عرض وقفات أسرار بلاغية

  • ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ ﴿١٥﴾    [غافر   آية:١٥]
  • ﴿يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴿١٦﴾    [غافر   آية:١٦]
  • ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴿١٧﴾    [غافر   آية:١٧]
قال تعالى في سورة غافر: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ١٥ يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ١٦ الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ١٧﴾ [غافر: 15-17]. سؤال: لماذا قال: ﴿التَّلَاقِ﴾ فحذف الياء ولم يقل (التلاقي)؟ الجواب: من الظواهر التعبيرية في القرآن الكريم أنه إذا كان الحدث دون الاكتمال اقتطع من حروفه، وإذا كان حدثان بعضهما أطول من بعض، أو كان وقوعه أكثر اقتطع مما هو أقصر، وقد ضربنا في كتابنا ((بلاغة الكلمة في التعبير القرآني)) أمثلة لذلك، كما في نحو (اسْطَاعُوا) و: (اسْتَطَاعُوا)، و: (تَنَزَّلُ) و: (تَتَنَزَّلُ)، و: (َتَوَفَّاهُمُ)، و: (تَتَوَفَّاهُمُ) وغيرها. وفي هذا اليوم –أي يوم القيامة- ليس التلاقي كما في الدنيا من حيث الطول وتبادل الحديث ، فإن المتلاقين لا يُفيضون في الحديث وبث الأشواق ، ولا يحدّث بعضهم بعضاً عمّا جرى كل منهم في الفراق الطويل بينهما ، فإن هذا اليوم إنما هو يوم الفرار الأكبر كما قال تعالى : ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ٣٤ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ٣٥ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ٣٦﴾ [عبس: 34-36] ، ولا يسأل أحد أصحابه عمّا حرى له كما أخبر ربنا بذلك ، فقال : ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا١٠﴾ [المعارج: 10] ، أي : لا يسأل قريب قريباً فكيف بالأباعد ؟ وكما قال أيضاً: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ١٠١﴾ [المؤمنون: 101]. ومن هذا يتبين أن التلاقي يوم القيامة ليس كما في الدنيا من حيث بثّ المشاعر، وسماع الحديث، وطُول الُمكث بينهم، وإنما هو فرار من غير مُسائلة، فإن لكل امرئ شأناً يغنيه حتى يقضي الله بين عباده، وتُجزى كل نفس بما كسبت. فاقتطع من الحدث ليدل على أنه ليس حدثاً مكتملاً يجري فيه ما يجري مع المتلاقين في الدنيا. هذا علاوة على مناسبة الحذف لفواصل الآيات، والله أعلم. (أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 166، 167)
  • ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ﴿٣٠﴾    [الشورى   آية:٣٠]
  • ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنسَانَ كَفُورٌ ﴿٤٨﴾    [الشورى   آية:٤٨]
قال تعالى في سورة الشورى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ٣٠﴾ [الشورى: 30]. وقال في السورة نفسها في الآية: 48: ﴿وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ فَإِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ كَفُورٞ﴾. سؤال: لماذا قال في الآية الأولى: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ وقال في الآية الأخرى ﴿بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ﴾ فذكر الكسب في الآية الأولى، وذكر التقديم في الآية الأخرى؟ الجواب: لقد سبق الآية الأولى الكلام على الرزق، فقال: ﴿وَلَوۡ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزۡقَ لِعِبَادِهِۦ لَبَغَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٖ مَّا يَشَآءُۚ إِنَّهُۥ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرُۢ بَصِيرٞ٢٧﴾، والرزق مما يُكسب فناسب ذكر الكسب. وليس السياق كذلك في الآية الأخرى، وإنما السياق في الكلام على اليوم الآخر، فقد قال: ﴿ٱسۡتَجِيبُواْ لِرَبِّكُم مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ يَوۡمٞ لَّا مَرَدَّ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِۚ مَا لَكُم مِّن مَّلۡجَإٖ يَوۡمَئِذٖ وَمَا لَكُم مِّن نَّكِيرٖ٤٧﴾. فناسب ذكر ما قدموه من أعمال، فناسب كل تعبير مكانه الذي ورد فيه. ونظير ذلك قوله تعالى في سورة الروم: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: 41]. فذكر الكسب لما تقدمها ذكر الرزق والأموال ، فقال : ﴿أَوَ لَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ٣٧ فَ‍َٔاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجۡهَ ٱللَّهِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ٣٨ وَمَآ ءَاتَيۡتُم مِّن رِّبٗا لِّيَرۡبُوَاْ فِيٓ أَمۡوَٰلِ ٱلنَّاسِ فَلَا يَرۡبُواْ عِندَ ٱللَّهِۖ وَمَآ ءَاتَيۡتُم مِّن زَكَوٰةٖ تُرِيدُونَ وَجۡهَ ٱللَّهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُضۡعِفُونَ٣٩ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ ثُمَّ رَزَقَكُمۡ ثُمَّ يُمِيتُكُمۡ ثُمَّ يُحۡيِيكُمۡۖ ﴾(37 – 40 ) . في حين قال في السورة نفسها : ﴿وَإِذَآ أَذَقۡنَا ٱلنَّاسَ رَحۡمَةٗ فَرِحُواْ بِهَاۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ إِذَا هُمۡ يَقۡنَطُونَ٣٦﴾ ، فقال : ﴿ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ ﴾ فذكر التقديم لما لم يكن السياق في ذكر الرزق ، وإنما تقدمها ذكر الضر والرحمة ، فقال : ﴿وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرّٞ دَعَوۡاْ رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيۡهِ ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُم مِّنۡهُ رَحۡمَةً إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُم بِرَبِّهِمۡ يُشۡرِكُونَ٣٣﴾ ، فناسب كل تعبير مكانه الذي ورد فيه في كل موضع . (أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 168، 169)
  • ﴿لِّلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ ﴿٤٩﴾    [الشورى   آية:٤٩]
  • ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ﴿٥٠﴾    [الشورى   آية:٥٠]
قال سبحانه في سورة الشورى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ٤٩ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ٥٠﴾ [الشورى: 49-50]. سؤال: 1 – لماذا قدّم الإناث على الذكور، ونكر الإناث، وعرّف الذكور في الآية التاسعة والأربعين؟ 2 – لماذا جمع الذكر على الذكور في الآية الأولى، وعلى (ذكران) في الآية التي قبلها؟ الجواب: 1 – إن الجواب عن السؤال من أكثر من وجه: منها: أنه تردد في السورة في أكثر من موضع ما لا يرغب فيه الإنسان ولا يشاؤه، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ٣٠﴾ [الشورى: 30]، وقوله: ﴿وَجَزَٰٓؤُاْ سَيِّئَةٖ سَيِّئَةٞ مِّثۡلُهَاۖ﴾ (40). وقوله: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ٤٣﴾، وواضح أن ههنا على المكاره ومغفرة ما يسوؤه من الأمور. وقوله: ﴿وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِنَّا رَحۡمَةٗ فَرِحَ بِهَاۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ فَإِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ كَفُورٞ٤٨﴾. وقوله ﴿لِّلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَٰثٗا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ٤٩﴾. فقدم ما لا يرغب فيه أهل الجاهلية آنذاك، وهو متسق مع ما تردد في السورة كما ذكرنا؛ ثم إن سياق الكلام في أن الله فاعل ما يشاء لا ما يشاؤه الإنسان ويهواه، فقد قال: ﴿يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ﴾، أي ما يشاؤه هو، ولا ما يشاؤه الإنسان، وذلك لحكمة أرادها سبحانه. جاء في ((روح المعاني)): ((ولما ذكر سبحانه إذاقة الإنسان الرحمة، وإصابته بضدها أتبع جل وعلا ذلك أن له سبحانه الملك، وأنه تعالى يقسم النعمة والبلاء كما شاء بحكمته تعالى البالغة لا كما شاء الإنسان بهواه)). ثم إن هذا التقديم ناسب ذكر البلاء في الآية التي سبقت هذه الآية وهو وقله: ﴿وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ فَإِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ كَفُورٞ٤٨﴾. ومجيء الإناث مما يُسئ العرب آنذاك، وهو ما يكرهونه لأنفسهم كما أخبر عنهم سبحانه: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ٥٨ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ٥٩﴾ [النحل: 58-59]، فجعلها في سياق ما يصيبهم مما يكرهون. وقيل: قد يكون التقديم توصية برعايتهن لضعفهن وإن إحسان التربية إليهن ستْرٌ من النار كما في الحديث. أما تعريف الذكور وتنكير الإناث، فقد قيل: إنه ((جاء لفظ الذكور معرّفاً ليشير –بما تُعطيه الألف واللام من العهدية- إلى حالهم من الفضل، ودرجة التقدم على الإناث، فكأنه في قوة أن لو قيل: الذين من شأنهم فتوازن تقديم الإناث وتعريف الذكور، فقدّم الإناث لإرغام العرب، وعرّف الذكور لشرف المنزلة)). وقيل: إن التعريف على أنه المعروف الحاضر في قلوبهم أول كل خاطر وإنه الذي عقدوا عليه مناهم. قم إن العرب يُكنون عن النساء ولا يذكرون أسماءهن صوناً لهن بخلاف الذكور، فالذكور معارف عند العرب مشاهير عندهم، بخلاف الإناث، فإنهن مصونات مستورات لا يبرزن ولا يُعرفن، فعرّف ونكّر بحسب ما جرت العادة عندهم من استحسان كل جنس، والله أعلم. 2 – أما الجواب عن السؤال الثاني، وهو أنه لماذا جمع الذّكَر مرة على الذكور، ومرة على ذكران؟ فهذا له سببه فإن القرآن الكريم يستعمل (فُعلان) في الجمع للقلة النسبية. وعلى هذا حيث ورد هذان الجمعان في القرآن كان الذُّكران أقل من الذكور، وفي الآية هذه قال تعالى: ﴿يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَٰثٗا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ٤٩ أَوۡ يُزَوِّجُهُمۡ ذُكۡرَانٗا وَإِنَٰثٗاۖ وَيَجۡعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًاۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٞ قَدِيرٞ٥٠﴾ (الشورى: 49 – 50). ((فاستعمل الذكور للكثرة، والذكران للقلة النسبية فإن العادة أنه إذا أفرد شخص بالذكور كانوا أكثر من أن يقرنهم بالإناث، فإن المرأة إذا ولدت ذكوراً فقط كان عدد الذكور أكثر في العادة من أن تلد ذكراناً وإناثاً. وقال تعالى ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ١٦٥﴾ [الشعراء: 165]، وقال: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ﴾ [الأنعام: 139]، فاستعمل الذكران للقلة النسبية، فإن الموصوفين بهذه الصفة لا يأتون جميع الذكور، وإنما يأتون صنفاً خاصاً منهم، ألا ترى أنهم لا يأتون الأطفال والشيوخ، وإنما يأتون مَن تستسيغه نفوسهم المنكوسة من الذكران، وهم أقل من مجموع الذكور بخلاف قوله تعالى: ﴿خَالِصَةٞ لِّذُكُورِنَا﴾ فإنه يشمل جميع الذكور بلا استثناء، والله أعلم. (أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 170: 172)
  • ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ ﴿٢٢﴾    [الزخرف   آية:٢٢]
– قال تعالى في سورة الزخرف: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ٢٢﴾ [الزخرف: 22]. وقال في الآية التي تليها: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ٢٣﴾ [الزخرف: 23]. سؤال: لماذا قال في الآية الأولى في كفار العرب المعاصرين للرسول (صلى الله عليه وسلم)، وقد ذكر عنهم أموراً تتعلق بمعتقداتهم في الملائكة والعبادات ومحاجتّهم في ذلك. فقد قال عنهم في سياق هذه الآيات: إنهم قالوا عن الله سبحانه: إنه اتخذ مما يخلق بنات يعنون الملائكة، فقال لهم سبحانه: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ١٦﴾ [الزخرف: 16]. وقال ذاكراً معتقداتهم في الملائكة: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ١٩﴾ [الزخرف: 19]، وحكى عنهم ما كانوا يعتقدون في المشيئة، فقال: ﴿وَقَالُواْ لَوۡ شَآءَ ٱلرَّحۡمَٰنُ مَا عَبَدۡنَٰهُمۗ﴾ (20). وردّ عليهم سبحانه بعدم العلم قائلاً: ﴿مَّا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنۡ عِلۡمٍۖ إِنۡ هُمۡ إِلَّا يَخۡرُصُونَ٢٠﴾ نافياً عنهم العلم بذلك. وهذه مما يحتاج إلى الهدى، ولا تُقال تخرصاً وظناً، ثم قال سبحانه نافياً عنهم أسباب الهدى والعلم: ﴿أَمۡ ءَاتَيۡنَٰهُمۡ كِتَٰبٗا مِّن قَبۡلِهِۦ فَهُم بِهِۦ مُسۡتَمۡسِكُونَ٢١﴾ (21)، ولما كانت هذه الأمور تحتاج إلى الهدى احتجوا بأنهم مهتدون بآثار آبائهم، فقالوا: إنهم وجدوا آباءهم على ملة أو دين، وهم مهتدون على آثارهم. وأما الآية الأخرى فهي في الأمم السابقة فقد قال: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ٢٣﴾ [الزخرف: 23]. ولم يذكر عنهم معتقداً ولا احتجاجاً ولا سبباً من أسباب العلم والهدى، فلم يقتض ذكر الهدى. هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى أنه ذكر قولهم مُترفيهم ، والمترفون لا تعنيهم أمور العبادات ولا يعنيهم الهدى ، ولم يذكر القرآن الذين أُترفوا والمترفين بخير بل حيث ذَكَرَهُم َذَكَرَهُم مُعاندين مُعرضين مُكذبين مُحاربين لله ورُسله ، لا يعنيهم شيء من أمور الهدى ، فلم يذكروا الهدى ، وإنما ذكروا أنهم مُتبعون لآبائهم شيء من أمور الهدى ، فلم يذكروا الهدى ، وإنما ذكروا أنهم مُتبعون لآبائهم مقتدون على أية حال ، والاقتداء هو الاتباع على أية حال سواء كان القدوة ضالا أم مهتدياً ، جاء في (( المفردات في غريب القرآن )) : (( الأسوة والإسوة كالقِدوة والقُدوة ، وهي الحالة التي يكون الإنسان عليها في اتباع غيره إن حسناً وإن قبيحاً ، وإن سارًّا وإن ضارًّا ، ولهذا قال تعالى : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ [الأحزاب: 21] فوصفها بالحسنة )). جاء في ((درة التنزيل)) في سيب الاختلاف بين هاتين الفاصلتين في الآيتين المذكورتين من سورة الزخرف: ((الجواب أن يقال: إن الأولى حكاية قول الكفار الذين حاجّوا النبي (صلي الله عليه وسلم)، فقال مخبراً عنهم: ﴿أَمۡ ءَاتَيۡنَٰهُمۡ كِتَٰبٗا مِّن قَبۡلِهِۦ﴾ أي: من قبل القرآن ﴿فَهُم بِهِۦ مُسۡتَمۡسِكُونَ٢١﴾ (الزخرف :21) أي كتاباً فيه حجة بصحة دعواهم فهم متعلقون به ... وقال تعالى: لا حجة لهم لكنهم قالوا وجدنا آباءنا على ملة وطريقة في الدين مقصودة، ونحن في اتباع آثارهم على هداية، فادّعَوا الاهتداء بسلوكهم سبيل آبائهم. وأما الآية الثانية فإنها خبر عن الأمم الكافرة بأنبيائها، قال: ﴿مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ﴾ [الزخرف: 23] إلا قال ذوو النعم والأموال من أهلها قريباً من قول هؤلاء الذين في عصرك يا محمد، فكان أقصى ما احتجوا به أن قالوا: إنا وجدنا آباءنا على أمة فاقتدينا بهم، ولم يؤكد الخبر عنهم بدعواهم الاهتداء كما أكده عمّن كان في عصره ممن يدعيه لبطلان قول الجميع)). وجاء في (( ملاك التأويل )) في هاتين الآيتين : (( ووجه ذلك –والله أعلم- أن ما تقدم الآية الأولى حكاية قول كفار العرب المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم والسامعين منه القرآن المسمى هدى في غير موضع كقوله تعالى :﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2] وقوله : ﴿هَذَا هُدًى﴾ [الجاثية: 11]وقوله : ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ٣﴾ [لقمان: 3] فلما دعاهم صلى الله عليه وسلم ليهتدوا بهدية قابلوا دعاءه بقولهم : إنهم مهتدون ، وإنهم وجدوا آباءهم على أمة ، وأن ما وجدوهم عليه هدى ، فقالوا : ﴿ إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ ﴾ [الزخرف: 22] أي على دين وملة ﴿وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم مُّهۡتَدُونَ﴾ كهديهم فلما دعاهم إلى الهدى زعموا أنهم على هدى . وهذا أبين تناسب. وأما الآية الثانية فحكاية أقوال قرون مختلفة، وقد ذكر تعالى من قول بعضهم: ﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ٥٣﴾ [الأنبياء: 53] وفي موضع: ﴿كَذَٰلِكَ يَفۡعَلُون﴾ فهذا اتباع مجرد من ادّعى كونه هدى أو غير هدى، فهو اعتراف بتقليد واتباع بتعظيم لفعل آبائهم من غير ادعاء شبهة، فلم يكن ليطابق هذا إلا الوارد من قوله تعالى عنهم: ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: 23]، فجاء كلٌّ على ما يناسب والله أعلم)). (أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 173: 175)
  • ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ ﴿٢٤﴾    [الزخرف   آية:٢٤]
  • ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ ﴿٢٦﴾    [الزخرف   آية:٢٦]
سؤال: لماذا رُسمت (قال) في الآية الرابعة والعشرين من سورة الزخرف ﴿قَٰلَ﴾ من دون رسم الألف، وذلك في قوله تعالى: ﴿قَٰلَ أَوَلَوۡ جِئۡتُكُم بِأَهۡدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمۡ عَلَيۡهِ ءَابَآءَكُمۡۖ﴾. ورُسمت في الآية السادسة والعشرين من السورة نفسها بـ (قال) برسم الألف وذلك في قوله: ﴿وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦٓ﴾؟ الجواب: إن ذلك يتعلق برسم المصحف أولاً، ورسم المصحف لا يُقاس عليه، ثم إن ذلك لأمر آخر وهو أن في (قال) في الآية الرابعة والعشرين قراءتين متواترتين: قراءة بفعل الأمر: (قل) وهي قراءة الباقين من العشرة. فكلتا القراءتين متواترة فرُسمت بما تصح فيه القراءتان إشارة إلى أن هاتين القراءتين وردتا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومعلوم أن من أركان القراءة الصحيحة موافقة الرسم العثماني. (أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 176)
  • ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ ﴿٢٤﴾    [الزخرف   آية:٢٤]
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ٨٤﴾ [الزخرف: 84]. سؤال: لماذا كرر كلمة (إِلَهٌ) ولم يقل مثلا ً (وهو الذي في السماء والأرض إله) أو: (وهو الذي في السماء وفي الأرض إله)؟ الجواب: لو قال: (وهو الذي في السماء والأرض إله) لاحتمل المعنى أنه هو الإله المشترك فيهما، وقد يكون فيهما آلهة غير مشتركة، فقد يكون المعنى أن في السماء إلهاً أو آلهة خاصة بها ليست لأهل الأرض، وقد يكون في الأرض إله أو آلهة خاصة ليست لأهل السماء، ولكن الإله المشترك فيهما هو الله، وهذا المعنى لا يصح أن يُراد. أما لو قلنا: (وهو الذي في السماء وفي الأرض إله) فإن ذلك لا ينص على أنه إله في السماء، بل على أنه إله في الأرض، إذ إن المعنى سيحتمل أن يكون: (وهو الذي في السماء) (وفي الأرض إله) فإن ذلك يدل على أنه في السماء، وهو في الأرض إله، كما تقول: (هو في إدارة المعمل، وفي كلية الآداب عميد) فإن ذلك لا يعني أنه عميد في إدارة المعمل. أما قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ فهو نص في أنه إله في السماء لا إله غيره، وفي الأرض هو إله لا إله غيره، وهو المعنى المُراد. وقيل أيضاً: إنه كرر ذلك لأن عبودية أهل السماء تختلف عن عبودية أهل الأرض. (أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 176، 177)
  • ﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ﴿٣٨﴾    [الذاريات   آية:٣٨]
  • ﴿فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ﴿٣٩﴾    [الذاريات   آية:٣٩]
  • ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ﴿٥٢﴾    [الذاريات   آية:٥٢]
قال تعالى في سورة الذاريات: ﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ٣٨ فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَٰحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ٣٩﴾ [الذاريات: 38-39]. وقال في هذه السورة أيضاً: ﴿كَذَٰلِكَ مَآ أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُواْ سَاحِرٌ أَوۡ مَجۡنُونٌ﴾ (52). سؤال: لماذا رُسمت كلمة (ساحر) في الآية التاسعة والثلاثين ﴿سَٰحِرٌ﴾ بلا ألف، ورُسمت في الآية الثانية والخمسين ﴿سَاحِرٌ﴾ بالألف؟ الجواب: إن كلمة (ساحر) رُسمت في المصحف بأكثر من صورة، فالمعرّفة ب(أل) رُسمت بالألف حيث وقعت، وذلك نحو وقوله: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: 69]. وهذه الصورة لا تعنينا وهي صورة لم يختلف بعضها عن بعض ، فلا تكون مثار سؤال ، وأما النكرة فرُسمت من ألف حيث وقعت أي ﴿سَٰحِرٌ﴾ إلا في قوله تعالى في الذاريات :﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ٥٢﴾ [الذاريات: 52] ، والسؤال إنما هو عن سبب الاختلاف في رسم هذه الكلمة هنا عن سائر الآيات ، ومنها آية الذاريات في قوله :﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ٣٨ فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ٣٩﴾ [الذاريات: 38-39] . الجواب: إن كلمة (ساحر) الأولى إنما قيلت في موسى عليه السلام وهو شخص واحد. أما الثانية فهمي في الأمم السابقة وقد قالوا في كل واحد من رسلهم: (سَاحِرٌ)، فلآية الأولى في رسول واحد، أما الآية الأخرى فإنها في رُسل كثيرين، فلما كثر الرسل وزادوا زيد في الرسم مناسبة للزيادة. قد تقول: ولكنها رُسمت في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَٰحِرٌ عَلِيمٍ٧٩﴾ [يونس: 79]، وقوله: ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَٰحِرٌ عَلِيمٍ١١٢﴾ [الأعراف: 112 من دون ألف مع أنهم أكثر من واحد فما الفرق؟ والجواب: إن هؤلاء في قوم مخصوصين وهم قوم فرعون، وأما قوله تعالى: ﴿مَآ أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِم ...﴾ فهو في جميع الأمم السابقة، ولا شك أن أولئك أكثر من سحرة فرعون، فلما كثرت الأمم وامتدت وتطاولت زيد في الرسم. وعلى أية حال فهذا من خط المصحف الذي لا يُقاس عليه كما ذكرنا أكثر من مرة، وهذا التعليل لا نقطع بصحته، فقد يكون من باب الموافقات. وهذا ينطبق على أكثر ما نذكره فيما يتعلق برسم المصحف. والله أعلم. (أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 178، 179)
  • ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ ﴿٧﴾    [الطور   آية:٧]
  • ﴿مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ ﴿٨﴾    [الطور   آية:٨]
  • ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ﴿١﴾    [المعارج   آية:١]
  • ﴿لِّلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ ﴿٢﴾    [المعارج   آية:٢]
قال تعالى في سورة الطور: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ٧ مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ٨﴾ [الطور: 7-8] وقال في سورة المعارج: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ١ لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ٢﴾ [المعارج: 1-2]. سؤال: لماذا قال في سورة الطور: ﴿مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ فنفى ب(ما)، وقال في سورة المعارج: ﴿لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ فنفى ب(ليس)؟ الجواب: إن الآية في سورة الطور مسبوقة بقسم، وهو قوله: ﴿وَالطُّورِ١ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ٢ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ٣ وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ٤ وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ٥ وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ٦ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ٧ مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ٨﴾ [الطور: 1-8]. وقد تلقى القسم بالجملة الأسمية المؤكدة ب(إنّ) واللام فقال: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾، ونفى دفعه بالجملة الاسمية المؤكدة أيضاً مناسبة لجواب القسم المؤكد فقال: ﴿مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾، فنفاها ب(ما) وجاء ب(من) الاستغراقية المؤكدة. أما في سورة المعارج فليس ثمة قسم وإنما قال: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ أي دعا لنفسه بالعذاب وطلبه لها، ونفى دفعه بالجملة الفعلية فقال: ﴿لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾، فقوله: ﴿مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ أنسب بالقسم، وأنسب بالجملة التي قبلها. وقد أكد وقوع العذاب في آية الطور دون آية المعارج؛ لأن السياق في الطور يدل على وقوعه فعلاً، وليس الأمر كذلك في المعارج، فقد قال في المعارج: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا٥ إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا٦ وَنَرَاهُ قَرِيبًا٧﴾ [المعارج: 5-7]. فأمره بالصبر الجميل، ثم قال: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾، وذلك يدل على أن في الزمن متسعاً بينهم وبينه، ولم يقل مثل ذلك في الطور. ثم إنه في المعارج ذكر موقف المجرم من العذاب الذي يستحقه يومئذ، وهو من الوعيد الذي توعده به ربه، وليس واقعاً بعد، فقال: ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ١١ وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ١٢ وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ١٣ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ١٤ كَلَّا إِنَّهَا لَظَى١٥ نَزَّاعَةً لِلشَّوَى١٦ تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى١٧ وَجَمَعَ فَأَوْعَى١٨﴾ [المعارج: 11-18]. وأما في الطور فالسياق يبيّن أن الأمر حاصل وأنهم يشاهدون النار موقوفين عليها مخاطبين بقوله: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ١٤ أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ١٥ اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ١٦﴾ [الطور: 14-16]، فوقوع العذاب وعدم دفعه في الطور آكد وهو أقرب مما في المعارج، فأكده جون آية المعارج، فناسب كل تعبير موضعه. (أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 180، 181)
  • ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ﴿١٦﴾    [القمر   آية:١٦]
سؤال: قوله تعالى في سورة القمر: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ١٦﴾ [القمر: 16 – 18 – 21- 30] يأتي به مرة واحدة بعد ذكر العذاب كما في قصة نوح، ومرة يأتي به قبل ذكر العذاب كما في ثمود، ومرة يأتي به مرتين: قبل ذكر العذاب وبعد ذكر العذاب كما في عاد، فما السبب؟ الجواب: يأتي قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ في حالتين: الحالة الأولى: أن يذكر القوم ومخالفتهم رسولهم، فيقول: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ أي: فكيف عاقبناهم؟ فيكون السؤال بقصد العذاب، ثم يذكر عذابهم. والحالة الأخرى: أن يذكر القوم ويذكر مخالفتهم رسولهم، ثم يذكر عقابهم فيقول: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ أليس ذلك ما يستحقونه؟ فيكون القصد من ذلك هو التعجيب والتهويل من عقوبة ربنا لهم، وسوء عاقبتهم، جاء في ((روح المعاني)): ((﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾: لتوجيه قلوب السامعين نحو الإصغاء إلى ما لا يلقى إليهم قبل ذكره، لا لتهويله، وتعظيمه، وتعجيبهم من حاله بعد بيانه كما قبله، كأنه قال: كذبت عاد فهل سمعتم أو فاسمعوا كيف كان عذابي وإنذاري لهم)). أما الجواب عن سبب مجيئه مرة واحدة في قوم نوح، ومرة واحدة في ثمود، ومرتين في عاد فذلك –والله أعلم-: أن تكذيب عاد أعمّ من تكذيب قوم نوح وثمود، فقد قال في قوم نوح: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ٩﴾ [القمر: 9]. فذكر أنهم كذبوا عبد الله أي رسوله، وهو نوح عليه السلام. وقال في ثمود: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ٢٣ فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ٢٤﴾ [القمر: 23-24] وما بعدهما، فذكر أنهم كذبوا بالنذر. وأما عاد فلم يذكر بماذا كذبوا، ولا مَن كذبوا، وإنما قال: ﴿كَذَّبَتۡ عَادٞ فَكَيۡفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ١٨﴾. فكان تكذيبهم أعم، فذكر قوله: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ مرتين، مرة قبل العذاب، ومرة بعد العذاب ليجمع حالتي البيان والتهويل فعمّ ذلك الحالتين، وهذا أعم من أن يذكر حالة واحدة فناسب العمومُ العمومَ، والله أعلم. (أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 182، 183)
  • ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴿٤﴾    [الممتحنة   آية:٤]
  • ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴿٦﴾    [الممتحنة   آية:٦]
  • ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴿٢١﴾    [الأحزاب   آية:٢١]
قال تعالى في الممتحنة (4): ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الممتحنة: 4]. وقال في الممتحنة (6): ﴿لَقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِيهِمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَۚ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ﴾. وقال في سورة الأحزاب (21): ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا٢١﴾ [الأحزاب: 21]. سؤال: 1 - لماذا أنَّث الفعل في الآية الرابعة فقال (كَانَتْ)، وذكره في الموطنين الآخرين مع أن اسم (كان) في المواطن كلها واحد، وهو (الأسوة)؟ 2 – ولماذا قدّم في الآية الرابعة الأسوة على المؤتسى به، وأخرها عنه في الآيتين الأخريين؟ الجواب: 1 – إن الأسوة ((تطلق على الخصْلة التي من حقها أن يؤتسى بها ويُقتدى بها)) وتُطلق أيضاً على الشخص المؤتسى به. والراجح في الآية الرابعة أنه أُريد بها الخصلة بدليل أنه ذكرها وبيّنها فقال: ﴿قَالُواْ لِقَوۡمِهِمۡ إِنَّا بُرَءَٰٓؤُاْ مِنكُمۡ ...﴾ و((لأن الاستثناء الآتي عليها أظهر)) فقال: ﴿إِلَّا قَوۡلَ إِبۡرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسۡتَغۡفِرَنَّ لَكَ﴾ وهذا ما يُرجح إرادة الخَصلة. فلما كانت الأُسوة ههنا يعني المؤنث أنثها. أما في الآيتين الأخريين فيُراد بها الشخص المتأسّي به وهي بمعنى المثَل بدليل أنه ذكر الأشخاص ولم يذكر الخصلة، فلما كانت الأولى بمعنى المؤنث أنث الفعل. ولما كانت في الآيتين الأخريين بمعنى المذكر ذّكر الفعل. هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى أنه مما حسّن التذكير أيضاً في الآية السادسة، وآية الأحزاب كثرة الفواصل بين كان واسمها. فقد فصل في الآية الرابعة بالجار والمجرور (لكم). وأما الموطنان الآخران فقد فصل فيهما – إضافة إلى الجار والمجرور (لكم) – بمجرورين آخرين وهما في الآية السادسة (فيهم)، وفي الآية الأحزاب ب (في رسول الله)، فحسن التذكير من جهتين. 2 – وأما الجواب عن السؤال الثاني فإنه في الآية الرابعة قدّم الأسوة؛ لأن الكلام يدور عليها، وقد بيّنها بقوله: ﴿إِذۡ قَالُواْ لِقَوۡمِهِمۡ إِنَّا بُرَءَٰٓؤُاْ مِنكُمۡ ....﴾ فكانت الخصلة هي محط الاهتمام. وأما في الآيتين الأخريين فلم يذكر الخصلة وإنما ذكر المؤتسى به فقط، فقدّمه على الأُسوة لأن المؤتسى به هو محطّ الاهتمام. لقد أطلق التأسي في هاتين الآيتين ليشمل كل الأمور الحسنة، ولذا أكد في هاتين الآيتين أكثر مما أكد في الآية الأولى، فقد قال في الأولى: ﴿قَدۡ كَانَتۡ لَكُمۡ﴾، وأما في الآيتين الأخريين فقد قال: ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ﴾ فجاء باللام الواقعة في جواب القسم إضافة إلى (قد). ثم أبدل في الآية السادسة فقال: ﴿لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ﴾، وكذلك قال في آية الأحزاب للدلالة على أهمية التأسي بهؤلاء المصطفين، والله أعلم. (أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 184، 185)
إظهار النتائج من 7261 إلى 7270 من إجمالي 12325 نتيجة.