قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَإِن يَمۡسَسۡكَ ٱللَّهُ بِضُرّٖ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَۖ وَإِن يَمۡسَسۡكَ بِخَيۡرٖ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾ (17).
وقال في سورة يونس: ﴿وَإِن يَمۡسَسۡكَ ٱللَّهُ بِضُرّٖ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَۖ وَإِن يُرِدۡكَ بِخَيۡرٖ فَلَا رَآدَّ لِفَضۡلِهِۦۚ﴾ (107).
سؤال: لماذا اختلف التعقيب في الآيتين فقال في آية الأنعام: ﴿فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾ وقال في آية يونس: ﴿فَلَا رَآدَّ لِفَضۡلِهِۦ﴾؟
الجواب: إن آية الأنعام في افتراض مسّ الخير، فقد قال ﴿وَإِن يَمۡسَسۡكَ بِخَيۡرٖ﴾، والإرادة من غير الله قد لا تتحقق لأنه قد يحول بينها وبين وقوعها حائل، وأما إرادته سبحانه فلا رادّ لها.
فاختلف التعقيبان بحسب ما يقتضيه المقام.
ألا ترى أنه لما اتفق الافتراضان في مس الضر اتفق الجوابان، فقد قال في كل منهما: ﴿فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَۖ﴾؟ ولما اختلف الافتراضان كان الجواب بحسب ما يقتضيه كل افتراض.
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 56)
قال تعالى في سورة الأنعام:﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمۡ يَلۡبِسُوٓاْ إِيمَٰنَهُم بِظُلۡمٍ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلۡأَمۡنُ وَهُم مُّهۡتَدُونَ٨٢ وَتِلۡكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيۡنَٰهَآ إِبۡرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦۚ نَرۡفَعُ دَرَجَٰتٖ مَّن نَّشَآءُۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٞ٨٣ وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۚ كُلًّا هَدَيۡنَاۚ وَنُوحًا هَدَيۡنَا مِن قَبۡلُۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِۦ دَاوُۥدَ وَسُلَيۡمَٰنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَٰرُونَۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ٨٤ وَزَكَرِيَّا وَيَحۡيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلۡيَاسَۖ كُلّٞ مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ٨٥ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَٱلۡيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطٗاۚ وَكُلّٗا فَضَّلۡنَا عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ٨٦﴾ [الأنعام: 82-86]
سؤال: ما سرّ ترتيب الأنبياء في هذه الآيات؟
الجواب: ربنا أعلم بسر ترتيب كلامه ولكن هناك أكثر من ظاهرة في ترتيب هؤلاء الأنبياء سلام الله عليهم، فنحن نلاحظ نسقًا منتظمًا في هذا الترتيب وهو أنه يذكر ثلاثة أنبياء ثم يعود إلى من هو أقدم من المذكورين.
ثم يذكر ثلاثة أنبياء آخرين ويعود بعدهم إلى من هو أقدم، وهذا هو الأمر الظاهر في هذا الترتيب.
1- فقد ذكر إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ثم ذكر بعدهم من هو أقدم منهم جميعًا، وهو نوح عليه السلام.
2- ثم ذكر بعد ذلك: داود وسليمان وأيوب، ثم ذكر بعدهم من هم أقدم منهم وهم: يوسف وموسى وهارون.
3- ثم ذكر بعد ذلك: زكريا ويحيى وعيسى، ثم ذكر بعدهم: إلياس وهو أقدم منهم.
4- ثم ذكر إسماعيل واليسع ويونس، ثم ذكر بعدهم: لوطًا وهو أقدم منهم.
هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى أن هناك علاقة ما تربط بين المذكورين إضافة إلى علاقة النبوة التي تجمع بين الجميع، وإيضاح ذلك:
1- أن إبراهيم وإسحاق ويعقوب تربط بينهم علاقة البنوة فإسحاق ابن إبراهيم، ويعقوب ابن إسحاق.
2- وأن داود وسليمان تربط بينهما علاقة البنوة والملك، فسليمان ابن داود وكانا ملكين.
3- وأن سليمان وأيوب كلاهما قال الله تعالى فيه: ﴿نِعۡمَ ٱلۡعَبۡدُ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ﴾ [ص: 30]، أولهما الغني الشاكر وهو سليمان، وثانيهما: الفقير الصابر، والشكر والصبر جِماع الإيمان كما قيل. فإن الإيمان نصفه صبر ونصفه شكر، وقد جمع بينهما في سورة ص.
4- أيوب ويوسف: كلاهما أنعم عليه بعد الابتلاء وأصابه الرخاء بعد الشدة.
5- يوسف وموسى: كلاهما رسول ولم يذكر القرآن بينهما اسم رسول فيما أعلم. وقد قال موسى: ﴿وَلَقَدۡ جَآءَكُمۡ يُوسُفُ مِن قَبۡلُ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَمَا زِلۡتُمۡ فِي شَكّٖ مِّمَّا جَآءَكُم بِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَا هَلَكَ قُلۡتُمۡ لَن يَبۡعَثَ ٱللَّهُ مِنۢ بَعۡدِهِۦ رَسُولٗاۚ﴾ [غافر: 34]
6- موسى وهارون يجمع بينهما الأخوة والرسالة.
7- زكريا ويحيى: يجمع بينهما البنوة فيحيى ابن زكريا.
8- يحيى وعيسى: كلاهما مستغرب الولادة.
الأول: من أبوين لا ينجبان أحدهما شيخ فان، والآخر أم عاقر، وعيسى من أم بلا أب.
9- أن عيسى خاتمة النسب من ولد إسحاق إذ ليس له أب، والمذكورون بعد عيسى سلسلة أخرى ومن ذرية أخرى ليست من ذرية إسحاق. فكان عيسى الحد الفاصل بين السلسلتين.
10- فقد ذكر أن إلياس من ولد إسماعيل وليس من ذرية إسحاق.
11- وإسماعيل أخو إسحاق وهو ابن إبراهيم من هاجر، عليهم السلام.
12- اليسع صاحب إلياس وحيث ورد ذكر اليسع في القرآن يسبقه بذكر إسماعيل
13- يونس ولوط كلاهما ليس من ذرية إبراهيم، وكلاهما خرج يحمل الدعوة إلى الله.
فإن يونس خرج مُغاضبًا قومه، وظن أنه لن يضيق الله عليه فخرج يحمل همّ الدعوة إلى الله.
وإن لوطًا خرج مهاجرًا إلى ربه كما قال تعالى فيه: ﴿فََٔامَنَ لَهُۥ لُوطٞۘ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيٓۖ﴾ [العنكبوت: 26]
وجمع بينهما في سورة الصافات.
فبدأت زمر الأنبياء بالذاهب إلى ربه وهو سيدنا إبراهيم ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهۡدِينِ﴾ [الصافات: 99]، وخُتمت بالمهاجر إلى ربه سيدنا لوط.
قد تقول: لم بدأ بسيدنا إبراهيم ولم يبدأ بسيدنا نوح عليه السلام؟
والجواب: إن الكلام والسياق في سيدنا إبراهيم فإن الآيات تبدأ بقوله تعالى: ﴿وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصۡنَامًا ءَالِهَةً . . . وَكَذَٰلِكَ نُرِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ . . . فَلَمَّا جَنَّ عَلَيۡهِ ٱلَّيۡلُ رَءَا كَوۡكَبٗاۖ . . . فَلَمَّا رَءَا ٱلۡقَمَرَ بَازِغٗا قَالَ هَٰذَا رَبِّيۖ . . . فَلَمَّا رَءَا ٱلشَّمۡسَ بَازِغَةٗ قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَآ أَكۡبَرُۖ . . .﴾
ويستمر الكلام على سيدنا إبراهيم من الآية 74 إلى الآية 83 فكان ذلك هو المناسب.
وقد أُثير سؤال آخر في هذا السياق، وهو أنه قال تعالى: ﴿وَمِنۡ ءَابَآئِهِمۡ وَذُرِّيَّٰتِهِمۡ وَإِخۡوَٰنِهِمۡۖ﴾ فلم لم يقل :(وأزواجهم)؟
والجواب: إن السياق في ذكر الأنبياء، والنساء لسن كذلك لا يناسب ذكر الأزواج.
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 60: 63)
قال تعالى: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقۡتَدِهۡۗ﴾ [الأنعام: 90]
سؤال: ما هذه الهاء في (اقتده)، وما دلالتها؟
الجواب: هذه الهاء اسمها هاء السكت، ويؤتي بها عند الوقف، وفي مثل هذه المواضع يكون الإتيان بها جائزًا، وقد جاءت هنا لغرض لطيف، فقد جاءت بعد ذكر عدد من الأنبياء منهم إبراهيم وإسحاق ويعقوب ونوح وداود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى وغيرهم.
ثم قال بعد ذلك: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقۡتَدِهۡۗ﴾ (90)
أي: اقتدِ بهدى هؤلاء حصرًا وقف عنده ولا تطلب هدى في غير هداهم.
وقدم الجار والمجرور للدلالة على القصر، وهو من لطيف البيان.
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 65)
قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ رُسُلٞ مِّنكُمۡ يَقُصُّونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِي وَيُنذِرُونَكُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَاۚ قَالُواْ شَهِدۡنَا عَلَىٰٓ أَنفُسِنَاۖ وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَشَهِدُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَنَّهُمۡ كَانُواْ كَٰفِرِينَ﴾ (130).
وقال في سورة الزمر: ﴿وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتۡ أَبۡوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمۡ خَزَنَتُهَآ أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ رُسُلٞ مِّنكُمۡ يَتۡلُونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِ رَبِّكُمۡ وَيُنذِرُونَكُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَاۚ قَالُواْ بَلَىٰ﴾ (72).
سؤال: لماذا قال في الأنعام: ﴿يَقُصُّونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِي﴾ وقال في الزمر: ﴿يَتۡلُونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِ رَبِّكُمۡ﴾؟
الجواب: إن سورة الأنعام جرى فيها ذكر قصص الماضين في مواضع كثيرة منها، وفيها من التحذير ومواضع العبرة ما يكفي للاتعاظ.
فمن ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَمۡ يَرَوۡاْ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّن قَرۡنٖ مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَا لَمۡ نُمَكِّن لَّكُمۡ وَأَرۡسَلۡنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡهِم مِّدۡرَارٗا وَجَعَلۡنَا ٱلۡأَنۡهَٰرَ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمۡ فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قَرۡنًا ءَاخَرِينَ﴾ (6)
وقوله: ﴿وَلَقَدِ ٱسۡتُهۡزِئَ بِرُسُلٖ مِّن قَبۡلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنۡهُم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ١٠ قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ ٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِين﴾ (10، 11).
وقال: ﴿وَلَقَدۡ كُذِّبَتۡ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّىٰٓ أَتَىٰهُمۡ نَصۡرُنَاۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِۚ وَلَقَدۡ جَآءَكَ مِن نَّبَإِيْ ٱلۡمُرۡسَلِينَ﴾ (34).
أي: من أخبارهم وقصصهم.
وقال:﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٖ مِّن قَبۡلِكَ فَأَخَذۡنَٰهُم بِٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمۡ يَتَضَرَّعُونَ٤٢ فَلَوۡلَآ إِذۡ جَآءَهُم بَأۡسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَٰكِن قَسَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ٤٣ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَتَحۡنَا عَلَيۡهِمۡ أَبۡوَٰبَ كُلِّ شَيۡءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوٓاْ أَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ فَإِذَا هُم مُّبۡلِسُونَ٤٤ فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْۚ وَٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾(42 :45).
ثم ذكر قصة إبراهيم وحيرته حتى اهتدى إلى خالقه في عشر آيات قال تعالي: ﴿۞وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصۡنَامًا ءَالِهَةً . . .﴾ (74 :83)
وذكر مجموعة من الأنبياء قبل وبعد إبراهيم فقال: ﴿وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۚ كُلًّا هَدَيۡنَاۚ وَنُوحًا هَدَيۡنَا مِن قَبۡلُۖ . . .﴾
إلى أن قال: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقۡتَدِهۡۗ . . .﴾ (84: 90).
ثم ذكر إشارات أخرى إلى أمم ورسل سابقين.
فناسب ذكر القصص التي تستدعي الحذر والموعظة قوله تعالى: ﴿يَقُصُّونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِي﴾.
وأما في سورة الزمر فلم يأت شيء من ذلك، ولم تأت إشارة إلى الأمم السابقة غير قوله: ﴿كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَأَتَىٰهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَشۡعُرُونَ٢٥ فَأَذَاقَهُمُ ٱللَّهُ ٱلۡخِزۡيَ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَكۡبَرُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُون﴾ (25، 26)
ثم إنه ورد في سورة الزمر من ذكر الكتاب وما يقتضي تلاوته الكثير، فقد قال في أول سورة الزمر: ﴿تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ١ إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ فَٱعۡبُدِ ٱللَّهَ مُخۡلِصٗا لَّهُ ٱلدِّينَ﴾ (1، 2).
والكتاب إنما أُنزل ليُتلى ويُتبع ما فيه.
وقال: ﴿ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحۡسَنَ ٱلۡحَدِيثِ كِتَٰبٗا مُّتَشَٰبِهٗا مَّثَانِيَ تَقۡشَعِرُّ مِنۡهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُمۡ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمۡ وَقُلُوبُهُمۡ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ﴾ (23).
وذلك عند تلاوته أو سماع تلاوته.
وقال: ﴿وَلَقَدۡ ضَرَبۡنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٖ لَّعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ٢٧ قُرۡءَانًا عَرَبِيًّا غَيۡرَ ذِي عِوَجٖ لَّعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ﴾ (27، 28). وذلك يتبين من تلاوته.
وقال: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ لِلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّۖ فَمَنِ ٱهۡتَدَىٰ فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيۡهَاۖ﴾ (41). وإنما أنزله ليتلوه عباده ويعملوا بما فيه ويتعظوا.
وقال: ﴿وَٱتَّبِعُوٓاْ أَحۡسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلۡعَذَابُ بَغۡتَةٗ وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ﴾ (55)، وذلك يكون بتلاوته والاطلاع على ما فيه.
حتى إنه ذكر الكتاب في مشهد من مشاهد القيامة فقال: ﴿وَأَشۡرَقَتِ ٱلۡأَرۡضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ﴾، والكتاب إنما جيء به ليطلع عليه من يطلع، وذلك إنما يكون بتلاوة ما فيه.
ومما قيل في ذلك الكتاب إنه صحائف الأعمال، وقيل: إنه اللوح المحفوظ، وقيل غير ذلك، فناسب ذكر التلاوة في الزمر والقصّ في الانعام، والله أعلم.
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 65: 67)
قال تعالى في سورة الأعراف: ﴿قَالَ ٱخۡرُجۡ مِنۡهَا مَذۡءُومٗا مَّدۡحُورٗاۖ لَّمَن تَبِعَكَ مِنۡهُمۡ لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمۡ أَجۡمَعِينَ١٨﴾ (18).
وقال في سورة (ص): ﴿قَالَ فَٱلۡحَقُّ وَٱلۡحَقَّ أَقُولُ٨٤ لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنۡهُمۡ أَجۡمَعِين﴾.
سؤال: لماذا قدّم في آية الأعراف من تبعه على ملء جهنم، فقال: ﴿لَّمَن تَبِعَكَ مِنۡهُمۡ لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمۡ أَجۡمَعِينَ﴾
وقدّم ملء جهنم على من تبعه في آية (ص) فقال: ﴿لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمۡ أَجۡمَعِينَ﴾
الجواب: إن كلتا الآيتين في قصة آدم وإبليس في السورتين، وقد تقدم قبل هذه القصة في سورة (ص) الكلام على جهنم وعذابها، وذلك من قوله: ﴿هَٰذَاۚ وَإِنَّ لِلطَّٰغِينَ لَشَرَّ مََٔابٖ٥٥ جَهَنَّمَ يَصۡلَوۡنَهَا فَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ . . .﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ ذَٰلِكَ لَحَقّٞ تَخَاصُمُ أَهۡلِ ٱلنَّارِ﴾ (من الآية 55 إلى 64).
فلما تقدم الكلام على جهنم قدّم ما يتعلق بها وهو ملء جهنم.
وأما في سورة الأعراف، فقد تأخر ذكر جهنم وعذابها عن هذه القصة، فلما تأخر ذكر جهنم أخّر ما يتعلق بها في القصة.
هذا أمر، والأمر الآخر أنه تقدم على القصة في الأعراف ذكر مّن تبع إبليس ممن أهلكهم الله من أهل القرى فقال: ﴿تَذَكَّرُونَ٣ وَكَم مِّن قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَا فَجَآءَهَا بَأۡسُنَا بَيَٰتًا أَوۡ هُمۡ قَآئِلُونَ٤ فَمَا كَانَ دَعۡوَىٰهُمۡ إِذۡ جَآءَهُم بَأۡسُنَآ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ﴾ (4، 5).
وتقدَّمها عتابُ ربنا لأهل الأرض لقلة شكرهم، فقال: ﴿وَلَقَدۡ مَكَّنَّٰكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَجَعَلۡنَا لَكُمۡ فِيهَا مَعَٰيِشَۗ قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ﴾ (10).
فكأنه صدّق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه حين قال في قصة آدم في هذه السورة: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكۡثَرَهُمۡ شَٰكِرِينَ﴾ (17).
فناسب تقديم من اتبعوه في الأعراف من هذه الناحية أيضًا
هذا إضافة إلى أن إبليس ذكر في الأعراف ما سيحتال لذرية آدم ليتبعوه أكثر مما ذكره في (ص)، فقد قال:
1- ﴿لَأَقۡعُدَنَّ لَهُمۡ صِرَٰطَكَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ﴾
2- ﴿ثُمَّ لَأٓتِيَنَّهُم مِّنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ﴾
3- ﴿وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ﴾
4- ﴿وَعَنۡ أَيۡمَٰنِهِمۡ﴾
5- ﴿وَعَن شَمَآئِلِهِمۡۖ﴾
6- ﴿وَلَا تَجِدُ أَكۡثَرَهُمۡ شَٰكِرِين﴾
في حين قال في (ص): ﴿لَأُغۡوِيَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ٨٢ إِلَّا عِبَادَكَ مِنۡهُمُ ٱلۡمُخۡلَصِين﴾ (82، 83)
فلما أقاض فيما سيفعله ويحتال لذرية آدم في الأعراف ليتبعوه ناسب أن يقدم من تبعه في هذه الذرية، بخلاف ما في (ص) التي لم يكن فيها مثل هذه المناسبة، فناسب كل تعبير مكانه من كل وجه.
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 69، 70)
قال تعالى في سورة الأعراف: ﴿قَالَ يَٰمُوسَىٰٓ إِنِّي ٱصۡطَفَيۡتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَٰلَٰتِي وَبِكَلَٰمِي فَخُذۡ مَآ ءَاتَيۡتُكَ وَكُن مِّنَ ٱلشَّٰكِرِينَ١٤٤ وَكَتَبۡنَا لَهُۥ فِي ٱلۡأَلۡوَاحِ مِن كُلِّ شَيۡءٖ مَّوۡعِظَةٗ وَتَفۡصِيلٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ فَخُذۡهَا بِقُوَّةٖ وَأۡمُرۡ قَوۡمَكَ يَأۡخُذُواْ بِأَحۡسَنِهَاۚ سَأُوْرِيكُمۡ دَارَ ٱلۡفَٰسِقِين﴾ (144، 145).
سؤال: لماذا قال في الآية الأولى: ﴿فَخُذۡ مَآ ءَاتَيۡتُكَ﴾، وقال في الآية التالية لها: ﴿فَخُذۡهَا بِقُوَّةٖ﴾ فذكر القوة ولم يذكرها في الآية الأولى؟
الجواب: إن ذلك لعدة أمور منها:
1- أن الآية الأولى في الإيتاء، والثانية في الإيتاء والتبليغ، فقد أمره في الآية الثانية أن يأخذ ما آتاه بقوة، ويُبلغه قومه، فقد قال له فيها: ﴿وَأۡمُرۡ قَوۡمَكَ يَأۡخُذُواْ بِأَحۡسَنِهَاۚ﴾، وهذا أمر بالتبليغ، والتبليغ يحتاج إلى قوة وجهد وعزيمة.
2- إنه طلب من قومه في الآية الثانية أن يأخذوا بأحسنها، فإنه لم يقل: (وأمر قومك يأخذوا بها) بل قال: ﴿يَأۡخُذُواْ بِأَحۡسَنِهَاۚ﴾ وهو أقوى من عموم الأخذ وآكد، ذلك أن فيما آتاه حسنًا وأحسن فأمرهم أن يأخذوا بالأحسن، فإذا كان قومه مأمورين بما هو أقوى وآكد ناسب أن يكون هو كذلك، فكان مأمورًا أن يأخذها بقوة.
3- إن في الآية الثانية تفصيلًا ليس في الآية الأولى.
فإنه قال في الآية الأولى: ﴿فَخُذۡ مَآ ءَاتَيۡتُكَ﴾، فقال: ﴿مَآ ءَاتَيۡتُكَ﴾ على الإجمال.
وفصّل في الآية الثانية ما آتاه، فقال: ﴿وَكَتَبۡنَا لَهُۥ فِي ٱلۡأَلۡوَاحِ مِن كُلِّ شَيۡءٖ مَّوۡعِظَةٗ وَتَفۡصِيلٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ﴾
وأجمل في الطلب في الآية الأولى، فقال: ﴿فَخُذۡ مَآ ءَاتَيۡتُكَ﴾، وفصّل في الآية الثانية ما أجمله في الآية الأولى من الطلب، فقال: ﴿فَخُذۡهَا بِقُوَّةٖ وَأۡمُرۡ قَوۡمَكَ يَأۡخُذُواْ بِأَحۡسَنِهَاۚ﴾.
فكما أجمل في ذكر ما آتاه في الآية الأولى أجمل في الأمر بأخذها، وكما فصّل في ذكر ما آتاه في الآية الثانية فصل وبيّن في الأمر بأخذه، فناسب الإجمال الإجمال، والتفصيل التفصيل.
4- ومما حسّن ذلك أيضًا إضافة إلى ما ذكرنا أن الآية الأولى وردت عقب إفاقة موسى بعدما خرّ صعقًا، فقد جاءت الآية الأولى عقب قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُۥ لِلۡجَبَلِ جَعَلَهُۥ دَكّٗا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقٗاۚ فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبۡحَٰنَكَ تُبۡتُ إِلَيۡكَ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُؤۡمِنِين﴾ (143).
والإنسان بعدما يفيق من صعقة يصعقها يكون واهن القوى.
وقد ذكر قبل الآية الأولى أكثر من أمر يدعو إلى وهن القوة، فقد ذكر أنه أي قد هوى وسقط، والخرور مدعاة إلى الوهن.
وذكر أنه (صعق) أي غشي عليه، ومعنى (صعق) في اللغة غُشي عليه وذهب عقله، وأن قوله تعالى: ﴿فَلَمَّآ أَفَاقَ﴾ دليل على الغشي.
والصعق مدعاة إلى وهن القوى.
فكل من الخرور والصعق يدعو إلى الوهن فكيف إذا اجتمعا؟
فلم يذكر الأخذ بالقوة بعد ذكر الإفاقة مباشرة إذ العادة أن يكون الإنسان واهنًا في مثل هذا الوقت فأخره إلى ما بعد ذلك في الآية الثانية، فنسب كل تعبير موضعه من كل وجه، والله أعلم.
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 75: 77)
قال تعالى في سورة يونس: ﴿وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡ فِيمَا فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ﴾ (19)، وقال في سورة هود: ﴿وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡۚ وَإِنَّهُمۡ﴾، وقال في سورة فصلت: ﴿وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡۚ﴾، وقال في سورة الشورى: ﴿وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى لَّقُضِيَ بَيۡنَهُمۡۚ﴾
سؤال: لماذا قال في آية الشورى: ﴿إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى﴾ ولم يقل مثل ذلك في بقية الآيات؟
الجواب: إن الآيات في يونس وهود وفصلت إنما هي في أمة واحدة، والقضاء يمكن أن يكون بينهم عاجلًا أو آجلًا.
أما آية الشورى فهي في أمم مختلفة أكثرها هالك فلا يمكن القضاء بينهم في الدنيا، وإنما يقضى بينهم في الآخرة، وهو الأجل المسمى لذلك.
وإيضاح ذلك أنه قال في يونس: ﴿وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلَّآ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ فَٱخۡتَلَفُواْۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡ فِيمَا فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ١﴾ فهي أمة واحدة اختلفت والقضاء بينهم ممكن لأنهم أمة واحدة مختلفة.
وقال في هود: ﴿وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ فَٱخۡتُلِفَ فِيهِۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡۚ وَإِنَّهُمۡ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُ مُرِيبٖ﴾، وهذه الآية في بني إسرائيل حين اختلفوا في الكتاب والقضاء بينهم ممكن في الحياة الدنيا، ونحوها آية فصلت فإنها تطابق آية هود، قال تعالى في فصلت: ﴿وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ فَٱخۡتُلِفَ فِيهِۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡۚ وَإِنَّهُمۡ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُ مُرِيبٖ﴾.
وأما آية الشورى فهي في سياق أمم مختلفة متعاقبة منها أمم مندثرة هالكة فكيف يكون القضاء بينها في غير اليوم الآخر وهو الأجل المسمى؟ قال تعالى:﴿۞شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحٗا وَٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ وَمَا وَصَّيۡنَا بِهِۦٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰٓۖ أَنۡ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُواْ فِيهِۚ كَبُرَ عَلَى ٱلۡمُشۡرِكِينَ مَا تَدۡعُوهُمۡ إِلَيۡهِۚ ٱللَّهُ يَجۡتَبِيٓ إِلَيۡهِ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِيٓ إِلَيۡهِ مَن يُنِيبُ١٣ وَمَا تَفَرَّقُوٓاْ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى لَّقُضِيَ بَيۡنَهُمۡۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُورِثُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُ مُرِيبٖ﴾(13 ، 14) . فناسب كل تعبير مكانه.
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 82 ،83)
قال تعالى في سورة يونس: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعۡضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمۡ أَوۡ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيۡنَا مَرۡجِعُهُمۡ ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفۡعَلُونَ﴾ (46).
وقال في سورة غافر: ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعۡضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمۡ أَوۡ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيۡنَا يُرۡجَعُونَ﴾ (77).
وقال في سورة الرعد: ﴿وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعۡضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمۡ أَوۡ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُ وَعَلَيۡنَا ٱلۡحِسَابُ﴾ (40).
سؤال: لماذا رُسمت ﴿إِمَّا﴾ في آيتي يونس وغافر متصلة، ورُسمت في آية الرعد: ﴿وَإِن مَّا﴾ منفصلة مع أنها كلها في هذه الآيات إنما هي (إن) الشرطية مع (ما) الزائدة المؤكدة؟
الجواب: إن هذا من أمور رسم المصحف، ورسم المصحف لا يُقاس عليه، ولكن مع ذلك قد يبدو أن لهذا الاختلاف تعليلًا ولا ندري إن كان مقصودًا أم لا.
فنقول: إن السياق في آيتي يونس وغافر إنما هو في الكلام على الآخرة، والآيتان تذكران الرجوع إلى الله، فقد قال في آية يونس: ﴿فَإِلَيۡنَا مَرۡجِعُهُمۡ ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفۡعَلُونَ﴾ وقال في آية غافر: ﴿فَإِلَيۡنَا يُرۡجَعُونَ﴾، وهذا الرجوع في الآيتين إنما هو في الآخرة.
قال تعالى في يونس: ﴿وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ كَأَن لَّمۡ يَلۡبَثُوٓاْ إِلَّا سَاعَةٗ مِّنَ ٱلنَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيۡنَهُمۡۚ قَدۡ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ٤٥ وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعۡضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمۡ أَوۡ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيۡنَا مَرۡجِعُهُمۡ ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفۡعَلُونَ٤٦ وَلِكُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولٞۖ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمۡ قُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡقِسۡطِ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُون﴾ (45: 47).
فقوله: ﴿فَإِلَيۡنَا مَرۡجِعُهُمۡ﴾ يعني في يوم القيامة، وهو متصل بما ذكره من أمور الآخرة، وواقع فيه.
وقال في غافر: ﴿يُصۡرَفُونَ٦٩ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِٱلۡكِتَٰبِ وَبِمَآ أَرۡسَلۡنَا بِهِۦ رُسُلَنَاۖ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ٧٠ إِذِ ٱلۡأَغۡلَٰلُ فِيٓ أَعۡنَٰقِهِمۡ وَٱلسَّلَٰسِلُ يُسۡحَبُونَ٧١ فِي ٱلۡحَمِيمِ ثُمَّ فِي ٱلنَّارِ يُسۡجَرُونَ٧٢ ثُمَّ قِيلَ لَهُمۡ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡ تُشۡرِكُونَ٧٣ مِن دُونِ ٱللَّهِۖ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا بَل لَّمۡ نَكُن نَّدۡعُواْ مِن قَبۡلُ شَيۡٔٗاۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلۡكَٰفِرِينَ٧٤ ذَٰلِكُم بِمَا كُنتُمۡ تَفۡرَحُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَبِمَا كُنتُمۡ تَمۡرَحُونَ٧٥ ٱدۡخُلُوٓاْ أَبۡوَٰبَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ فَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلۡمُتَكَبِّرِينَ٧٦ فَٱصۡبِرۡ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞۚ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعۡضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمۡ أَوۡ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيۡنَا يُرۡجَعُون﴾(70 :77)
فالكلام كما ترى في سياق عذاب الآخرة، وقد وقعت الآية في هذا السياق فإن قوله: ﴿فَإِلَيۡنَا يُرۡجَعُون﴾ يعني في الآخرة، وهو متصل بما ذكره من أمور الآخرة.
وأما السياق في الرعد فهو في الدنيا، فقد جاء قبل الآية قوله:﴿وَكَذَٰلِكَ أَنزَلۡنَٰهُ حُكۡمًا عَرَبِيّٗاۚ وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم بَعۡدَ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا وَاقٖ٣٧ وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلٗا مِّن قَبۡلِكَ وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ أَزۡوَٰجٗا وَذُرِّيَّةٗۚ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأۡتِيَ بَِٔايَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ لِكُلِّ أَجَلٖ كِتَابٞ٣٨ يَمۡحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثۡبِتُۖ وَعِندَهُۥٓ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ٣٩ وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ . . . ﴾ (37 :40).
وجاء بعدها قوله: ﴿أَوَ لَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَأۡتِي ٱلۡأَرۡضَ نَنقُصُهَا مِنۡ أَطۡرَافِهَاۚ وَٱللَّهُ يَحۡكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكۡمِهِۦۚ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ﴾ (41).
فقوله: ﴿وَعَلَيۡنَا ٱلۡحِسَابُ﴾ إنما هو في الآخرة، فهو يذكر أمرًا سيقع في الآخرة، والكلام إنما هو على الدنيا بخلاف آيتي يونس وغافر فإنهما في سياق الآخرة.
ففُصِلت (ما) عن (إن) في الرعد إشارة إلى الفصل بين الأحداث، فالكلام على الدنيا والحساب إنما هو في الآخرة.
ووصلت (ما) بـ (إن) في آيتي يونس وغافر إشارة إلى أن الأحداث متصلة ببعضها، والله أعلم.
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 83: 85)
- قال تعالى في سورة يونس (104): ﴿قُلِ ٱنظُرُواْ مَاذَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَا تُغۡنِي ٱلۡأٓيَٰتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوۡمٖ لَّا يُؤۡمِنُونَ﴾
وقال في سورة القمر: (5): ﴿حِكۡمَةُۢ بَٰلِغَةٞۖ فَمَا تُغۡنِ ٱلنُّذُرُ﴾.
سؤال: لماذا رُسم الفعل (تغني) في آية يونس بالياء، ورُسم في آية القمر من دون ياء أي: (تغن)؟
الجواب: أن رسم المصحف لا يُقاس عليه كما هو معلوم، ومع ذلك فإنه يبدو أن هذا الاختلاف في الرسم له دلالته.
فلقد زاد في آية يونس على ما في القمر، فقد قال في القمر: ﴿فَمَا تُغۡنِ ٱلنُّذُرُ﴾، وقال في يونس: ﴿وَمَا تُغۡنِي ٱلۡأٓيَٰتُ وَٱلنُّذُرُ﴾ فزاد الآيات على النذر فزاد في الرسم تبعًا لذلك.
ثم إنه عندما تزيد دواعي الإغناء ينبغي أن يزيد الإغناء، فلما زادت الدواعي في يونس انبغى أن يزيد الإغناء.
ولما نقصت الدواعي في القمر نقص شيء من الحدث تبعًا لذلك، فنقص من الرسم في القمر مناسبة لنقص الدواعي، والله أعلم.
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 85، 86)
قال تعالى في سورة هود (20): ﴿أُوْلَٰٓئِكَ لَمۡ يَكُونُواْ مُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنۡ أَوۡلِيَآءَۘ﴾
وقال في سورة الشورى (31): ﴿وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۖ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِير﴾
سؤال: لماذا قال في هود: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ لَمۡ يَكُونُواْ مُعۡجِزِينَ﴾ وقال: ﴿وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنۡ أَوۡلِيَآءَۘ﴾ فجاء بالفعل الماضي، وقال في سورة الشورى: ﴿وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ﴾ وقال: ﴿وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ﴾ بأسلوب الخطاب للحاضر؟
الجواب: إن الكلام في هود إنما هو في الآخرة، وهو يدور على أحداث ماضية كانت في الدنيا، فقد قال: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ يُعۡرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمۡ وَيَقُولُ ٱلۡأَشۡهَٰدُ هَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمۡۚ أَلَا لَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ (18) فاقتضى ذكر الفعل الماضي، وأما الخطاب في الشورى فهو في الدنيا، قال تعالى: ﴿وَمَآ أَصَٰبَكُم مِّن مُّصِيبَةٖ فَبِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَيَعۡفُواْ عَن كَثِيرٖ﴾ (30). فاقتضى كل منهما ما ذكر في موضعه.
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 87)