱللَّهِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُون﴾
فأخبر عنهم بضمير الغيبة.
فقدّم القول في المخاطبين كما فعل أولًا، فجرى الكلام على نسق واحد في التقديم والتأخير.
وأما التقديم والتأخير في سورة هود فقد جرى على نهج واضح أيضًا، فإن السياق فيها في ذكر الأمم الكافرة الذين عصوا رسلهم وأنزل بهم العقوبات، ثم عقّب بعد ذلك بقوله:﴿ذَٰلِكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡقُرَىٰ نَقُصُّهُۥ عَلَيۡكَۖ مِنۡهَا قَآئِمٞ وَحَصِيدٞ١٠٠ وَمَا ظَلَمۡنَٰهُمۡ وَلَٰكِن ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡۖ فَمَآ أَغۡنَتۡ عَنۡهُمۡ ءَالِهَتُهُمُ ٱلَّتِي يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖ لَّمَّا جَآءَ أَمۡرُ رَبِّكَۖ وَمَا زَادُوهُمۡ غَيۡرَ تَتۡبِيبٖ﴾ [هود: 100-101] ، فالسياق في الأشقياء من الناس فقدّم الأشقياء فقال:﴿فَمِنۡهُمۡ شَقِيّٞ وَسَعِيد﴾
وأما التفصيل فيما بعد فقد جرى على نسق ما ذكر لأنهم كلهم غائبون فهم بمنزلة واحدة، فقد قال: ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ فَفِي ٱلنَّارِ لَهُمۡ فِيهَا زَفِيرٞ وَشَهِيق﴾
وقال بعدها بخلاف ما عليه السياق في آل عمران فإن منهم مخاطبًا ومنهم غائب، فجرى التفصيل في هود على ما أجمل، فلما قال: ﴿فَمِنۡهُمۡ شَقِيّٞ وَسَعِيد﴾ فقدم الأشقياء فصّل الكلام على نسق ذلك، فقال: ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ . . . وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ﴾ فكان كل تعبير مناسبًا في سياقه الذي ورد فيه.
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم -
الجزء الأول – صـ 37 : 39)
قال تعالى في آل عمران: ﴿يَقُولُونَ بِأَفۡوَٰهِهِم مَّا لَيۡسَ فِي قُلُوبِهِمۡۚ﴾ (167)، وقال في سورة الفتح: ﴿يَقُولُونَ بِأَلۡسِنَتِهِم مَّا لَيۡسَ فِي قُلُوبِهِمۡۚ﴾ (11)
سؤال: لماذا قال في آية آل عمران: ﴿يَقُولُونَ بِأَفۡوَٰهِهِم﴾، وقال في الفتح: ﴿يَقُولُونَ بِأَلۡسِنَتِهِم﴾؟
الجواب:
إن الأفواه أعمّ وأشمل من الألسنة، فإن اللسان جزء من الفم، والمناسب أنه إذا كان القول كبيرًا عظيمًا ذُكرت الأفواه، وإذا كان أقل ذُكرت الألسنة مناسبة لكل حالة.
وعلى هذا فقوله: يدل على أن القول أعظم وأكبر، والأمر كذلك.
فإن السياق في آل عمران إنما هو في المتخلفين عن القتال في أُحد، فقد دُعوا إلى القتال أو الدفع عن المدينة فامتنعوا قائلين:﴿لَوۡ نَعۡلَمُ قِتَالٗا لَّٱتَّبَعۡنَٰكُمۡۗ﴾ ، قال تعالى:﴿وَلِيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُواْۚ وَقِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ قَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدۡفَعُواْۖ قَالُواْ لَوۡ نَعۡلَمُ قِتَالٗا لَّٱتَّبَعۡنَٰكُمۡۗ هُمۡ لِلۡكُفۡرِ يَوۡمَئِذٍ أَقۡرَبُ مِنۡهُمۡ لِلۡإِيمَٰنِۚ يَقُولُونَ بِأَفۡوَٰهِهِم مَّا لَيۡسَ فِي قُلُوبِهِمۡۚ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا يَكۡتُمُونَ١٦٧ ٱلَّذِينَ قَالُواْ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ وَقَعَدُواْ لَوۡ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُواْۗ قُلۡ فَٱدۡرَءُواْ عَنۡ أَنفُسِكُمُ ٱلۡمَوۡتَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ﴾ [آل عمران: 167-168] .
ومما قيل في معنى قوله: ﴿لَوۡ نَعۡلَمُ قِتَالٗا لَّٱتَّبَعۡنَٰكُمۡۗ﴾ إننا لا نُحسن القتال، ولو كُنا نحسن القتال لاتبعناكم.
وأما المذكورون في سورة الفتح فهم المتخلفون عن عُمرة الحُديبية فهم لم يذهبوا إلى العُمرة مع الرسول مُعتلين بالشُّغل، قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ ٱلۡمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ شَغَلَتۡنَآ أَمۡوَٰلُنَا وَأَهۡلُونَا فَٱسۡتَغۡفِرۡ لَنَاۚ يَقُولُونَ بِأَلۡسِنَتِهِم مَّا لَيۡسَ فِي قُلُوبِهِمۡۚ قُلۡ فَمَن يَمۡلِكُ لَكُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيًۡٔا إِنۡ أَرَادَ بِكُمۡ ضَرًّا أَوۡ أَرَادَ بِكُمۡ نَفۡعَۢاۚ بَلۡ كَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرَۢا﴾ [الفتح: 11]
ومن النظر في السياقين يتبين ما يأتي:
1- أن الموقف في آية آل عمران إنما هو في قتال المشركين الذين جاؤوا إلى المدينة.
وأما الموقف في آية الفتح فهو في الذهاب إلى العمرة، وليس إلى قتال، فالموقف في أحد أشد والخطر أظهر.
2- أن القول في آيات آل عمران أعظم وأكبر مما في الفتح فإنهم قالوا: ﴿لَوۡ نَعۡلَمُ قِتَالٗا لَّٱتَّبَعۡنَٰكُمۡۗ﴾ فهم كانوا مُصرين على عدم المشاركة في القتال، راضين بقعودهم، ولم يكتفوا بذلك بل كانوا يخذّلون غيرهم ويُزينون لهم القعود، فقد قال عنهم سبحانه إنهم قالوا لإخوانهم: ﴿لَوۡ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُواْۗ﴾، فهم لم يندموا بل كانوا يرون ذلك من بُعد النظر.
وأما المُخلفون الذين ذُكروا في سورة الفتح فإنهم قالوا: ﴿شَغَلَتۡنَآ أَمۡوَٰلُنَا وَأَهۡلُونَا فَٱسۡتَغۡفِرۡ لَنَاۚ﴾
فاعتذروا عن عدم الذهاب إلى العُمرة بالشغل، وأنهم طلبوا الاستغفار من الرسول، فهم أظهروا للرسول أنهم مُقصرون وأنهم مذنبون فطلبوا الاستغفار وأنه كان لهم عذر.
ولم يظهر الأولون ذلك بل كانوا راضين بما فعلوا مُخذلين لغيرهم غير نادمين ولا طالبين لمغفرة.
فقول أصحاب أُحد أكبر وأعظم وموقفهم أخطر فناسب أن يُذكر فيهم ما هو أكبر وهو الأفواه، وناسب ذكر الألسنة في آية الفتح.
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم -
الجزء الأول – صـ 40، 41)
قال تعالى في سورة النساء: ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمۡ وَيَهۡدِيَكُمۡ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَيَتُوبَ عَلَيۡكُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ٢٦ وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡكُمۡ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُواْ مَيۡلًا عَظِيمٗا٢٧ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمۡۚ وَخُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ ضَعِيفٗا﴾ [النساء: 26-28].
سؤال:
1- لماذا رتب الآية السادسة والعسرين على هذا النحو، أي قدّم البيان ثم الهداية ثم التوبة؟
2- لماذا قدّم لفظ الجلالة على الفعل (يريد) في الآية السابعة والعشرين؟
3- لماذا عدّى فعل الإرادة باللام في الآية السادسة والعشرين، وعدّاه بنفسه في الآية التي بعدها؟
الجواب:
1- بالنسبة إلى التقديم والتأخير في الآية الأولى فإن هذا هو الترتيب الطبيعي، فإنه قدّم البيان على هداية السنن؛ لأن البيان مقدّم على الهداية، فالهداية تكون بعد البيان، وإلا فإلى أي شيء يهديه؟
وأما التوبة فهي بعد البيان والهداية، فإنها تكون بعد التقصير في الاتباع، وارتكاب الذنوب والمعاصي.
2- قدّم لفظ الجلالة على الفعل (يريد) في الآية السابعة والعشرين لأكثر من سبب.
منها: أنها بمقابل ما يُريده الذين يتبعون الشهوات.
ومنها: أن هذا التقديم يُفيد الاهتمام والتوكيد والمبالغة في إرادة التوبة من الله.
ومن جهة أخرى أن هذا التقديم يُفيد الحصر إضافة إلى ما تقدم، فإن التوبة مُختصة بالله حصرًا، فلا يتوب غيره على العبد ولا يمكنه ذلك.
قد تقول: ولم كان هذا الموضع موضع تأكيد ومبالغة؟
فنقول: إن ذلك لأكثر من سبب:
منها: أن التوبة من الله أهم شيء بالنسبة إلى العبد ولا يقوم شيء مقامها، فإنه إذا لم يتب الله على العبد هلك.
ثم إن السياق يدل على ذلك، فقد كرر إرادة التوبة، فقال: ﴿وَيَتُوبَ عَلَيۡكُمۡۗ﴾ ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡكُمۡ﴾
وقال إضافة إلى ذلك: ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمۡۚ﴾ والتوبة من الله تخفيف عن العبد.
ومما يدل على ذلك أيضًا أنه قال: ﴿وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡكُمۡ﴾ بمقابل ما ذكره من إرادة الفجار، فقد قال: ﴿وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُواْ مَيۡلًا عَظِيمٗا﴾.
وكان المظنون بمقابل ذلك أن يقول: (والله يريد أن تستقيموا) مثلًا أو أن تطيعوه، فإن الاستقامة تُقابل الميل، ولكنه لم يقل ذلك، وإنما قال: ﴿وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡكُمۡ﴾ فذكر ما هو أخف، ولا شك أن ذكر هذه الإرادة بمقابل ما يريده الذين يتبعون الشهوات رحمة وتخفيف.
ثم ذكر أن الإنسان خُلق ضعيفًا، والضعيف به حاجة إلى التخفيف والتوبة من التخفيف.
ثم إن السياق قبل هذه الآيات في ذكر التوبة، فقد قال:﴿وَٱلَّذَانِ يَأۡتِيَٰنِهَا مِنكُمۡ فََٔاذُوهُمَاۖ فَإِن تَابَا وَأَصۡلَحَا فَأَعۡرِضُواْ عَنۡهُمَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ تَوَّابٗا رَّحِيمًا١٦ إِنَّمَا ٱلتَّوۡبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَٰلَةٖ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٖ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا١٧ وَلَيۡسَتِ ٱلتَّوۡبَةُ لِلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلسَّئَِّاتِ حَتَّىٰٓ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلۡمَوۡتُ قَالَ إِنِّي تُبۡتُ ٱلۡـَٰٔنَ وَلَا ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمۡ كُفَّارٌۚ﴾ (16 – 18)
فاتضح أن سياق الآيات وما قبلها إنما هو في التوبة، فاقتضى ذلك الاهتمام والبالغة في إرادة التوبة.
واقتضى تقديم لفظ الجلالة من كل وجه.
قد تقول: لقد اتضح سبب تقديم لفظ الجلالة في قوله: ﴿وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡكُمۡ﴾ فلم لم يُقدم الذين يتبعون الشهوات فيقول: (والذين يتبعون الشهوات يريدون أن تميلوا ميلًا عظيمًا) حتى يكون التعبيران على نسق واحد؟
فنقول: إن الذين يتبعون الشهوات ليسوا وحدهم الذين يريدون للمسلمين أن يميلوا ميلًا عظيمًا، بل هناك غيرهم ممن يريد ذلك من المناقين وأهل الكتاب والمشركين وغيرهم ممن يأكل قلبه الحسد والحقد أو لغير ذلك كما قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَوۡ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِكُمۡ كُفَّارًا حَسَدٗا مِّنۡ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡحَقُّۖ﴾ [البقرة: 109]. وقال: ﴿۞لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْۖ﴾ [المائدة: 82]. وقال: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗاۖ﴾ [المائدة: 68].
وقال في المنافقين: ﴿۞فَمَا لَكُمۡ فِي ٱلۡمُنَٰفِقِينَ فِئَتَيۡنِ وَٱللَّهُ أَرۡكَسَهُم بِمَا كَسَبُوٓاْۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَهۡدُواْ مَنۡ أَضَلَّ ٱللَّهُۖ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلٗا٨٨ وَدُّواْ لَوۡ تَكۡفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءٗۖ﴾ [النساء: 88-89].
فذكر أن الذين يتبعون الشهوات يريدون أن تميلوا ميلًا عظيمًا ولم يقصر ذلك عليهم فلا يُناسب التقديم
3- وأما تعدية فعل الإرادة باللام مرة وبنفسه مرة أخرى فإن التعدية باللام تحتمل
أمرين:
الأول: أن تكون اللام مزيدة للتوكيد، وهذا كثير في أفعال الإرادة وذلك نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذۡهِبَ عَنكُمُ ٱلرِّجۡسَ أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِ﴾ [الأحزاب:33]، وقوله: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطۡفُِٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ﴾ [الصف: 8]، والآخر: أن تكون اللام للتعليل أي إرادته لهذا الغرض.
وكلاهما يدل على المبالغة والقوة وهو آكد وأقوى من التعدية بنفسه فالتعبير (يريد الله ليتوب عليكم) آكد من: (يريد الله أن يتوب عليكم).
وقد ذكر الله الأمرين فإن قوله: ﴿وَيَتُوبَ عَلَيۡكُمۡۗ﴾ في الآية الأولى أي في قوله: ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمۡ . . . وَيَتُوبَ عَلَيۡكُمۡۗ ٢٦﴾ معطوف على إرادة اللام.
وفي الثانية مفعول به للفعل (يريد).
فتكون إرادة الله للتوبة مطلوبة مؤكدة على كل حال، وهذا يدل على عظيم رحمة الله بخلقه.
ولما كانت الآية الأولى ذكرت أمورًا في غاية الأهمية منها البيان لما يريده الله وهداية الخلق لما يريد ومنها التوبة جاء بفعل الإرادة معدي باللام.
ولما كانت الآية التي تليها مندرجة في مطلوب الآية السابقة وهي إرادة التوبة وليس فيها ما في الآية التي قبلها لم تحتج إلى اللام.
وقد تقول: ولِمَ لَم يقدم لفظ الجلالة في الآية الأولى فيقول: (الله يريد ليبين لكم)؟
فنقول: إن هذا الموطن لا يقتضي التقديم لأنه لم يذكر أن جهة أخرى تريد غير ذلك، ولا هو موطن تعريض بجهة أخرى تريد غير هذا الأمر وإنما هو إخبار عن إرادة الله لذلك، بخلاف الآية التي تليها فإنه ذكر جهة أخرى تريد غير ما يريده الله للمؤمنين.
فلا يناسب التقديم في الآية الأولى، والله أعلم.
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم -
الجزء الأول – صـ 42 : 46)
قال تعالى في سورة النساء: ﴿فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ شَهۡرَيۡنِ مُتَتَابِعَيۡنِ تَوۡبَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ﴾ (92).
وقال في سورة التوبة: ﴿أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقۡبَلُ ٱلتَّوۡبَةَ عَنۡ عِبَادِهِۦ وَيَأۡخُذُ ٱلصَّدَقَٰتِ﴾ (104).
وقال في سورة الشورى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يَقۡبَلُ ٱلتَّوۡبَةَ عَنۡ عِبَادِهِۦ وَيَعۡفُواْ عَنِ ٱلسَّئَِّاتِ﴾ (25).
سؤال: لماذا جاء مع التوبة بـ(من) في آية النساء، وجاء معها بـ (عن) في آيتي التوبة والشورى؟
الجواب: لقد ذكر (من) مع التوبة ليُبين الجهة التي تقبل التوبة، وهو (الله).
وذكر معها (عن) ليُبين طالب التوبة وهم العباد.
فقوله: ﴿تَوۡبَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ﴾ يعني أن التوبة قبلها الله وهو يتوب على مَن يفعل ذلك.
وقوله: ﴿يَقۡبَلُ ٱلتَّوۡبَةَ عَنۡ عِبَادِهِۦ﴾ يعني أنه يقبل التوبة التي تصدر عن عباده طالبين لها.
وقيل: أن معناه أنه يتجاوز عنهم ويعفو عن ذنوبهم التي تابوا منها، جاء في ((روح المعاني)): ((وتعدية القبول بـ (عن) لتضمنه معنى التجاوز والعفو أي: يقبل ذلك متجاوزًا عن ذنوبهم التي تابوا عنها)).
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم -
الجزء الأول – صـ 46، 47)
قال تعالى في سورة النساء: ﴿إِنَّآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ كَمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ نُوحٖ وَٱلنَّبِيِّۧنَ مِنۢ بَعۡدِهِۦۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَٰرُونَ وَسُلَيۡمَٰنَۚ وَءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ زَبُورٗا١٦٣ وَرُسُلٗا قَدۡ قَصَصۡنَٰهُمۡ عَلَيۡكَ مِن قَبۡلُ وَرُسُلٗا لَّمۡ نَقۡصُصۡهُمۡ عَلَيۡكَۚ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكۡلِيمٗا﴾ [النساء: 163-164]
سؤال: لماذا خصّ داود بقوله: ﴿وَءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ زَبُورٗا﴾؟
والجواب: إن أهل الكتاب سألوا سيدنا محمدًا أن ينُزل عليهم كتابًا من السماء، قال تعالى: ﴿يَسَۡٔلُكَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيۡهِمۡ كِتَٰبٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِۚ فَقَدۡ سَأَلُواْ مُوسَىٰٓ أَكۡبَرَ مِن ذَٰلِكَ فَقَالُوٓاْ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهۡرَةٗ [النساء: 153]
فأجابهم رب العزة أن محمدًا أوتي مثلما أوتي رسل الله الذين تؤمنون بهم وتُقرون بنبوتهم، فقال: ﴿إِنَّآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ كَمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ نُوحٖ وَٱلنَّبِيِّۧنَ مِنۢ بَعۡدِهِۦۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ﴾ ومن ذكرهم من الأنبياء الآخرين.
وآتيناه كما آتينا داود زبورًا، وقد نزل الكتاب على داود منجمًا وكذلك نزل على محمد.
فإن من ذكرهم من الأنبياء الذين سبق ذكرهم ذكر داود اشتركوا في
الوحي، ولم يؤتهم كلهم كتبًا فإن قسمًا منهم لم ينزل عليهم كتبًا فاشترك معهم محمد في الوحي، وأوتي كتابًا كما أوتي داود الذي تؤمنون به، وأرسله كما أرسل رسلًا آخرين قصهم عليه وآخرين لم يقصصهم عليه.
وقد تقول: ولِم قال: ﴿وَرُسُلٗا قَدۡ قَصَصۡنَٰهُمۡ عَلَيۡكَ مِن قَبۡلُ وَرُسُلٗا لَّمۡ نَقۡصُصۡهُمۡ عَلَيۡكَۚ﴾؟
والجواب: أن قسمًا ممن ذكرهم في صدر الأنبياء أنبياء وليسوا رسلًا مثل إسحاق ويعقوب، فقد أوتي محمد صلى الله عليه وسلم مثلما أوتي أنبياء الله ورسله جميعًا.
1- فقد أوحى إليه كالنبيين.
2- وأوتي كما أوتي داود.
3- وأُرسل كما أُرسل رسل الله ممن قصهم عليه، ومن لم يقصصهم عليه.
4- ذكر سبحانه أن الله كلَّم موسى تكليمًا، وهذه خصوصية لموسى عليه السلام.
وأوتي محمد ما هو أعظم من ذلك فإن موسى كلّمه الله على الطور، وأما محمد فقد عرج به إلى السنوات العلا إلى سدرة المنتهى عندها جنة المأوى.
ثم إن موسى خرّ صعقًا.
وأما محمد فقد قال ربه فيه: ﴿مَا زَاغَ ٱلۡبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ﴾ [النجم: 17]، فأحرى بكم أن تؤمنوا به، وقد أوتي مثلما أوتي رُسل الله.
جاء في ((روح المعاني)) في تحقيق المماثلة بين شأنه صلى الله عليه وسلم (( وبين شؤون من يعترفون بنبوته من الأنبياء عليه السلام في مطلق الإيحاء ثم في إيتاء الكتاب ، ثم في الإرسال، فإن قوله سبحانه:
﴿إِنَّآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ﴾ منتظم لمعنى (آتيناك) و(أرسلناك) فكأنه قيل: إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى فلان وفلان، وآتيناك مثلما آتينا فلانًا، وأرسلناك مثلما أرسلنا الرسل الذين قصصناهم وغيرهم، ولا تفاوت بينك وبينهم في حقيقة الإيحاء والإرسال، فما للكفرة يسألونك شيئَا لم يعطه أحد من هؤلاء الرسل عليهم الصلاة والسلام)).
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم -
الجزء الأول – صـ 48: 50)
قال تعالى في سورة المائدة: ﴿وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنََٔانُ قَوۡمٍ أَن صَدُّوكُمۡ عَنِ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ أَن تَعۡتَدُواْۘ﴾ (2)
وقال في السورة نفسها أيضًا: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنََٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعۡدِلُواْۚ ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ﴾ (8).
فقال في الآية الأولى: ﴿وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنََٔانُ قَوۡمٍ . . . أَن تَعۡتَدُواْۘ﴾، والتقدير: (على أن تعتدوا) فحذف (على)، وقال في الآية الثانية: ﴿وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنََٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعۡدِلُواْۚ﴾ فذكر (على) فما السبب؟
الجواب:
إن الذكر يفيد التوكيد فذكر (على) في الآية الثانية لأنها آكد، ذلك أن الآية الأولى في حالة وقعت ومضت وهي حالة عارضة، وذلك في قوم صدوهم عن المسجد الحرام وهي في أهل مكة وذلك عام الحديبية.
أما الآية الثانية فهي نهي عن حالة مستديمة إلى يوم القيامة وهي النهي عن عدم العدل.
ثم إن الاعتداء يدخل في عدم العدل لأنه اعتداء فدخلت الآية الأولى في الثانية
فالثانية آكد وأعم وأشمل فجاء فيها بـ(على) وحذفها من الأخرى.
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم -
الجزء الأول – صـ 51)
لماذا قال تعالى في المائدة (26): ﴿فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِين﴾ وقال في السور نفسها في الآية 68: ﴿فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِين﴾؟
الجواب:
إن الآية الأولى قالها ربنا في قوم موسى الذين نكلوا عن قتال الجبارين، وقالوا: ﴿قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَآ أَبَدٗا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَٱذۡهَبۡ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَٰتِلَآ إِنَّا هَٰهُنَا قَٰعِدُونَ٢٤ قَالَ رَبِّ إِنِّي لَآ أَمۡلِكُ إِلَّا نَفۡسِي وَأَخِيۖ فَٱفۡرُقۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ٢٥ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيۡهِمۡۛ أَرۡبَعِينَ سَنَةٗۛ يَتِيهُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ٢٦﴾ [المائدة: 24-26]
وقوم موسي ليسوا كافرين، وإنما هم فاسقون لمخالفة أمر الله في القتال، ثم إن هذا الوصف مجانس لما وصفهم به موسى عليه السلام بقوله: ﴿فَٱفۡرُقۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ﴾ فقال له ربه: ﴿فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ﴾
وأما الآية الثانية فهي خطاب لرسوله محمد بخصوص أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا به، قال تعالى: ﴿قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَسۡتُمۡ عَلَىٰ شَيۡءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡۗ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗاۖ فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ٦٨﴾
وهؤلاء كافرون فإنهم لم يؤمنوا برسول الله، وقد قال الله في هذا الآية: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗاۖ﴾ فذكر أن يزيدهم ما أُنزل إليه طغيانًا وكفرًا، فقال فيهم: ﴿فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِين﴾.
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم -
الجزء الأول – صـ 53، 54)
قال تعالى في سورة المائدة: ﴿۞وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ ٱبۡنَيۡ ءَادَمَ بِٱلۡحَقِّ إِذۡ قَرَّبَا قُرۡبَانٗا فَتُقُبِّلَ مِنۡ أَحَدِهِمَا وَلَمۡ يُتَقَبَّلۡ مِنَ ٱلۡأٓخَرِ قَالَ لَأَقۡتُلَنَّكَۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِينَ﴾ (27)
وقال في سورة الأحقاف: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنۡهُمۡ أَحۡسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَئَِّاتِهِمۡ فِيٓ أَصۡحَٰبِ ٱلۡجَنَّةِۖ﴾ (16).
سؤال: عدّى الفعل (تقبل) في آية المائدة بـ (من) فقال: ﴿فَتُقُبِّلَ مِنۡ أَحَدِهِمَا وَلَمۡ يُتَقَبَّلۡ مِنَ ٱلۡأٓخَرِ. . . إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِينَ﴾، وعدّى الفعل في آية الأحقاف بـ (عن) فقال: ﴿نَتَقَبَّلُ عَنۡهُمۡ﴾ فما السبب؟
الجواب: إن تعدية الفعل (تقبل) بـ (من) تدل على الاهتمام أو العناية بالذات أو الجهة التي يتقبل منها
وتعديته بـ(عن) تدل على الاهتمام والعناية بتقبل العمل الصادر عنها، فإذا كانت العناية والاهتمام بالذات أو الجهة التي يتقبل منها عدّاه بـ(من) وذلك نحو قوله: ﴿فَتُقُبِّلَ مِنۡ أَحَدِهِمَا وَلَمۡ يُتَقَبَّلۡ مِنَ ٱلۡأٓخَرِ﴾، وقوله: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلۡ مِنَّآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ١٢٧﴾ [البقرة: 127]، وقوله: ﴿إِنِّي نَذَرۡتُ لَكَ مَا فِي بَطۡنِي مُحَرَّرٗا فَتَقَبَّلۡ مِنِّيٓۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ٣٥﴾ [آل عمران: 35]
أما إذا كان محطّ العناية والاهتمام على العمل وقبوله فإنه يعدّيه بـ(عن) وذلك نحو قوله: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنۡهُمۡ أَحۡسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَئَِّاتِهِمۡ فِيٓ أَصۡحَٰبِ ٱلۡجَنَّةِۖ﴾ أي: نتقبل العمل الصادر عنهم.
وحيث عدّى الفعل (تقبل) بـ (من) لم يذكر له مفعولًا أو هو يبنيه للمجهول مما يدل على الاهتمام بالذات أو الجهة التي يتقبل منها.
فإذا عدّاه بـ(عن) ذكر العمل كما في الآية المذكورة وهي الآية الوحيدة في القرآن الكريم.
فدّل على أن مناط الاهتمام بالعمل مع تعدية الفعل بـ(عن)، ومناط الاهتمام بالذات أو الجهة مع تعديته بـ (من)، والله أعلم.
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 54، 55)