عرض وقفات أسرار بلاغية

  • ﴿وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴿٢٢﴾    [العنكبوت   آية:٢٢]
  • ﴿وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴿٣١﴾    [الشورى   آية:٣١]
قال تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ٢٢﴾ [العنكبوت: 22]. وقال في سورة الشورى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ٣١﴾ [الشورى: 31]. سؤال: لماذا قال في سورة العنكبوت: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ فذكر السماء إضافة إلى الأرض. وقال في الشورى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ فذكر الأرض ولم يذكر السماء؟ الجواب: إن التهديد والتوعد في العنكبوت أشد وأعم ّ، وذلك أن السياق في العنكبوت يختلف عمّا في الشورى من أكثر من جهة منها: 1 – أن الكلام في العنكبوت إنما هو على الكفار وتهديدهم وتوعدهم وذلك من مثل قوله: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ [العنكبوت: 17]. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ٢٣﴾ [العنكبوت: 23]. وأما الكلام في الشورى فأكثره في المؤمنين أو هو عام، وذلك من مثل قوله: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الشورى: 23] وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى: 25]. وقوله: ﴿۞وَلَوۡ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزۡقَ لِعِبَادِهِۦ لَبَغَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٖ مَّا يَشَآءُۚ إِنَّهُۥ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرُۢ بَصِيرٞ٢٧﴾. وقوله: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ ٱلۡغَيۡثَ مِنۢ بَعۡدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنشُرُ رَحۡمَتَهُ﴾ (28). فناسب أن يكون التهديد في العنكبوت أشد. 2 – إن جو سورة العنكبوت إنما هو في ذكر الأمم الكافرة وموقفهم من رسلهم وعقوباتهم، فقد ذكر قوم نوح وقوم إبراهيم وقوم لوط وذكر مدين وعاداً وثمود وقارون وفرعون وهامان، فناسب ذلك شدة التهديد والتحذير فيها، ولم يذكر شيئاً من ذلك في الشورى. 3 – قال تعالى قبل آية العنكبوت هذه: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ٢٠﴾ [العنكبوت: 20]. وقال في الشورى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ٢٩﴾ [الشورى: 29]. فقال في آية العنكبوت: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وقال في الشورى: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾. فذكر قدرته في العنكبوت بما هو أعمّ وأشمل فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وذكر شيئًا من مظاهر قدرته في الشورى: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ فذكر جمع مَن في السماوات والأرض. وهذا ولا شك جزء من قدرته فهو يدخل في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. فذكر في العنكبوت ما هو أعمّ مما في الشورى، وهو السماء والأرض، وذكر جزءاً من ذلك في الشورى، وهو الأرض، فناسب العموم العموم، والتخصيص التخصيص. 4 – ذكر في الشورى من مظاهر مغفرته وعفوه ولطفه ما لم يذكره في العنكبوت، فقد قال في الشورى: ﴿وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ وَيَسۡتَغۡفِرُونَ لِمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ (5)، وهذا من رحمة الله بمن في الأرض، فقد جعل الملائكة يستغفرون لهم. وقال: ﴿أَلَآ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ٥﴾. وقال: ﴿ٱللَّهُ لَطِيفُۢ بِعِبَادِهِۦ﴾ (19)، وقال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ شَكُورٌ٢٣﴾، وقال : ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يَقۡبَلُ ٱلتَّوۡبَةَ عَنۡ عِبَادِهِۦ وَيَعۡفُواْ عَنِ ٱلسَّيِّ‍َٔاتِ وَيَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ٢٥﴾ ، وقال : ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ ٱلۡغَيۡثَ مِنۢ بَعۡدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنشُرُ رَحۡمَتَهُۥۚ وَهُوَ ٱلۡوَلِيُّ ٱلۡحَمِيدُ٢٨﴾ ، وقال :﴿وَيَعۡفُواْ عَن كَثِيرٖ٣٠﴾ ، وقال أيضاً : ﴿وَيَعۡفُ عَن كَثِيرٖ٣٤﴾ ، ولم يرد في العنكبوت ذكر للمغفرة أو العفو ، وإنما ذكر التهديد والتوعد من مثل قوله : ﴿أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتۡرَكُوٓاْ أَن يَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا وَهُمۡ لَا يُفۡتَنُونَ٢﴾ ، وقوله : ﴿أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلسَّيِّ‍َٔاتِ أَن يَسۡبِقُونَاۚ سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ٤﴾ ، وقوله : ﴿وَيَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلۡعَذَابِ وَلَوۡلَآ أَجَلٞ مُّسَمّٗى لَّجَآءَهُمُ ٱلۡعَذَابُۚ وَلَيَأۡتِيَنَّهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ٥٣﴾ ، وقوله : ﴿يُشۡرِكُونَ٦٥ لِيَكۡفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡ وَلِيَتَمَتَّعُواْۚ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ٦٦﴾ . فناسب التوعد الشديد والتهديد ما في العنكبوت. جاء في (ملاك التأويل): ((للسائل أن يسأل عن زيادة الوارد في سورة العنكبوت، من قوله: ﴿وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ﴾ ولم يرد ذلك في سورة الشورى. والجواب عنه – والله أعلم – أنه لما تقدم قبلها قوله تعالى: ﴿أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلسَّيِّ‍َٔاتِ أَن يَسۡبِقُونَا﴾ وهذا من أشد الوعيد، إذ حاصله أنه لا يفوته سبحانه أحد، وأنه لا مهرب منه إلا إليه، ناسب هذا قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ﴾ كما قال: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 148]، إلى ما ورد من هذا وذلك تناسب بيّن. ولما لم يرد في سورة الشورى من أولها إلى الآية مثل هذا الوعيد الشديد، ولا كان فيها ما يستدعي هذا التعميم والاستيفاء الوعيدي وردت الآية مناسبة لذلك فقال تعالى: ﴿وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ ولم يكن التعميم هنا المناسب، فورد كل على ما يجب والله سبحانه أعلم)). 5 – إن كلمة (الأرض) وردت في الشورى أكثر مما في العنكبوت فقد وردت في العنكبوت خمس مرات، ووردت في الشورى عشر مرات، فناسب الاقتصار على ذكر الأرض في الشورى من هذه الجهة. 6 – إن كلمة السماء وردت في العنكبوت ثلاث مرات، ولم ترد في الشورى، فناسب ذكر السماء إضافة إلى الأرض في العنكبوت من جهة أخرى، فناسب كل تعبير موضعه الذي ورد فيه من كل جهة، والله أعلم. (أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 141: 144)
  • ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ﴿٣٨﴾    [العنكبوت   آية:٣٨]
  • ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُم مُّوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ ﴿٣٩﴾    [العنكبوت   آية:٣٩]
  • ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴿٤٠﴾    [العنكبوت   آية:٤٠]
  • ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ﴿٢٣﴾    [غافر   آية:٢٣]
  • ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ﴿٢٤﴾    [غافر   آية:٢٤]
قال تعالى في سورة العنكبوت : ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرينَ٣٨ وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ٣٩ فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ٤٠﴾ [العنكبوت: 38-40] . وقال في سورة غافر: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ٢٣ إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ٢٤﴾ [غافر: 23-24]. سؤال: لماذا قدّم (قارون) على فرعون وهامان في العنكبوت، وأخّره عنهما في غافر؟ الجواب: إنه قال عن قوم ثمود إنهم كانوا مستبصرين وكذلك قارون كان مُستبصراً أيضاً؛ لأنه كان من قوم موسى فبغى عليهم كما قال ربنا عنه (القصص: 76) فناسب ذكره بعد ثمود، وأما فرعون وهامان فلم يذكر ذلك عنهما. ثم إن تقديم (قارون) في سورة العنكبوت مناسب لما ورد في السورة من بسط الرزق، فقد قال: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ٦٢﴾ [العنكبوت: 62]. وقارون بُسط له في رزقه قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ [القصص: 76]. وقد ذكر العقوبات في سورة العنكبوت مُرتبة بحسب المذكورين، فقد قال: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ [العنكبوت: 40]. فقوله: ﴿مَّنۡ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِ حَاصِبٗا﴾ يعني عاداً، وقوله: ﴿مَّنۡ أَخَذَتۡهُ ٱلصَّيۡحَةُ﴾ يعني ثمود، وقوله: ﴿مَّنۡ خَسَفۡنَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ﴾ يعني قارون، وقوله: ﴿مَّنۡ أَغۡرَقۡنَا﴾ يعني فرعون. وأما في سورة غافر فقد قال: ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِ‍َٔايَٰتِنَا وَسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٍ٢٣﴾ والإرسال كان إلى فرعون أولاً. ثم إن السياق في الكلام على فرعون أولاً فقد قال : ﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ٢٦ وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ٢٧ وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ٢٨ يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ٢٩﴾ [غافر: 25-29] وغير ذلك ، فناسب تقديم فرعون في غافر . ومن ناحية أخرى أن المذكور آخراً في هذين الموضعين لم يرد بشأنه شيء في السورة. فآخر مَن ذُكر في غافر: (قارون) ولم يرد بشأنه شيء في السورة، وأما (هامان) فقد ورد له ذكر في غافر، فقد قال فيه: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ٣٦﴾ [غافر: 36]. (أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 145، 146)
  • ﴿وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا ﴿٢٦﴾    [الأحزاب   آية:٢٦]
  • ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا ﴿٢٧﴾    [الأحزاب   آية:٢٧]
قال تعالى في سورة الأحزاب: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا٢٦ وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا٢٧﴾ [الأحزاب: 26-27]. سؤال: لماذا قدّم الفريق في قوله: ﴿فَرِيقٗا تَقۡتُلُونَ﴾ وأخرّه في قوله: ﴿وَتَأۡسِرُونَ فَرِيقٗا﴾؟ الجواب: أما تقديم الفريق على ﴿تَقۡتُلُونَ﴾ فإنه هو المناسب، ذلك أن هذه من أندر حالات القتل وأغربها، وأنها تستدعي التقديم للاهتمام، وذلك أن المرء يقاتل إما دفاعاً عن نفسه، أو عن أهله وذريته، أو عن ماله، أو عن داره، أو عن أرضه. إذ إن كل واحد من هذه الأمور يستوجب الدفاع عنه والقتال دونه، فكيف إذا اجتمعت كلها؟ وهؤلاء لم يقاتلوا مع موجب أحوال الدفاع كلها مع أنهم بأيديهم سلاحهم، وقد كانوا في حصونهم، بل نزلوا مستسلمين للقتل ملقين سلاحهم، ولم يدافعوا عن شيء من كل ذلك، وقد كانوا ستمائة مقاتل. وهذا يُبين مقدار الرعب الذي قُذف في قلوبهم. فتخيل أن رجلاً يُنادي على رجل في حصنه معه سلاحه، فيقول له: انزل إليّ وألق سلاحك فأنا سأقتلك وأسبي أهلك وذريتك وآخذ دارك ومالك وأرضك، أفترى أنه فاعل ذلك وهو مقتول لا محاله؟ فهذا هو حال هؤلاء من بني قريظة. فاقتضي ذلك تقديم هذا الفريق لغرابة حاله. أما الفريق المأسور فلا يستدعي تقديمه وهي حالة غير مٌستغربة، ولا تستدعي الاهتمام فإنهم أطفال ونساء وليس فيهم مقاتل. فلا شك أن أسرهم سهل وميسور فلا يقتضي التقديم. (أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 147، 148)
  • ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴿٧٢﴾    [الأحزاب   آية:٧٢]
قال تعالى ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا٧٢﴾ [الأحزاب: 72]. سؤال: لماذا ذكر الجبال بعد الأرض وهي جزء منها؟ الجواب: إن هذا من باب عطف الخاص على العام، وذلك لعظم خلقها فهي أعظم ما في الأرض. وهذا النوع من العطف غير عزيز في اللغة، فإنه يعطف الخاص على العام لأهمية المعطوف، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿حَٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وَٱلصَّلَوٰةِ ٱلۡوُسۡطَىٰ﴾ (البقرة: 238)، فعطف الصلاة الوسطى على الصلوات وذلك لأهمية الحفاظ على هذه الصلاة. ونحو قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ٩٨﴾ [البقرة: 98]، فعطف جبريل وميكال وهما من الملائكة وذلك لعظيم منزلتهما عند الله. ثم إن الجبال ليست خاصة بالأرض فهي موجودة في قسم من الأجرام السماوية، وعلى هذا فإن ذكرها أفاد ما لم يُفده ذكر الأرض، فربما عرض الله الأمانة على السنوات والأرض وعلى الجبال أينما كانت سواء كانت في الأرض أم في غيرها. ثم إن ذكرها بعد ذكر الأرض فيه إشارة إلى أمر آخر لطيف، وذلك أن إنما هي رواسي للأرض لئلا تميد بنا، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ [الأنبياء: 31]، ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: 15]. وهذه الأمانة كالجبال رواس ٍللإنسان تثبته لئلا تميد به الأهواء وتعصف به الشهوات، بل هي تُثبته في الدنيا والأخرة، كما قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: 27]، وهي أدوم من الأرض والجبال؛ بل هي أدوم من السماوات، فإن الأرض ستزول والجبال ستُنسف والسماوات ستُبدل، أما هذه الأمانة فإنها باقية تثبته في الحياة الدنيا، وتُثبته في الآخرة، وتُثبته على الصراط لئلا يسقط في جهنم. فذكر الجبال ههنا بعد ذكر الأرض من لطيف المناسبات. (أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 148، 149)
  • ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٣٦﴾    [سبأ   آية:٣٦]
  • ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴿٣٩﴾    [سبأ   آية:٣٩]
قال تعالى في الآية السادسة والثلاثين من سورة سبأ: ﴿قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ٣٦﴾. وقال في الآية التاسعة والثلاثين من السورة نفسها: ﴿قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ وَيَقۡدِرُ لَهُۥۚ وَمَآ أَنفَقۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَهُوَ يُخۡلِفُهُۥۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ٣٩﴾. سؤال: 1 - لماذا قال في الآية السادسة والثلاثين ﴿وَيَقۡدِرُ﴾ ولم يقل: (له)، وقال في الآية التاسعة والثلاثين: ﴿وَيَقۡدِرُ لَهُ﴾؟ 2 – ولماذا قال في الآية التاسعة والثلاثين: ﴿مِنۡ عِبَادِهِۦ﴾ ولم يقل مثل ذلك في الآية السادسة والثلاثين؟ الجواب: 1 – بالنسبة إلى السؤال الأول فقد ذكر ربنا في السورة قسمين من العباد: قسماً بسط الله لهم الرزق ولم يقدره لهم. وقسما ً بسط الله لهم الرزق ثم قدره لهم، أي ضيّقه. فذكر كل آية لمناسبة كل قسم وإليك إيضاح ذلك: لقد ذكر من الذين بسط لهم الرزق ولم يضيّق عليهم نبي الله داود، ونبيه سليمان، فقد ذكر أن الله آتاهما فضلاً، ولم يُضيق عليهما، فهما ملكان عظيمان في بني إسرائيل، إلى أن توفاهما الله. ومن الذين بسط لهم رزقهم ولم يقدره لهم المذكورون في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ٣٤ وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ٣٥﴾ [سبأ: 34-35]. وهؤلاء ممن بسط لهم الرزق فقد ذكر أنهم مُترفون، والُمترف مبسوط له في رزقه، وذكر أنهم قالوا: ﴿وَقَالُواْ نَحۡنُ أَكۡثَرُ أَمۡوَٰلٗا وَأَوۡلَٰدٗا﴾، فهؤلاء ممن بسط لهم في رزقهم، ولم يذكر أنه ضيقه عليهم، وقد قال بعد هذه الآية: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ٣٦﴾ [سبأ: 36] فذكر أن ربك يبسط الرزق ويقدر، ولكن لم يذكر أنه يقدر لمن يبسط له، فقد يقدر له أو لغيره. وقد ذكر في سورة أيضاً قوماً بسط لهم في رزقهم ثم ضيقه عليهم، وهو ما ذكره عن سبأ فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ١٥﴾ [سبأ: 15]، وهذا زمن البسط. ثم قال: ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ١٦ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ١٧﴾ [سبأ: 16-17]، فضيق عليهم بعد البسط. فالأولون بسط لهم في رزقهم ولم يقدره لهم. والآخرون بسط لهم في رزقهم ثم قدره لهم. فناسب كل آية قسماُ من المذكورين في السورة. 2 – وأما ذكر ﴿مِنۡ عِبَادِهِ﴾ في الآية الثانية دون الأولى فقد قيل: إن الآية الأولى في الكافرين، وإن الآية الثانية في المؤمنين، وقوله: ﴿مِنۡ عِبَادِهِ﴾ مُشعر بذلك. جاء في ((البرهان في متشابه القرآن)) أنه ((لم يذكر الأول: (من عباده) لأن المراد بهم الكفار، وذكر مع الثاني لأنهم المؤمنون)). وجاء في ((البحر المحيط)): ((ومعنى ﴿فَهُوَ يُخۡلِفُه﴾ أي: يأتي بالخُلف والعوض منه، وكانت لفظة ﴿مِنۡ عِبَادِهِ﴾ مشعرة بالمؤمنين، وكذلك الخطاب في: ﴿وَمَآ أَنفَقۡتُم﴾ يقصد هنا رزق المؤمنين)). هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن خاتمة كل آية من الآيتين تبين مناسبة كل تعبير لما ورد فيه. فإنه ختم الآية الأولى بالكلام على الناس، فقال: ﴿وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ والناس عموم. وختم الآية الثانية بالمؤمنين المنفقين فقال: ﴿وَمَآ أَنفَقۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَهُوَ يُخۡلِفُهُ﴾ وهم أخصّ من الأولين فإنهم جزء من الناس. فأطلق في الآية الأولى مناسبة للعموم، فلم يقل: (من عباده)، وخصص في الآية الثانية مناسبة للخصوص فقال: ﴿مِنۡ عِبَادِهِۦ وَيَقۡدِرُ لَهُۥۚ﴾، فناسب العموم العموم والخصوص الخصوص. (أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 150: 152)
  • ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ ﴿٢٩﴾    [فاطر   آية:٢٩]
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ٢٩﴾ [فاطر: 29]. سؤال: لماذا جاء بالفعل ﴿يَتۡلُونَ﴾ مُضارعاً؟ وبالفعلين ﴿َأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ و ﴿أَنفَقُواْ﴾ ماضيين؟ وما سرّ هذا الترتيب؟ الجواب: جاء بالفعل ﴿يَتۡلُونَ﴾ مُضارعاً للدلالة على الاستمرار والتجدد؛ لأنه أكثر مما بعده، فإن الذين يُقيمون الصلاة لابد أن يتلوا فيها كتاب الله، ولا تكون صلاة من غيره تلاوة. والتلاوة قد تكون في غير الصلاة، ولا يُشترط فيها ما يُشترط في الصلاة من وضوء أو استقبال قبلة أو أوقات معينة، فهي أكثر من الصلاة، وهي لا شك أكثر من الإنفاق. فجاء بالفعل فيها مضارعاً للدلالة على الاستمرار والتجدد. وأما سر ّالترتيب في الآية واضح فإنه تدرج من الكثرة إلى القلة، فالتلاوة أكثر من الصلاة كما ذكرنا، والصلاة أكثر من الإنفاق، فإن الصلاة المكتوبة فقط خمسة أوقات في اليوم والليلة عدا السنن، والإنفاق لا يكون بهذه الكثرة. هذا إضافة إلى الصلاة فرض على الجميع بخلاف الإنفاق فإن كثيراً من المصلين لا يجب عليهم الإنفاق، وإنما قد تُصرف إليهم بعض وجوه الإنفاق كما هو معلوم. (أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 153)
  • ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ ﴿١٠١﴾    [الصافات   آية:١٠١]
  • ﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ ﴿٢٨﴾    [الذاريات   آية:٢٨]
لماذا وصف الله سيدنا إسماعيل بأنه غلام حليم، فقال فيه: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ١٠١﴾ [الصافات: 101]. ووصف سيدنا إسحاق بانه غلام عليم، فقال فيه: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ٢٨﴾ [الذاريات: 28]؟ الجواب: الحِلم: هو أن يملك الشخص نفسه عند الغضب، وهو يظهر عند التعامل مع الآخرين والعلاقة بهم. وقد ذكر الله علاقة إسماعيل بأبيه وبالآخرين في أكثر من موطن في القرآن الكريم، فقد ذكر بعد قوله: ﴿فَبَشَّرۡنَٰهُ بِغُلَٰمٍ حَلِيمٖ﴾، قوله: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ١٠٢﴾ [الصافات: 102]. وذكر بناءه البيت مع إبراهيم أبيه، فقال: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ١٢٧﴾ [البقرة: 127]. وقد ذكر الله عنه أنه رسول نبي، وأنه كان صادق الوعد، والرسالة إنما تقتضي حسن التعامل مع الآخرين. وصدق الوعد إنما يكون إذا وعد جهة ما بأمر معين فوفاها إياه، ووصفه بالصيغة الاسمية يدل على ثبوت هذه الصفة فيه. قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا٥٤ وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا٥٥﴾ [مريم: 54-55]. وهذه الأمور تقتضي علائق اجتماعية وفيها يظهر الحلم أو غيره، فوصفه بالحلم لذاك، وأما إسحاق فلم يذكر له علاقة بالآخرين، وقد وصفه الله بالعلم، والعلم لا يقتضي مثل تلك العلائق. ثم إنه قد ذكر الله عنه أنه نبي ولم يذكر أنه رسول، فقال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ١١٢﴾ [الصافات: 112]. وقال: ﴿وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا٤٩﴾ [مريم: 49]، والنبوة لا تقتضي علائق كالرسالة، فوصفه بالعلم ولم يصفه بالحلم. ويَحسنُ أن نذكر أنه حين يصف الله نبياً بصفة كمال لا يعني أن الأنبياء الآخرين ليسوا متصفين بمثل هذه الصفة ، أو أن هذا النبي لم يتصف بصفة كمال غيرها ، فإذا وصف نوحاً مثلاً بأنه كان عبداً شكوراً لا يعني ذاك أن الأنبياء الآخرين ليسوا كذلك ، وإذا وصف إبراهيم بأنه أواه مُنيب لا يعني أن إخوانه من الأنبياء ليسوا كذلك ، بل كلهم عباد شاكرون لأنعمه سبحانه منيبون إليه ، وإنما هو يذكر أمراً أو وصفاً يقتضيه السياق أو يكون مشتهراً به أكثر من غيره من الصفات ، فوصف كلاًّ منهما بما يقتضيه سياقه الذي ورد فيه ، أو الأمر الذي أُوكل إليه . (أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 156، 157)
  • ﴿إِن كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ ﴿١٤﴾    [ص   آية:١٤]
  • ﴿وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ ﴿١٤﴾    [ق   آية:١٤]
قال تعالى في سورة (ص): ﴿إِن كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ١٤﴾. وقال في سورة (ق): ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ١٤﴾ [ق: 14]. سؤال: لماذا قال في آية (ص): ﴿فَحَقَّ عِقَابِ﴾ وقال في آية (ق): ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾؟ الجواب: إن العقاب أشد من الوعيد، والصفات المذكورة للكافرين في (ص) أشد مما في (ق)، وهم في (ص) أشد وأعتى على المسلمين مما في (ق)، وذكر من عقوبات الأمم السابقة في (ص) ما لم يذكره في (ق)، وذكر من تهديد الكافرين وتوعدهم في (ص) ما لم يذكره في (ق) فناسب ذلك أن يذكر في (ص) أشد مما ذكره في (ق). قال تعالى في (ص) : ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ١ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ٢ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ٣ وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ٤ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ٥ وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ٦ مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ٧ أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ٨ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ٩ أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ١٠ جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ١١ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ١٢ وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ١٣ إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ١٤ وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ١٥ وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ١٦ اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ١٧﴾ [ص: 1-17] . وقال في ق : ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ١ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ٢ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ٣ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ٤ بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ٥ أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ٦ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ٧ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ٨ وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ٩ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ١٠ رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ١١ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ١٢ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ١٣ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ١٤﴾ [ق: 1-14] . ومن النظر في النصين يتضح أن ما يأتي: 1 – أنه وصف الكافرين في (ص) أنهم في عزة وشقاق، فقال: ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٖ وَشِقَاقٖ٢﴾، ولم يقل مثل ذلك في (ق). 2 – وذكر أنه أهلك من القرون المُكذبة السابقة الكثير فاستغاثوا وصرخوا فلم ينفعهم ذلك، فقال: ﴿كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّن قَرۡنٖ فَنَادَواْ وَّلَاتَ حِينَ مَنَاصٖ٣﴾، ولم يذكر مثل ذلك في (ق). 3 – قال الكافرون في الرسول في (ص) ما لم يقولوه في (ق)، فقد قالوا في (ص): ﴿هَٰذَا سَٰحِرٞ كَذَّابٌ﴾، ولم يقولوا مثله في (ق). قد تقول: ولكن ورد أيضاً في (ق) ذكر التكذيب، فقال: ﴿بَلۡ كَذَّبُواْ بِٱلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمۡ فَهُمۡ فِيٓ أَمۡرٖ مَّرِيجٍ٥﴾. فنقول: إنه ورد في (ص) من التكذيب ما هو أشد إضافة إلى ما ورد من وصف الرسول بالسحر والكذب، فقالوا: ﴿مَا سَمِعۡنَا بِهَٰذَا فِي ٱلۡمِلَّةِ ٱلۡأٓخِرَةِ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا ٱخۡتِلَٰقٌ٧ أَءُنزِلَ عَلَيۡهِ ٱلذِّكۡرُ مِنۢ بَيۡنِنَاۚ بَلۡ هُمۡ فِي شَكّٖ مِّن ذِكۡرِيۚ بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ٨﴾. كما سنذكر. 4 – كان إنكارهم في (ص) أشد مما في (ق)، فقالوا: ﴿أَجَعَلَ ٱلۡأٓلِهَةَ إِلَٰهٗا وَٰحِدًا﴾ ولم يقولوا مثله في (ق). 5 – وكان عجبهم في (ص) أشد مما في (ق)، فقد قالوا في (ق): ﴿هَٰذَا شَيۡءٌ عَجِيبٌ﴾، وقالوا في (ص): ﴿إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٌ عُجَابٞ﴾، بالتوكيد بإن، واللام، والعدول عن صيغة عجيب إلى عجاب، وهي أشد عجباً من عجيب. 6 – وذكر في (ص) أن الكافرين طلبوا السعي لنصرة آلهتهم فقال: ﴿وَٱنطَلَقَ ٱلۡمَلَأُ مِنۡهُمۡ أَنِ ٱمۡشُواْ وَٱصۡبِرُواْ عَلَىٰٓ ءَالِهَتِكُمۡۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٞ يُرَادُ﴾، ولم يذكر ذلك في (ق). 7 – وكرروا إنكارهم وتكذيبهم في (ص) وأنهم لم يسمعوا بمثل هذا، فقالوا: ﴿مَا سَمِعۡنَا بِهَٰذَا فِي ٱلۡمِلَّةِ ٱلۡأٓخِرَةِ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا ٱخۡتِلَٰق﴾. 8 – وكرروا إنكارهم أن يكون الله اختار محمداً لرسالته دونهم، فقال على لسانهم: ﴿أَءُنزِلَ عَلَيۡهِ ٱلذِّكۡرُ مِنۢ بَيۡنِنَاۚ﴾ (8)، ولم يذكر مثل ذلك في (ق). 9 – توعدهم ربنا في (ص) وهددهم بقوله: ﴿بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ﴾، والنفي ب ((لمَّا)) يعني أنهم لم يذوقوا عذابه إلى الآن، وهو متوقع أن يذوقوه، وهو تهديد لهم وتوعد بارتقاب العذاب، ولم يقل مثل ذلك في (ق). 10 - وذكر في (ص) أن جندهم سيهزم فقال: ﴿جُندٞ مَّا هُنَالِكَ مَهۡزُومٞ مِّنَ ٱلۡأَحۡزَابِ١١﴾. ((وهذا وعد من الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم بالنصر عليهم والظفر بهم. وقد وقع ذلك ولله الحمد في يوم بدر، وفيما بعده من مواطن الله)). 11 – ذكر في السورتين طرفاً من الأمم السابقة المُكذبة غير أنه أكد التكذيب في (ص) أكثر مما في (ق). فقد قال في (ص): ﴿إِن كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ١٤﴾ وقال في (ق): ﴿كُلّٞ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ١٤﴾، فزاد التكذيب توكيداً في (ص) بأسلوب القصر فقال: ﴿إِن كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ﴾، ولم يقل مثل ذلك في (ق). هذا إضافة إلى أنه وصف فرعون في (ص) بما لم يصفه في (ق)، فقال: ﴿وَفِرۡعَوۡنُ ذُو ٱلۡأَوۡتَاد﴾ ولم يصفه بذاك في (ق). ومما قيل في وصف ذي الأوتاد أنه كانت له أوتاد يعذب بها الناس، وذلك أنه إذا غضب على أحد وتد يديه ورجليه ورأسه على الأرض وقيل غير ذلك. 12 – ثم توعدهم في (ص) بعذاب يأخذهم لا يمهلهم، فقال: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ١٥﴾ [ص: 15]، أي :( (ما لها من توقف مقدار فواق، وهو ما بين حلبتي الحال ورضعتي الراضع))، ولم يذكر مثل ذلك في (ق). 13 – وذكر في (ص) أن هؤلاء المشركين دعوا على أنفسهم بتعجيل العذاب والعقوبة إمعاناً في التكذيب، فقال: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ١٦﴾ [ص: 16]. جاء في ((تفسير ابن كثير)): ((﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ هذا إنكار من الله تعالى على المشركين في دعائهم على أنفسهم تعجيل العذاب فإن القط هو الكتاب، وقيل: هو الحظ والنصيب. {قال غير واحد من المفسرين}: سألوا تعجيل العذاب ... كما قالوا: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ٣٢﴾ [الأنفال: 32]، ولم يذكر مثل ذلك في (ق). 14 – أمر رسوله في (ص) بالصبر على ما يقولون، فقال: ﴿ٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ (17)، ولم يذكر مثل ذلك في (ق) في هذا السياق. فاتضح أن موقف الكافرين في (ص) أشد وأعتى فاستحقوا الزيادة في التهديد فقال: ﴿فَحَقَّ عِقَابِ﴾ الذي هو أشد من الوعيد، فناسب كل سياق ما ورد فيه. ثم إنه ناسب كل تعبير ماكينة من جهة أخرى: فقد قال في (ص): ﴿إِن كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ﴾ فكان أسلوب التكذيب في (ص) أشد وآكد لأنه جاء بأسلوب القصر فاستحقوا من العقوبة ما هو أشد مما هو في (ق). 15 – وإضافة إلى ذلك أن كلمة ﴿وَعِيدِ﴾ وردت في (ق) أربع مرات ولم ترد في (ص)، بل هي أكثر سورة في القرآن وردت فيها هذه اللفظة. وأن كلمة (العقاب) لم ترد في (ق)، فناسب كل تعبير مكانه من جهة أخرى، والله أعلم. (أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 158: 162)
  • ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴿١٧﴾    [ص   آية:١٧]
  • ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ﴿٤٧﴾    [الذاريات   آية:٤٧]
قال تعالى في سورة (ص): ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ١٧﴾ [ص: 17]. وقال في سورة الذاريات: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَييْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ٤٧﴾ [الذاريات: 47]. سؤال: لماذا رُسمت ﴿الْأَيْدِ﴾ في سورة (ص) بياء واحدة، ورُسمت في سورة الذاريات (بِأييْدٍ) بياءين مع أنهما كلمة واحدة، ولفظ واحد؟ الجواب: من المعلوم أن رسم المصحف لا يُقاس عليه، ولكن مع ذلك كان هذا في الرسم جانباً بيانياً. إن معنى (الأيد) هو القوة في الآيتين، ولكن لما كانت قوة الله زائدة على قوة داود زيد في الرسم. ومما سوّغ ذلك أيضاً أن الله سبحانه عبّر عن نفسه بضمير الجمع للتعظيم، فقال: ﴿بَنَيْنَاهَا﴾ وقال: ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ بخلاف كلامه على داود، فناسب جمع ياءين في موطن الجمع، والإفراد في مواطن الإفراد علماً بأن هذا النوع من الرسم كان جارياً في ذلك الوقت أعني زيادة حرف علة في الرسم. فناسب كل رسم موضعه، وهو من لطيف الرسم، والله أعلم. (أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 163)
  • ﴿لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ ﴿١٦﴾    [الزمر   آية:١٦]
  • ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ ﴿١٧﴾    [الزمر   آية:١٧]
  • ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴿١٨﴾    [الزمر   آية:١٨]
  • ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ﴿٢٧﴾    [الفجر   آية:٢٧]
  • ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً ﴿٢٨﴾    [الفجر   آية:٢٨]
  • ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ﴿٢٩﴾    [الفجر   آية:٢٩]
  • ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي ﴿٣٠﴾    [الفجر   آية:٣٠]
قال تعالى في سورة الزمر: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ١٧ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ١٨﴾ [الزمر: 16-18]. وقال في سورة الفجر: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ٢٧ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً٢٨ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي٢٩ وَادْخُلِي جَنَّتِي٣٠﴾ [الفجر: 27-30]. سؤال: لماذا قال في فاصلة آية الزمر ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ فحذف ياء المتكلم في كلمة ﴿عِبَادِ﴾، وقال في فاصلة آية الفجر: ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ فذكر ياء المتكلم فيها؟ الجواب: إن هذا يدخل فيما ذكرناه في كتابنا (بلاغة الكلمة في التعبير القرآني) من أن ما ذكرت فيه الياء أوسع وأشمل مما حُذفت منه الياء. وذلك أن العباد في آية الفجر أكثر منهم في آية الزمر، فقد خصصهم في آية الزمر بقوله: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: 18] فهم لم يكفروا بالحسن بل يتبعون الأحسن، وأطلقهم في آية الفجر في عموم عباده الذين يدخلون الجنة ولا شك أن فيهم مّن لم يكن يتبع أحسن القول. فلما كثر العباد في آية الفجر زاد في البناء مناسبة لزيادة العباد، ولما كان العباد في آية الزمر جزءاً ممن ذكر في آية الفجر اقتطع من الكلمة لتناسب قلة البناء قلة العباد. ومما حسّن ذلك أيضاً مناسبة كل فاصلة للفواصل التي وردت معها، فإن فاصلة آية الزمر تقع ضمن فواصل شبيهة بهذه الفاصلة، نحو: ﴿أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ ونحوها. وإن فاصلة آية الفجر مناسبة لفاصلة الآية بعدها، وهي قوله: ﴿وَٱدۡخُلِي جَنَّتِي﴾ بإضافة الجنة إلى ياء المتكلم، فناسب أن يظهر ضمير المتكلم مع العباد، كما ظهر مع الجنة، فالعباد عباده، والجنة جنته، وعباده يدخلون جنته. (أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 164، 165)
إظهار النتائج من 7251 إلى 7260 من إجمالي 12325 نتيجة.