برنامج لمسات بيانية
*(كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء (28) فاطر) ما المعنى الإعرابي للآية؟(د.فاضل السامرائى)
العلماءُ فاعل مؤخر مرفوع واللهَ مفعول به في محال نصب هل يجوز أن نقول الله لفظ الجلالة مفعول به؟ مثلاً في الأفعال الناقصة (كان الله غفوراً رحيماً) (كان) فعل ماضي ناقص لكن إذا ادخل على إسم من أسماء الله لا نقول فعل ماضي ناقص وإنما نقول فعل دوام واستمرار تأدباً مع الله. جواب الدكتور: قُل فعل ناسخ. هذا مصطلح إعرابي. و(إنما) تفيد القصر يعني أن الذين يخشون الله حق الخشية هم العلماء لأنهم يعرفون قدرته سبحانه ومن علِم خاف (أنا أعلمكم بالله وأتقاكم له) حديث شريف. وخشية العالم ليست كخشية الجاهل.
* ما هو مفرد علماء؟(د.فاضل السامرائى)
احتمال جمع عالم واحتمال جمع عليم. يجمعون عالِم على عُلام وعالمون (جمع مذكر سالم) وعلماء مثل جاهل جهلاء، ويجمعوها على عليم وهي القياس مثل كبير كبراء، صغير صغراء، عليم علماء، فعيل فعلاء، شريف شرفاء تحتمل. عُلام موجود في اللغة وهي جمع عالم مثل كاتب كُتّاب.
*عُلام جديدة على الآذان، جهلنا بالشيء لا يدل على عدم وجوده!
ونحن صغار كنا نسمع العِلام بالعامية. إذن علماء جمع عالِم واحتمال جمع عليم.
برنامج لمسات بيانية
ما وجه الإختلاف من الناحية البيانية بين آية 62 في سورة البقرة وآية 69 في سورة المائدة؟
في المائدة (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (69)) وفي البقرة (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (62)). النصب ليس فيه إشكال وإنما الرفع هو الذي كثيراً ما يُسأل عنه. النصب معطوف على منصوب. الرفع في آية سورة المائدة من حيث الناحية الإعرابية ليس فيه إشكال عند النحاة لأنهم يقولون على غير إرادة (إنّ)، على محل إسم إنّ. في الأصل إسم إنّ قبل أن تدخل عليه مرفوع فهذا مرفوع على المحل أو يجعلوه جملة: والصابئون كذلك. لكن لماذا فعل ذلك حتى لو خرّجناها نحوياً؟ هي ليست مسألة إعراب فالاعراب يخرّج لأنه يمكن أن نجعلها جملة معترضة وينتهي الإشكال. لكن لماذا رفع؟ (إنّ) تفيد التوكيد معناه أنه قسم مؤكّد وقسم غير مؤكد. (الصابئون) غير مؤكد والباقي مؤكد لماذا؟ لأنهم دونهم في المنزلة، أبعد المذكورين ضلالاً، يقول المفسرون أن هؤلاء يعبدون النجوم. صبأ في اللغة أي خرج عن المِلّة، عن الدين. فالصابئون خرجوا عن الديانات المشهورة. وهم قسمان وقسم قالوا إنهم يعبدون النجوم وقسم متبعون ليحيى فهما قسمان. هؤلاء أبعد المذكورين والباقون أصحاب كتاب، الذين هادوا أصحاب كتاب عندهم التوراة والنصارى عندهم كتاب الإنجيل والذين آمنوا عندهم القرآن الصابئون ما عنجهم كتاب ولكن قسم من الصابئين يقولون عندهم كتاب لكن بالنسبة لنا هم أبعد المذكورين ضلالاً ولذلك هم دونهم في الديانة والاعتقاد ولذلك لم يجعلهم بمنزلة واحدة فرفع فكانوا أقل توكيداً. (إنّ) للتوكيد. نقول محمد قائم ونقول إن محمد قائم هذه أقوى. هي من دون توكيد ليست مؤكدة لأنهم دون هؤلاء.
*لماذا لم يأت بها مرفوعة ووضعها في نهاية الترتيب؟ هنا ندخل في مسألة التقديم والتأخير وليست في مسألة المعنى. وهي ليست الآية الوحيدة التي فيها تغيّر إعرابي. في آية التوبة (وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ (3) التوبة) ما قال ورسولَه مع أنه يمكن العطف على لفظ الجلالة الله، لم يعطف على إسم الجلالة وإنما عطف على المحل أي (ورسوله بريء) لأن براءة الرسول ليست ندّاً براءة الله تعالى ولكنها تبع لها وليست مثلها، براءة الله تعالى هي الأولى ولو قال ورسولَه تكون مؤكدة كالأولى فإشارة إلى أن براءته ليست بمنزلة براءة الله سبحانه وتعالى وإنما هي دونها فرفع على غير إرادة (إنّ). حتى في الشعر العربي:
إن النبوةَ والخلافةَ فيهم *** والمكرماتُ وسادةٌ أطهارُ
قال المكرماتُ ولم يقل المكرماتِ لأن هؤلاء السادة لا يرتقون لا إلى النبوة ولا إلى الخليفة. هذه الدلالة موجودة في الشعر ففهمها العرب.
يبقى السؤال حول التقديم والتأخير في الترتيب: آية المائدة قال (والصابئون والنصارى) وآية البقرة (والنصارى والصابئين). في المائدة قدّم ورفع الصابئين أنه ذمّ النصارى في المائدة ذماً فظيعاً على معتقداتهم، تكلم على عقيدة التثليث جعلهم كأنهم لم يؤمنوا بالله وكأنهم صنف من المشركين (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ (72)) (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (74)) لما كان الكلام على ذم العقائد عقيدة النصارى أخّر النصارى حتى تكون منزلتهم أقل وقدّم الصابئين مع أنهم لا يستحقون وأخّر النصارى لأنه ذمّ عقيدتهم.
*ما اللمسة البيانية في الترتيب؟
التقديم والتأخير بين الصابئين والنصارى إذا كان كما يقولون الصابئون هم التابعون للنبي يحيى فهو معاصر للمسيح والمسيح ليس بينه وبين الرسول نبي، هم زمنياً بعد الذين هادوا وقبل المسيح مع أنهم في عصر واحد لأن يحيى أسبق من المسيح. النصارى معطوفة على المنصوب لأنه هو الأصل (لا تظهر عليها علامة الإعراب لأنه إسم مقصور) وهذا الأرجح وليس فيه إشكال أن تكون الصابئون مرفوعة وليس بالضرورة أن يكون العطف على الأقرب. أخّر النصارى في المائدة لأنه ذمّ عقيدتهم وفي البقرة لم يذم العقيدة ووضع الصابئين في آخر المِلل.
قال تعالى في سورة البقرة (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ {62}) وقال في سورة المائدة (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحاً فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ {69}) الآيتان فيهما تشابه واختلاف وزيادة في إحداها عن الأخرى.
أولاً: في سورة البقرة قدّم النصارى على الصابئين (النصب جاء مع العطف لتوكيد العطف)، وفي آية سورة المائدة قدّم الصابئون على النصارى ورفعها بدل النصب. فمن حيث التقديم والتأخير ننظر في سياق السورتين الذي يعين على فهم التشابه والإختلاف، ففي آية سوة المائدة جاءت الآيات بعدها تتناول عقيدة النصارى والتثليث وعقيدتهم بالمسيح وكأن النصارى لم يؤمنوا بالتوحيد فيما تذكر الآيات في السورة (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ {72} لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ {73}) ثم جاء التهديد (وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ {73}) (مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ {75}) هذا السياق لم يذكر هذا الأمر في سورة البقرة وهكذا اقتضى تقديم الصابئين على النصارى في آية سورة المائدة. فلما كان الكلام في ذم معتقدات النصارى اقتضى تأخيرهم عن الصابئين.
أما من حيث رفع الصابئون في آية سورة المائدة ونصبها في آية سورة البقرة فالنحاة يحددون أنه من حيث الإعراب العطف على محل إسم إن (محل إسم إن في الأصل رفع) أو يجعل منه جملة مبتدأ أو جملة إعتراضية ولا يهم الوجه الإعرابي. ونسأل لماذا رفع الصابئون؟ بغض النظر عن الناحية الإعرابية (إنّ) تفيد التوكيد فإذا عطفنا عليها بالرفع يعني أننا عطفنا على غير إرادة إنّ فالرفع إذن جاء في آية سورة المائدة على غير إرادة إنّ يعني لأن المعطوف غير مؤكد (الصابئون جاءت مبتدأ وليس عطف على ما سبق وهي على غير إرادة إنّ) لكن لماذا؟ معنى ذلك أن الصابئون أقل توكيداً لأن الصابئين أبعد المذكورين عن الحق فهم ليسوا من أهل الكتاب ولذلك لم يلحقوا بهم في العطف. مثال: عندما نقول إن محمد حضر تكون أوكد من حضر محمد. ففي سورة المائدة جعل تعالى موازنة فقد قدّم الصابئين ولم يؤكدهم ولم يعطهم الأولوية ليكون مقامهم كما جاء في آية سورة البقرة مؤخرين على من ذُكر معهم في الآية وأخّرالنصارى مأكدهم، أما في سورة البقرة فقد قدّم النصارى وأكدهم وأخّر الصابئين لكن جعلهم ملحوقين بالنصارى.
ثانياً: هناك فرق بين الآيتين (فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) في آية سورة البقرة أما في سورة المائدة (فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) المذكورين في الآيتين هم نفسهم (الذين آمنوا، الذين هادوا، النصارى، الصابئين) فلماذا جاء في سورة البقرة (فلهم أجرهم عند ربهم ولم تأتي في سورة المائدة؟ في سورة المائدة السايق كما قلنا في ذمّ عقائد اليهود والنصارى ذمّاً كثيراً مسهب. أما في البقرة فالكلام عن اليهود فقط وليس النصارى ونستعرض آيات السورتين وننظر كيف تكلم عن اليهود في الآيتين: في سورة المائدة الكلام على اليهود أشدّ مما جاء في البقرة حتى لما يذكر العقوبات يذكرها في المائدة(قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ مَن لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَـئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيلِ {60}) أكثر من البقرة (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ {65}) وسياق الغضب في المائدة على معتقدات النصارى واليهود أشدّ وما ذكرهم في المائدة إلا بمعاصيهم فاقتضى السياق أن يكون زيادة الخير والرحمة في المكان الذي يكون الغضب فيه أقل (في سورة البقرة) وجو الرحمة ومفردات الرحمة وتوزيعها في سورة البقرة :ثر مما جاء في سورة المائدة ولم تُجمع القردة والخنازير إلا في سورة المائدة.
مبدئياً بما أن سورة البقرة جاءت أقل غضباً وذكراً لمعاصي اليهود لذا جاءت الرحمة فقد وردت الرحمة ومشتقاتها في سورة البقرة 19 مرة بينما وردت في المائدة 5 مرات لذا اقتضى التفضيل بزيادة الرحمة في البقرةوالأجر يكون على قدر العمل فالنسبة للذين آمنوا من أهل الكتاب قبل تحريفه وهم مؤمنون بالله تعالى عليهم أن يؤمنوا إيماناً آخر باليوم الآخر المقصود الذين آمنوا إيماناً حقيقياً.
أنواع العمل الصالح في السورتين: في سورة المائدة ورد ذكر 10 أنواع من العمل الصالح (الوفاء بالعقود، الوضوء، الزكاة، الأمر بإطاعة الله ورسوله، والإحسان، التعاون على البر والتقوى، إقام الصلاة، الجهاد في سبيل الله والأمر باستباق الخيرات) وفي سورة البقرة ورد ذكر 30 أو 33 نوع من أعمال الخير وتشمل كل ما جاء في سورة المائدة ما عدا الوضوء وفيها بالإضافة إلى ذلك الحج والعمرة والصيام والإنفاق والعكوف في المساجد وبر الوالدين والهجرة في سبيل الله ولإيفاء الدين والقتال في سبيل الله والإصلاح بين الناس وغيرها كثير، لذا اقتضى كل هذا العمل الصالح في البقرة أن يكون الأجر أكبر (فلهم أجرهم عند ربهم).
من ناحية أخرى (فلهم أجرهم عند ربهم) تتردد مفرداتها في كل سورة كما يلي:
1. الفاء وردت في البقرة 260 مرة ووردت في المائدة 180 مرة
2. لهم وردت في البقرة 29 مرة وفي المائدة 15 مرة
3. أجرهم وردت في البقرة 5 مرات وفي المائدة مرة واحدة فقط
4. عند وردت في البقرة 19 مرة وفي المائدة مرة واحدة
5. ربهم وردت في البقرة 10 مرات ومرتين في المائدة.
وهذه العبارة (فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) لم ترد إلا في سورة البقرة بهذا الشكل وقد وردت في البقرة 5 مرات.
وتردد الكلمت في القرآن تأتي حسب سياق الآيات وفي الآيات المتشابهة يجب أن نرى الكلمات المختلفة فيها وعلى سبيل المثال:
(فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) (الأنعام) الإيمان ومشتقاته ورد 24 مرة والتقوى وردت 7 مرات. بينما في سورة الأعراف (فمن اتقى أصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) ورد الإيمان ومشتقاته21 مرة والتقوى 11 مرة.
(فأصابهم سيئات ما عملوا) في سورة النحل تكرر العمل 10 مرات والكسب لم يرد أبداً. أما في سورة الزمر (فأصابهم سيئات ما كسبوا) تكرر الكسب 5 مرات والعمل 6 مرات.
(فلما أتاها نودي يا موسى) (طه) تكرر لفظ الإتيان أكثر من 15 مرة والمجيء 4 مرات بينما في سورة النمل (فلما جاءها نودي يا موسى) تكررت ألفاظ المجيء 8 مرات وألفاظ الإتيان 13 مرة.
(إن الله غفور رحيم) (البقرة) تكرر لفظ الجلالة الله 282 مرة والرب 47 مرة ولم ترد إن الله غفور رحيم أبداً في سورة الأنعم، بينما في سورة الأنعام (إن ربك غفور رحيم) تكررت كلمة الرب 53 مرة ولفظ الجلالة الله 87 مرة ولم تردفي سورة البقرة أبداً إن ربك غفور رحيم
(فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) الفاء في موضعها وهي ليست حرف عطف ولكنها جواب للذين (هي جواب شرط) ولا يُجاب عليه بغير الفاء أن جواب الشرط أو جواب اسم الشرط الذين يؤتى بالفاء ولا حرف غيرها ينوب مكانها.
(لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) تعبير في غاية العجب والدقة من الناحية التعبيرية والدقة ولا تعبير آخر يؤدي مؤدّاه. نفى الخوف بالصورة الإسمية ونفى الحزن بالصورة الفعلية كما خصص الحزن (ولا هم) ولم يقل لا عليهم خوف:
1. لا خوف عليهم ولم يقل لا يخافون كما قال لا يحزنون لأنهم يخافون ولا يصح أن يقال لا يخافون لأنهم يخافون قبل ذلك اليوم (يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار) (إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريرا) وهذا مدح لهم قبل يوم القيامة أما يوم القيامة يخافون إلا مَن أمّنه الله تعالى. كل الخلق خائفون (يوم ترونها تذهل كل مرضعة عمّا أرضعت) لذا لا يصح أن يقال لا يخافون فالخوف شيء طبيعي موجود في الإنسان.
2. لا خوف عليهم معناها لا يُخشى عليهم خطر. ليس عليهم خطر فقد يكونوا خائفين أو غير خائفين كما يخاف الأهل على الطفل مع أنه هو لا يشعر بالخوف ولا يُقدّر الخوف فالطفل لا يخاف من الحيّة ولكنا نخاف عليه منها لأنه لا يُقدّر الخوف. الخوف موجود ولكن الأمان من الله تعالى أمّنهم بأنه لا خوف عليهم ليس المهم أن يكون الإنسان خائفاً أو غير خائف المهم هل يكون عليه خطر أم لا (لا خوف عليهم) وقد يخاف الإنسان من شيء ولكن ليس خوف كالطفل يخاف من لعبة لا تشكل عليه خطراً.
3. ولا هم يحزنون: جعل الحزن بالفعل فأسنده إليهم لماذا لم يقل (ولا حزن)؟ لأنه لا يصح المعنى لأنه لو قالها تعني ولا حزن عليهم أي لا يحزن عليهم أحد المهم أن لا يكون الإنسان حزيناً لكن لا أن يُحزن عليه أحد (إما لأنه لا يستحق الحزن عليه أو لا يشعر).
4. ولا هم يحزنون: بتقديم (هم) الذين يحزن غيرهم وليس هم. نفي الفعل عن النفس ولكنه إثبات الفعل لشخص آخر كأن نقول (ما أنا ضربته) نفيته عن نفسي وأثبتّ وجود شخص آخر ضربه (يُسمّى التقديم للقصر) أما عندما نقول (ما ضربته) يعني لا أنا ولا غيري. نفى الحزن عنهم وأثبت أن غيهم يحزن (أهل الضلال في حزن دائم). ولم يقل لا خوف عليهم ولاحزن لهم لأنها لا تفيد التخصيص (نفى عنهم الحزن ولم يثبته لغيرهم) ولو قال ولا لهم حزن لانتفى التخصيص على الجنس أصلاً ولا ينفي التجدد وقوله تعالى (لا خوف ٌ عليهم ولا هم يحزنون) لا يمكن أن يؤدي إلى حزن فنفى الخوف المتجدد والثابت ونفى الحزن المتجدد (لا هم يحزنون بمعنى لا يخافون) والثابت (لا خوف) ولا يمكن لعبارة أخرى أن تؤدي هذا المعنى المطلوب.
5. لماذا إذن لم يقل (لا عليهم خوف) ولماذا لم يقدم هنا؟ لأنه لا يصح المعنى ولو قالها لكان معناها أنه نفى الخوف عنهم وأثبت أن الخوف على غيرهم يعني يخاف على الكفار لكن من الذي يخاف على الكفار. لذا لا يصح أن يقال لا عليهم خوف كما قال ولا هم يحزنون.
6. لماذا قال لا خوفٌ ولم يقل لا خوفَ عليهم (مبنية على الفتح)؟ لا خوفَ: لا النافية للجنس تفيد التنصيص في نفي الجنس (لا رجلَ هنا معناها نفينا الجنس كله) أما (لا خوفٌ) عندما تأتي بالرفع يحتمل نفي الجنس ونفي الواحد. والسياق عيّن أنه لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون من باب المدح على سبيل الإستغراق وفي مقام المدح. وفي قراءة أخرى خوفَ (قراءة يعقوب). الرفع أفاد معنيين لا يمكن أن يفيدها البناء على الفتح، لا خوفٌ عليهم يفيد دلالتين أولاً إما أن يكون حرف الجر متعلق بالخوف خوفٌ عليهم والخبر محذوف بمعنى لا خوف عليهم من أي خطر (لا خوف) من باب الحذف الشائع ويحتمل أن يكون الجار والمجرور هو الخبر (عليهم) قد يكون هو الخبر. مثال قولنا: الجلوس في الصف: قد تحتاج إلى خبر فنقول الجلوس في الصف نافع وجيّد، وقد تحتمل معنى أن الجلوس (مبتدأ) في (الصف) خبر بمعنى الجلوس كائن في الصفّ. في الرفع (لا خوفٌ عليهم) تدل على معنيين لا خوف عليهم من أي شيء وتحتمل لا خوف عليهم وهذا متعلق بالخوف ومتعلق بالخبر المحذوف (من أي خطر). أما في النصب (لا خوفَ عليهم) لا يمكن أن يكون هذا الأمر ولا بد أن يكون الجار والمجرور هو الخبر (لا خوف عليهم) عليهم لا يحتمل أن يكون متعلقاً وهذا يؤدي إلى معنى واحد وليس معنيين أي يأخذ شق من المعنيين ويكون متعلقاً بالخبر المحذوف وليس بالخبر. فلماذا لا يصح؟ لأنه إذا تعلق بالمضاف يجب القول لا خوفاً عليهم (لآنه يصبح شبيه بالمضاف) ولا يعد مبنياً على الفتح إنما منصوباً.
برنامج لمسات بيانية
هذه الآية هي بعد قوله تعالى (وهديناه النجدين) والنجدين كما أسلفنا هو الطريق المرتفع في الأرض ثم قال بعدها (فلا اقتحم العقبة) والعقبة هي طريق في الجبل وعِر أو الجبل الطويل بعرض الطريق (طويل صعب شديد) هذا في العقبة أما الإقتحام فهو الدخول والمجاوزة بشدة ومشقّة (والقحمة هي الشدة والمهلكة) . فلو لاحظنا اختيار العقبة مع اقتحم وبعد النجدين لوجدنا أن النجد وهو الطريق المرتفع يؤدي إلى العقبة من حيث سلوك الطريق، والعقبة تقع عادة بعد النِجاد أو في المرتفعات من الأرض إذن وضع العقبة بعد النجدين ومع كلمة اقتحم هو وضع طبيعي حداً وهو من الناحية البلاغية البيانية الفنية ذروة البلاغة من حيث الإختيار. ثم إن الله تعالى فسّر العقبة بما يتبعها من آيات (فك رقبة، إطعام في يوم ذي مسغبة) فكلمة اقتحم هي من أنسب الألفاظ لهذا الوصف لأن الإقتحام يتناسب مع العقبة والشّدة ولو قال اجتاز أو عبر مثلاً لما أعطى المعنى المطلوب واختيار كلمة اقتحم هو للدلالة على أن الأمر مخيف وشديد ومُهلك وليس سهلاً يسيراً وليس من العقبات التي تُجتاز بسهولة ويسر وإنما تحتاج إلى اقتحام وفيها شدة وصعوبة. فلو لاحظنا (فلا اقتحم العقبة) ومن قبلها (وهديناه النجدين) لوجدناها متناسبة ومرتبطة بقوله تعالى (لقد خلقنا الإنسان في كبد) وقد قلنا أن من معاني الكبد المشقة والقوة واقتحام العقبة فيه مشقة ووتعب ويحتاج إلى قوة وفيها ارتباط بمعنيي الكِبِد (المشقة والقوة). (لقد خلقنا الإنسان في كبد) يتناسب مع ما سيأتي من آيات في تفصيل معنى العقبة من المشقات (فك رقبة، إطعام في يوم ذي مسغبة).
لا: أية لا هذه وما حكمها؟ نظر المفسرون في (لا) هذه والمعروف في قواعد اللغة العربية أن (لا) إذا دخلت على الفعل الماضي تفيد النفي كما في الفعل المضارع. و(لا) لا تنفي الفعل الماضي إلا إذا كُررت مثل قوله تعالى (فلا صدّق ولا صلّى) ولا نقول في اللغة لا ذهب بمعنى لم يذهب ولإنما يقال ما ذهب للدلالة على نفي الفعل الماضي. إذن لا يصح ولا يجوز القول لا مع الفعل الماضي للنفي. لكن يبقى السؤال هل (لا) في هذه الآية نفي؟ قسم من المفسرين قال قد تفيد النفي واستشهدوا على ذلك ببعض ما ورد في أشعار العرب مع أنها على غير سنن العرب (وأيّ أمرٍ سيء لا فعل)، ومنهم من قال إنها تفيد الدعاء وليس النفي، كما يقال: لا فضّ الله فاك أو يقال لا عافاك الله، لا ردّه الله سالماً وغيرها، وقد تكون للدعاء عليه بأن لا يقتحم العقبة فهذا الشخص الذي أنفق ماله في غير وجه خير دعا عليه بأن لا يقتحم العقبة إذن اعتبروها قسم من المفسرين على أنها للدعاء وليس للنفي.
وقسم آخر رأوا أنها تفيد نفي الإستقبال: في العربية إذا كان الفعل الماشي يفيد الإستقبال يجوز استخدام (لا) ويجوز نفيه بـ (لا) كقولنا (والله لا فعلت ذلك أبداً) بمعنى لا افعله، فإذا كان الفعل للإستقبال يجوز أن تدخل عليه (لا) باعتبار الدلالة الزمنية (تالله لا عذّبتهم بعدها سقر). فلا اقتحم العقبة تفيد إذن في هذه الحالة نفي الإستقبال بمعنى لا يقتحم العقبة في المستقبل.
ومنهم من قال إنها استفهام وقد حذفت همزة الإستفهام (ألا اقتحم العقبة) وكأن هذا الإستفهام للتوبيخ على ما حصل وللحضّ على اقتحام العقبة. وفي القرآن الكريم مواضع كثيرة حذفت منها همزة الإستفهام (مثل قوله تعالى مرة في سورة الشعراء: أئن لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين) وفي آية أخرى (إن لنا لأجراً). وحذف حرف الإستفهام خاصة الهمزة كثير في الشعر والنثر عند العرب .
وخلاصة القول أن (لا) في قوله تعالى (فلا اقتحم العقبة) قد جمعت كل هذه المعاني التي ذكرنا وفيها احتمالات النفي والدعاء والإستقبال والإستفهام وهذ ما يُسمّى في اللغة باب التوسّع في المعنى فكل المعاني مُرادة سواء كان للصنف أم للشخص الذي أهلك مالاً لُبدا لم يقتحم العقبة ولا يقتحمها في المستقبل ودعاء عليه بأن لا يقتحمها إلا إذا أصلح حاله وتوبيخ على أنه لا يقتحمها فقد جمعت كل هذه المعاني معاً ولو جاء بأي حرف آخر مثل (ما أو لم) لما أمكن جمع كل هذه المعاني وأي حرف آخر كان أُوّل إلى معنى النفي فقط ولكن (لا) جاءت بأربع أو خمس معاني كلها مقصودة.
برنامج لمسات بيانية
ما الحكمة من استخدام صيغة الفعل الماضي في قوله (وما أدراك) وقد استخدم فى القرآن صيغة الفعل المضارع كما في قوله تعالى (وما يديرك لعلّه يزّكى) وقوله (وما يدريك لعلّ الساعة)؟ في القرآن كلّه أسلوب محدد إذا استعمل (يدريك) بصيغة المضارع لا يفصّل بعدها ولا يجيب على السؤال ويبقيه مبهماً (وما يدريك لعلّه يزّكى) لم يأتي بعدها تفصيل أو إجابة وإنما بقي مبهماً، وإذا استعمل (أدراك) بصيغة الماضي يتبعها بالتفصيل كما في قوله تعالى (والسماء والطارق * وما أدراك ما الطارق* النجم الثاقب) وقوله (وما أدراك ما العقبة* فك رقبة* أو إطعام في يوم ذي مسغبة) نلاحظ التفصيل بالجواب بعد أدراك. والقرآن الكريم له خصوصيات في الإستعمال والتعبير يختصّ بها عن قواعد اللغة العربية تماماً كما اختصّ كلمة العيون (لعيون الماء) والأعين (لأداة الإبصار) في القرآن كله وكذلك الصوم (الإمتناع عن الكلام) والصيام (الإمتناع عن الطعام والشراب).
برنامج اسرار بيانية
ما معنى فك رقبة؟ قال الله تعالى فيما سبق من الآيات (فلا اقتحم العقبة* وما أدراك ما العقبة) ثم بدأ يوضّح كيف تُقتحم العقبة فبدأ بقوله تعالى (فك رقبة) وهو تخليصها من الرِّق وغيره وليس المقصود بها تحرير الرقبة فقط (وقد ورد ذكرها في الكفارات بلفظ تحرير) وفي عصرنا الحالي ليس هناك رقيق ولا عتق رقاب بمعنى تحريرها من الرِّق. إذن فك رقبة تعني تخليصها من الرِّق كالغارم والمطلوب لأمر ما بمعنى التخليص من هذا الأمر، والفك لغة هو حلّ القيد والعتق يُسمى فك أيضاً. أما التحرير فهو خاص بالعتق أما الفكّ فهو أشمل لأي قيد وهذا مرتبط بقوله تعالى (لقد خلقنا الإنسان في كبد) وكل هؤلاء المقيدين هم في كبد.
وفكّ الرقبة هي عقبة من عقبات المجتمع قديماً وحديثاً ومسقبلاً ويدخل فيها مثلاً رقبة الشعوب المستضعفة ونصرتهم وإغاثتهم وهذا يدخل في الرقبة وفي القيد، وهي دائمة مستمرة ما دامت البشرية فلا يمكن أن تأتي آية في القرآن ولا يكون لها تطبيق لكل زمان ومكان. حتى في المجتمع الواحد (الفرد للفرد والسلطة للشعب) يستذلّ الفرد غيره بشيء ما أو الحاكم يذل شعبه أو نحوه وهذه من العلاقات الكبيرة في المجتمعات ولذا بدأ بها وهي لا تختص بالعتق ولكنها تدخل فيها والفك مستمر لا ينقطع.
برنامج لمسات بيانية
لماذا استخدام كلمة (مسغبة) بدل سغب مثلاً أو جوع أو مخمصة؟
أولاً هناك مسألتين لاستعمال كلمة مسغبة بدل السغب أو الجوع أولها: أن المسغبة تعني الجوع العام والجماعي وليس للفرد والسغب هو الجوع الفردي. وثانياً أن المسغبة هي الجوع العام مع التعب والإرهاق ولهذا خصص باستعمال (مسغبة) أما الجوع فلا يرافقه بالضرورة التعب والإرهاق، أما المخمصة فهي الجوع الذي يرافقه ضمور البطن. وهذه عقبة من عقبات المجتمع إنه في يوم مجاعة مع التعب والإرهاق وهو اليوم الذي فيه الطعام عزيز وغير مبذول وهو دلالة على شدة الضيق والكرب كما قال بعض المفسرين، وهناك فرق بين الإنفاق في وقت الطعام فيه متوفر ويوم ذي مسغبة وهو ليس كأي يوم من الأيام. وهنا خصص القرآن في وصف العقبة واليوم واليتيم والمسكين فيما بعد.
برنامج لمسات بيانية
قال تعالى في سورة هود: ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَمۡرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلۡنَا ٱحۡمِلۡ فِيهَا مِن كُلّٖ زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِ وَأَهۡلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيۡهِ ٱلۡقَوۡلُ وَمَنۡ ءَامَنَۚ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيل﴾ (40)
السؤال الأول: ما المقصود بـ(أهلك) أهم الأهل أم هو فعل ماضٍ من الإهلاك؟
الجواب: إن المقصود بـ (أهلك) هم الأهل وليس فعلًا ماضيًاـ ويدل على ذلك أمور منها:
1- إن الإهلاك لم يحصل بعد، وأن المؤمنين لم يركبوا بعد في السفينة، فإنه قال بعد هذه الآية: ﴿وَقَالَ ٱرۡكَبُواْ فِيهَا بِسۡمِ ٱللَّهِ مَجۡرٜىٰهَا وَمُرۡسَىٰهَآۚ﴾ (41).
2- لو كان (أهلك) فعلًا ماضيًا لكان الاستثناء مفرغًا، أي إن المستثنى منه غير مذكور، والاستثناء المفرغ إنما يكون في النفي وشبهه ولا يقع في الإثبات إلا نادرًا، والفعل في الآية مثبت فلا يترجح أنه فعل.
3- ومما يدل على أن المقصود بـ(أهلك) هم الأهل قوله تعالى في سورة (المؤمنون): ﴿وَأَهۡلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيۡهِ ٱلۡقَوۡلُ مِنۡهُمۡۖ﴾ فإن الضمير في (منهم) يعود على الأهل.
4- لو كان المقصود بـ (أهلك) الفعل لكان الناجون جماعتين:
أ- من سبق عليه القول.
ب- ومن آمن.
وهذا يقتضي أن من سبق عليه القول ليسوا ممن آمن، ومع ذلك فقد نجا، وهذا لا يصح.
5- المجيء بـ (على) مع الفعل (سبق) يدل على أن المقصود بمن سبق عليه القول إنه معذب كقوله تعالى: ﴿حَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَوۡلُ﴾ و: ﴿حَقَّ ٱلۡقَوۡلُ عَلَىٰٓ أَكۡثَرِهِمۡ﴾ ونحو ذلك.
بخلاف استعماله مع اللام فإنه بشرى بالحسنى كقوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتۡ لَهُم مِّنَّا ٱلۡحُسۡنَىٰٓ أُوْلَٰٓئِكَ عَنۡهَا مُبۡعَدُونَ﴾ (الأنبياء: 101)، وقوله: ﴿وَلَقَدۡ سَبَقَتۡ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلۡمُرۡسَلِينَ١٧١ إِنَّهُمۡ لَهُمُ ٱلۡمَنصُورُونَ﴾ (الصافات: 171، 172)..
السؤال الثاني: قال في هذه الآية – آية هود -: ﴿وَأَهۡلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيۡهِ ٱلۡقَوۡلُ وَمَنۡ ءَامَنَۚ﴾، وقال في آية (المؤمنون): ﴿وَأَهۡلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيۡهِ ٱلۡقَوۡلُ مِنۡهُمۡۖ﴾ فذكر في آية (المؤمنون) (منهم) ولم يذكر ذلك في آية هود فما سبب ذلك؟
الجواب: إن القصة في سورة هود مبنية على العموم في أكثر من جانب من جوانبها، أما القصة في سورة المؤمنون فمبنية على الخصوص، ومما يوضح ذلك:
1- قوله في هود: ﴿وَأَهۡلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيۡهِ ٱلۡقَوۡلُ﴾، وقوله في المؤمنون: ﴿وَأَهۡلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيۡهِ ٱلۡقَوۡلُ مِنۡهُمۡۖ﴾ وما في هود أعم مما في المؤمنون فإنه لم يقل: (منهم).
2- أنه قال في هود: ﴿وَمَنۡ ءَامَنَۚ﴾ فزاد على الأهل: ﴿مَنۡ ءَامَنَۚ﴾ ولم يذكر ذلك في المؤمنون.
ولا شك أن ما في هود أعم فإنه زاد على الأهل من آمن.
3- أنه قال في هود: ﴿لَا عَاصِمَ ٱلۡيَوۡمَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَۚ﴾، وهذا يفيد العموم فإنه استغرق نفي العاصم إلا من رحم الله وذلك أنه نفي بـ(لا) النافية للجنس، ولم يقل مثل ذلك في المؤمنون.
4- قال في هود: ﴿قِيلَ يَٰنُوحُ ٱهۡبِطۡ بِسَلَٰمٖ مِّنَّا وَبَرَكَٰتٍ عَلَيۡكَ وَعَلَىٰٓ أُمَمٖ مِّمَّن مَّعَكَۚ﴾. وقال في المؤمنون: ﴿وَقُل رَّبِّ أَنزِلۡنِي مُنزَلٗا مُّبَارَكٗا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡمُنزِلِين﴾.
فإنه في هود زاد السلام على البركات، ولم يذكر ذلك في المؤمنون، وقال في هود: ﴿وَبَرَكَٰتٍ﴾ وهو جمع بركة، في حين قال في المؤمنون: ﴿مُنزَلٗا مُّبَارَكٗا﴾ بالإفراد.
وقال في هود: ﴿عَلَيۡكَ وَعَلَىٰٓ أُمَمٖ مِّمَّن مَّعَكَۚ﴾، ولم يقل مثل ذلك في
المؤمنون، وإنما دعا لنفسه: ﴿أَنزِلۡنِي﴾..
برنامج لمسات بيانية
*ما الفرق من الناحية البيانية بين قوله تعالى (وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب) في سورة هود آية 62 وقوله تعالى (وإن لفي شك مما تدعوننا إليه) في سورة ابراهيم آية 9؟(د.فاضل السامرائى)
في آية سورة هود الكلام في قصة صالح فجاء بلفظ (تدعونا) أما في سورة ابراهيم فالكلام عم مجموعة من الرسل لذا جاء قوله (تدعوننا).
الذي يبدو أنه عندما يأتي (إننّا) هو آكد ، إنا تأتي للتوكيد سواء كانت النون مشددة أو مخففة .
نون التوكيد قد تأتي في أول الأسماء (إننا) وفي آخر الأقعال للتوكيد (ولتكوناً) (ليذهبنّ) .
وعندما نقول (إننا) تحتمل معنيين: في مقام التفصيل (إننا) وفي مقام التوكيد (إننا) فلو قرأنا القصتين في السورتين لوجدنا أن قصة صالح فصّل تعالى فيها كثيراً فاقتضى النفصيل استخدام (إننا) وكذلك التكذيب في قوم صالح كان أشدّ فجاء التوكيد بلفظ (إننا) إذن القصة في قصة صالح أطول والتكذيب أشدّ في سورة هود بينما الكلام في سورة ابراهيم موجز فاقتضى التوكيد في سورة هود بـ (إننا) ولم يقتضي التوكيد في سورة ابراهيم (إنا).
برنامج لمسات بيانية
*لماذا لم يذكر المفعولين لفعل أعطى؟
اذا تدارسنا سورتي الليل والشمس لوجدنا ان القسم في سورة الليل وجواب القسم مطلق (والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى وما خلق الذكر والانثى) كلها مطلقة فلم يقل ماذا يغشى الليل ولم يحدد الذكر والانثى من البشر وكذلك جواب القسم في سورة الليل (ان سعيكم لشتى) مطلق ايضاً وكذلك (فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى) اطلق العطاء والاتقاء والحسنى.
أما في سورة الشمس (والشمس وضحاها والقمر اذا تلاها والنهار اذا جلاها والليل اذا يغشاها والسماء وما بناها والارض وما طحاها ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد افلح من زكاها وقد خاب من دساها كذبت ثمود بطغواها..) في هذه الآيات تحديد واضح فقد قال تعالى يغشاها وجلاها وكذلك حدد في (ونفس وما سواها) خصص بنفوس المكلفين من بني البشر وكذلك في (كذبت ثمود بطغواها) محددة ومخصصة لقوم ثمود.
فكأنما سورة الليل مبنية كلها على العموم والاطلاق في كل آياتها. وقد أقسم الله تعالى بثلاثة أشياء (الليل والنهار وخلق الذكر والانثى) وذكر ثلاث صفات في المعطي (أما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى) وثلاث صفات فيمن بخل (وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى)
في الآية (فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى) لم يذكر المفعولين المعطى والعطية والمراد بهذا اطلاق العطاء فلم يذكر المعطى او العطية لأنه أراد المعطي والمقصود اطلاق العطاء سواء يعطي العطاء من ماله او نفسه فقد يعطي الطاعة والمال ونفسه كما نقول يعطي ويمنع لا نخصصه بنوع من العطاء ولا بصنف من العطاء. وقد يرد في القرآن الكريم مواضع فيها ذكر مفعول واحد المراد تحديده وحذف مفعول يراد اطلاقه كقوله تعالى (ولسوف يعطيك ربك فترضى) و (إنا اعطيناك الكوثر) أما في سورة الليل فحذف المفعولين دليل على العموم والاطلاق.
*لماذا الترتيب على النحو التالي: (فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى)؟
هناك أكثر من سبب لذلك فقد قال قسم من المفسرين ان التقديم في سبب النزول لأن هذه الآيات نزلت في شخص فعل هذه الافعال بهذا التسلسل وقالت جماعة أنها نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأخرى قالت انها نزلت في علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.
وترتيب العطاء ثم الاتقاء لأنه سبحانه بدأ بالأخص ثم ما هو أعم ثم ما هو أعم. كل معط في سبيل الله متقي ولكن ليس كل متق معطي فالمعطي إذن أخص من المتقي. وكل متق مصدق بالحسنى لكن ليس كل مصدق بالحسنى متق لذا فالمتقي أخص من المصدق بالحسنى وعلى هذا كان الترقي من الأخص إلى الأعم.
إن سعيكم لشتى والسعي هو العمل وأقرب شيء للسعي هو العطاء. أما الإتقاء ففيه جانب سعي وجانب ترك كترك المحرمات وعلى هذا نلاحظ أن الآيات رتبت بحيث قربها من السعي أي بتسلسل العطاء ثم الاتقاء ثم التصديق وهو الاقل والابعد عن السعي.
(وما خلق الذكر والأنثى إن سعيكم لشتى )
المجتمع يتكون من الذكر والانثى وأهم شيء يقدمه الانسان للمجتمع هو العطاء فهو اذن الدعامة الاولى لبناء المجتمع فعلى الانسان ان يكون معطياً لآ آخذاً وهذا يعني التآزر والتكافل ثم يلي ذلك الإتقاء وهو أن يحذر من الإساءة إلى الآخرين كما يحذر أن يضع نفسه في موضع الإساءة (أي يقي نفسه ويحفظ مجتمعه الذي هو فيه) لذا يأتي الإتقاء بعد العطاء. أما التصديق بالحسنى فهي من صفات المجتمع المؤمن وهي من الصفات الفردية فالمصدق بالحسنى لا يفرط في حقوق الآخرين . وعلى هذا الأساس قدم الله تعالى ما هو أنسب للمجتمع عامة: العطاء ثم الإتقاء ثم التصديق بالحسنى.
فعل أعطى هو فعل متعدي ولازم فهل نقول على هذا الفعل أن السلوك الخاص به في الجملة سلوك لازم أي فعل متعدي أم حذف مفعول؟
قسم يقول أنه هذا حذف وقسم يقول عدم ذكر. حذف عندما يقتضي التعبير الذكر، مثل جملة الصفة لا بد ان يكون فيها ضمير يعود على الموصوف (يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والابصار) ويمكن أن نحذف كما في قوله تعالى: (واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا) هذا حذف. العائد للذكر فإذا حذف نقول محذوف كقوله: (ذرني ومن خلقت وحيدا) حذف الهاء في (خلقته). فيما عدى الذكر تنزيل المتعدي منزلة اللازم: لا يحتاج الى مفعول (ان في ذلك لآيات لقوم يعلمون) او لقوم يفقهون، يسمعون، لا يحتاج هنا الى مفعول ولا يريد ان يقيد العلم بشيء. وفي قوله: (لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك من الله شيئاً) أراد أصل المسألة فلم يرد أن يقيد السمع أو البصر بشيء معين أما في (ولا يغني عنك من الله شيئاً) فيها ذكر واطلاق، وهل المعنى لا يغني عنك إغناءً او شيئاً من الأشياء؟ كل واحدة لها معنى وليست الاولى كالثانية.
كذلك الفعل (اتقى). معنى اتقى هو احترز وحذر. والفعل اتقى هنا يراد به الاطلاق أيضاً ولم يقيده سبحانه بشيء فقد يقول (اتقوا النار او اتقوا يوماً) ولكن هنا جاء الفعل مطلقاً. فأما من أعطى واتقى تدل على أنه اتقى البخل.
الحسنى: اسم تفضيل وهو بمعنى تأنيث الأحسن كما نقول (العليا – الاعلى، الدنيا – الادنى) والحسنى هو وصف مطلق لم يذكر له موصوف معين. وصدق بالحسنى معناها أنه صدق بكل ما ينبغي التصديق به قسم يقول انها الجنة وقسم يقول الحياة الحسنى وآخر الكلمة الحسنى (لا إله إلا الله) او العاقبة الحسنى في الآخرة وقسم يقول إنها العقيدة الحسنى ولكنها في الحقيقية تشمل كل هذه المعاني عامة، فكما حذف مفعولي أعطى واتقى للإطلاق أطلق الحسنى بكل معانيها بحذف المفعول وحذف الموصوف. ولو أراد سبحانه أن يعين الموصوف لذكره وحدد الفعل كما في قوله (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) ولكنه أطلق لتتناسب مع باقي الآيات في السورة، فإذا اراد أن يطلق حذف.
برنامج لمسات بيانية
*(فأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى* فسنيسره للعسرى)
تقابل هذه الصفات ما قبلها في الآية التي سبقت. وقد أورد الله تعالى امرين: الشيء ونقيضه فقال سبحانه: فأما من أعطى مقابلها فأما من بخل، واتقى مقابلها واستغنى، وكذب بالحسنى مقابل وصدق بالحسنى. والسورة كلها قائمة على التقابل: الليل والنهار، يغشى و تجلى، الذكر والانثى.. استغنى مقابل اتقى لأن المستغني لا يحذر شيئاً ولا يحترس والاستغناء مدعاة للطغيان كما في قةله تعالى: (إن الانسان ليطغى، أن رآه استغنى) والذي يطغى لا يحذر لأنه لو كان يحذر لما طغى أصلاً والمتقي يحذر ويحترس أما الطاغية فلا يحذر والطغيان مدعاة ااتعسير على الآخرين. كذب بالحسنى جاءت مقابل صدق بالحسنى، وكذلك جاءت (فسنيسره للعسرى) مقابل (فسنيسره لليسرى) ولم يقل نعسره للعسرى لأنها تفيد الثناء على عكس المقصود بالآية أنه يعسر الامور على غيره وعلى نفسه وفي الآخرة يعسر عليه دخول الجنة.
وفي العسرى كما في اليسرى لم يذكر سبحانه وتعالى موصوفاً فتركها مطلقة وأعسر العسرى هي النار أعاذنا الله منها جميعا. والسورة بكاملها تفيد الاطلاق (يغشى ولم يحدد ماذا يغشى، تجلى ولم يحدد ماذا تجلى، الذكر والانثى ولم يحدد اهما للبشر فقط او لسائر المخلوقات، سعيكم لشتى ولم يحدد من عمل صالحاً مثلاً انما السعي على اطلاقه) فخط السورة اذن هو خط الاطلاق والعموم من أولها إلى آخرها. كما أنه لم يحدد الحسنى كذلك لم يحدد اليسرى ولم يحدد العسرى وحتى (من أعطى واتقى) لم يحدد العطاء والاتقاء.