عرض وقفات أسرار بلاغية

  • ﴿إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ ﴿٢﴾    [الممتحنة   آية:٢]
قوله تعالى: ﴿ إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾[الممتحنة: 2] . جعل الله كونهم أعداء للمسلمين, وبسطهم أيديهم وألسنتهم بالسوء, أمراً محتملاً غير مؤكد, بإيقاعه في حيز جزاء الشرط: (إن), و(إن) – كما سبق – حرف شرط يدل على احتمال وقوع جوابه, لا على القطع به, ولكنه عبر عن رغبته في كفر المسلمين ورجوعهم عن دين الإسلام بقوله: ﴿ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ ﴾, فعطف الفعل: ﴿وَدُّوا﴾- وهو ماض – على الفعل المضارع: ﴿ يَكُونُوا ﴾, والسر في ذلك – والله أعلم – أن رغبة الكفار في كفر المسلمين لما كانت قطعية غير محتملة للشك, متأصلة فيهم, لا يحول بين قلوبهم وبين مودتهم ذلك حائل, عبر عن ذلك بالماضي الذي يؤتى به للتعبير عما قد تحقق, أو عن متحقق الوقوع, كما قال الله تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾ [الكهف: 48], وقال: ﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴾ [الكهف: 49], وقال:﴿ وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾[الكهف: 53], وهي أشياء لم تحصل بعد, ولكن عبر بالفعل الماضي عنها لتحقق وقوعها. أما كونهم أعداء للمسلمين, وباسطي الأيدي والألسن بالسوء لهم فأمر مشكوك فيه؛ لاحتمال أن يعرض لهم ما يصدهم عنه من قوة في المسلمين أو ضعف في الكفار, فلما لم يكن متحقق الوقوع عبر عنه بالمضارع.
  • ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿٧﴾    [الممتحنة   آية:٧]
قوله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾[الممتحنة: 7] . بعد أن نهى الله عباده المؤمنين عن محبة الكافرين – ولو كانوا من أقاربهم – فتح باب الرجاء لهم في إسلام أقاربهم وأعدائهم, ولذلك ختم الآيه بقوله: ﴿وَاللَّهُ قَدِيرٌ ﴾, أي: على جعلهم يسلمون, وقوله:﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾, أي: للداخلين منهم في الإسلام, ويغفر لهم ذنوبهم التي اقترفوها بكفرهم. والله أعلم. وأخيراً تأملوا قوله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً ﴾, هذه كناية في غاية الروعة عن قرب دخول هؤلاء الكفار في الإسلام الذي يمحو كل العداوات السالفة, والكره الشديد من قلوب المسلمين لأعدائهم عند دخولهم في الإسلام؛ لأنه كان نهى عن موادتهم وعن اتخاذهم أولياء حين كانوا على الكفر, ولا سبيل إلى إعادة المودة بينهم إلا بهدايتم للإسلام؛ ليصيروا إخواناً لهم في الدين, يربط بينهم رباطه الوثيق محبة ومودة لا تنفصم عراها، ولا ينقطع مداها. والله أعلم.
  • ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿١٠﴾    [الممتحنة   آية:١٠]
قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآَتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌحَكِيمٌ﴾[الممتحنة:10]. حيث كرر التحريم بين الكافر والمؤمنة, فقال أولاً: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ ﴾, ثم أردف به قوله: ﴿وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ﴾, مع أن الظاهر يدل على أن الأولى مغنية عن الأخرى, فإذا كانت المرأة المؤمنة المهاجرة محرمة على زوجها, فهو محرم عليها , فما الداعي إلى التكرار؟ إن للتكرار هنا فائدتين – كما قال الزركشي – رحمه الله- : " إحداهما: أن التحريم قد يكون في الطرفين, ولكن يكون المانع من أحداهما, كما لو ارتدت الزوجة قبل الدخول بها, يحرم النكاح من الطرفين, والمانع من جهتهما, فذكر الله سبحانه الثانية؛ ليدل على أن التحريم كما هو ثابت في الطرفين كذلك المانع منهما. والثانية: أن الأولى دلت على ثبوت التحريم في الماضي, ولهذا أتى فيها بالاسم الدال على الثبوت, والثانية في المستقبل, ولهذا أتى فيها بالفعل المستقبل ". انتهى كلام الزركشي رحمه الله. وههنا نظرة أخرى في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ ﴾, فعبر بـ﴿إِذَا ﴾, ولم يعبر بـ(إن) ؛ لأن (إن) تستعمل في الأشياء المحتملة غير المؤكدة, ومجيء المؤمنات مهاجرات من الأشياء المحققة, فقد هاجرت سبيعة بنت الحارث الأسلمية رضي الله عنها, وتركت زوجها في مكة, ولأجل ذلك عبر بـ﴿إِذَا ﴾ التي تدل على تحقق وقوع ما بعدها. أما استعمال (إن) بعد ذلك في قوله: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ﴾ فلأن العلم اليقيني بصدق الإيمان لايمكن أن يتحقق من لقاء قصير يعقد عاجلاً لمحاولة معرفة ما لدى المرأة المهاجرة من أسباب لهجرتها, وهذا من رحمة الله تعالى بالمؤمنات وبالمؤمنين؛ لأنه لو قال: (فإذا علمتوهن مؤمنات) لوجب على الممتحنين التثبت واالتيقن من صدق إيمان المرأة , وهذا ما لا سبيل إليه, وفيه مشقة على المهاجرة حيث تحتاج إلى وقت طويل, وهي معلقة, حتى يظهر صدق إيمانها, لكن هذه الآية دلت على أن عماد الحكم يكون على الظواهر, والله أعلم بالبواطن. وأخيراً أقول : إن قوله تعالى: ﴿جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ ﴾ استشهد به أبو علي الفارسي على جواز تذكير الفعل وتأنيثه إذا كان الفاعل مما جمع بألف وتاء, حيث قال: ﴿جَاءَكُمُ ﴾, ولم يقل: (جاءتكم), ولكن رد عليه بأنه يجوز الوجهان هنا؛ لوجود فاصل بين الفعل: (جاء) والفاعل: (المؤمنات), وهو المفعول به, وهو الضمير (كم). والله أعلم.
  • ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴿٨﴾    [الصف   آية:٨]
قوله تعالى:﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾[الصف:8]. عدى الفعل ﴿يُرِيدُونَ ﴾ باللام, فقال: ﴿لِيُطْفِئُوا ﴾ مع أنه يتعدى بنفسه؛ لأن الفعل قد ضمن معنى فعل آخر, هو (يسعون), فصار معنى الآية: يريدون, ويسعون لإطفاء نور الله بأفواههم, وهذا يدل على أن مع إرادتهم سعياً وعملاً, وهذا أبلغ في جرمهم.
  • ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿١٢﴾    [الصف   آية:١٢]
  • ﴿إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴿٢٧١﴾    [البقرة   آية:٢٧١]
قوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾[الصف: 12]. لو أن سائلا سأل، فقال: لم حذفت (منْ) في هذه الآية: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ﴾، ولم تكن كآية سورة (الأحقاف):﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾[الأحقاف: 31] لقلت: قد بينت أن آية (الأحقاف) تخص الكافرين، وقد دلت على الإنقاذ من الكفر وذنوبه؛ لأن الإسلام يجُب كل ما قبله، فهي خروج كامل من الذنوب. أما آية الصف فهي إخبار عن المؤمنين الذين قد سبق لهم الإنقاذ من ذنوب الكفر بإيمانهم، ثم وعدوا على الجهاد بغفران ما اكتسبوا في الإسلام من الذنوب، وهي غير محيط بهم كإحاطة الكفر المهلك بالكافر، فلم يتضمن الغران معنى الاستنقاذ؛ إذ ليس ثم إحاطة من الذنب بالمذنب، وإنما تضمن معنى الإذهاب والإبطال للذنوب؛ لأن الحسنات يذهبن السيئات، كذا قال السهيلي –رحمه الله – في كتابه (نتائج الفكر). أما قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾[البقرة: 271]. فإن﴿مِنْ ﴾ فيها للتبعيض؛ لأن الصدقة لا تذهب جميع الذنوب، بل بعضها.
  • ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴿١١﴾    [الجمعة   آية:١١]
قوله تعالى:﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِين﴾[الجمعة: 11]. جاء التعبير بـ﴿ إِذَا ﴾ الشرطية الدالة على تحقق الوقوع؛ لأن الشرط وجزاءه قد وقعا قبل نزول الآية, حيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلميخطب بأصحابه خطبتي الجمعة بعد صلاتها, إذ جاءت تجارة من الشام, فأنصرف كثير من الصحابة – رضوان الله عليهم- نحوها, وتركوا الرسول صلى الله عليه وسلم مع قليل من أصحابه. فنزلت الآية, فهي إخبار عما سبق. وههنا وقفة يسيرة مع قوله: ﴿انْفَضُّوا إِلَيْهَا ﴾, فالأصل في الضمير أن يعود على أقرب مذكور, وهنا الضمير الذي جر بـ(إلى) كان الأصل فيه أن يعود على اللهو, فيقال(انفضوا إليه)؛ لأنه الأقرب, ولكنه عاد مؤنثاً إلى التجارة, وإن كانت أبعد, فقال: ﴿انْفَضُّوا إِلَيْهَا ﴾. وللعلماء في تعليل ذلك أقوال, منها: أن التجارة أجذب للقلوب, وأشغل لها عن طاعة الله من اللهو, وأن المشتغلين بالتجارة أكثر عدداً من المشتغلين باللهو, أو لأنها أكثر نفعاً من اللهو, فهي أصل, وهو تبع لها, وكذلك إذا وقع النهي عن الانشغال بالتجارة – وهي مباحة- عن ذكر الله فالتحذير من الانشغال باللهو – وهو غير مباح – يكون من باب (الأولى), وليس العكس كذلك, ثم إن التجارة كانت سبباً في انفضاض الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهو يخطب يوم الجمعة, وبسببهم نزلت الآية, فناسب تقديم ما كان سبباً على ما جاء تبعاً, وهو ضرب الطبول, أو اللهو. والذي أراه أن الضمير يمكن أن يرجع إلى التجارة واللهو معاً, لكن لم يعد مذكراً لتدخل التجارة أيضاً, ولو عاد مذكراً لاقتصر على اللهو, ولم يغلب المذكر على المؤنث – كما هي عادة العرب-؛ لأن اللهو غير عاقل. والله أعلم. وتحسن الإشارة هنا إلى أن لتكرار حرف الجر﴿مِنَ ﴾ في قوله: ﴿مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ ﴾فائدة, هي قطع إمكان الظن بأن ما عند الله خير من التجارة واللهو مجتمعين فقط, فبتكرار حرف الجر دلت الآية على أن ما عند الله من الرزق والثواب خير من اللهو, وخير من التجارة, منفردين, أو مجتمعين. والله أعلم.
  • ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴿٤﴾    [المنافقون   آية:٤]
  • ﴿وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿٨٠﴾    [البقرة   آية:٨٠]
  • ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُنزَلِينَ ﴿١٢٤﴾    [آل عمران   آية:١٢٤]
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾[المنافقون: 4]. إن الآية جاءت في بيان بعض صفات المنافقين, وهي أنهم لا يفقهون, وأنهم لا يعقلون, مع أن أجسامهم حسنة معجبة, ولذلك شبههم بالخشب المسندة, فشبه هيئة جلوسهم في مجالس رسول الله صلى الله عليه وسلممستندين على الجدار, يتحدثون, ويبدون الاستماع لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم, شبه هذه الهيئة بالخشب, لأنها ذات أجسام بينة في الصورة, ولكنها خالية من العقل, بعيدة عن الفهم, ولتقارب شكلها مع شكل الإنسان شببهم الله تعالى بها, ولم يشبههم بالحجارة؛ لفارق الشبه, وتأملوا وصف الخشب بقوله: ﴿مُسَنَّدَةٌ ﴾؛ لأن الخشب يمكن أن تفيد إذا سقف بها المكان, لكنها إذا سندت لم يستفد منها في تلك الحالة, والمنافقون مثل الخشب غير المفيدة, فشبههم بخشب نخرة متآكلة, إلا أنها مسندة, يحسب من رآها أنها صحيحة. ثم إن تشبيهم بها في تلك الحالة إشارة إلى هيئة مقامهم في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مستندين إلى الجدار دون جلوس؛ لعدم حرصهم على الاطمئنان عند المصطفى عليه الصلاة والسلام. أما وصف الخشب مع أنها جمع بقوله: ﴿مُسَنَّدَةٌ ﴾, وهي مفردة, حقها أن يوصف بها المفرد, فيقال: خشبة مسندة, فالسبب في ذلك أن الجمع إذا كان دالاً على الكثرة وصف بالمفرد, كما هو الحال في هذه الآية, فالخشب على زنة (فُعُل), وهو من أوزان جمع الكثرة, ووصفها بالمفرد يدل على الكثرة كذلك, أما الوصف بما جمع بألف وتاء فيدل على القلة, فلو قيل: خشب مسندات, لحصل تناقض, فـ ﴿خُشُبٌ ﴾ تدل على الكثرة, و(مسندات) تدل على القلة, قال الحريري في (درة الغواص في أوهام الخواص): "وكذلك اختاروا – أي العرب- أيضاً أن ألحقوا بصفة الجمع الكثير الهاء,فقالوا: أعطيته دراهم كثيرة, وأقمت أياماَ معدودة, وألحقوا بصفة الجمع القليل الألف والتاء, فقالوا: أقمت أياماً معدودات, وكسوته أثواباً رفيعات". ولذلك قال بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾[البقرة: 80], وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾[آل عمران: 24]: " إن قائلي ذلك اليهود فرقتان : إحداهما قالت:إنما نعذب بالنار سبعة أيام، وهي عدد أيام الدنيا، وقالت فرقة : إنما نعذب أربعين يوما، وهي أيام عبادتهم العجل، فآية (البقرة) تحتمل قصد الفرقة الثانية، وآية (آل عمران ) تحتمل قصد الفرقة الأولى", وقال الحريري: "كأنهم قالوا أولاً بطول المدة, ثم إنهم رجعوا عنه, فقصروا المدة". وفي آية سورة (المنافقون) مدار النظرة تأمل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ ﴾ إذ أتى بـ﴿ إِذَا ﴾ التي تدل على تأكيد حصول الرؤية, وأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يراهم دائما, ولم يأت بـ(إن)التي تدل على الاحتمال والشك, لكنه عن قولهم أتى بـ﴿إِنْ﴾بعد ذلك, فقال: ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ﴾ الدالة على قلة كلامهم, أو على عدم اهتمام الرسول صلى الله عليه وسلم بقولهم, والأول أرجح. والله أعلم.
  • ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوَهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿١٤﴾    [التغابن   آية:١٤]
  • ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ ﴿٧٥﴾    [الشعراء   آية:٧٥]
  • ﴿أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ ﴿٧٦﴾    [الشعراء   آية:٧٦]
  • ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴿٧٧﴾    [الشعراء   آية:٧٧]
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾[التغابن: 14]. حيث قدم الأزواج على الأولاد؛ لأنه قد حكم عليهم بعداوتهم لهم, ووقوع ذلك من الأزواج أكثر منه في الأولاد, ولذلك قدمهم. والله أعلم. وقوله: ﴿عَدُوًّا ﴾ بمعنى (أعداء)؛ لأن ﴿عَدُوًّا ﴾على وزن (فعول) الذي يستوي فيه المفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث, قال تعالى: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴿75﴾ أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ ﴿76﴾ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴿77﴾ ﴾[الشعراء: 77:75 ], ولذلك قال بعده: ﴿فَاحْذَرُوهُمْ ﴾, فأعاد عليه ضمير الجمع. ثم تأملوا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾, فترتيب العفو والصفح والغفران جاء في غاية الإبداع والروعة, فبدأ بالعفو, وهو ترك العقوبة, ثم ثنى بالصفح, وهو ترك التثريب واللوم والتعبير بالذنب, وختم بالغفران, وهو إخفاء الذنب وستره. فتبارك من تكلم بهذا البيان حقاً, وبلغه رسوله صلى الله عليه وسلم وحياً.
  • ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴿١٥﴾    [التغابن   آية:١٥]
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾[التغابن: 15]. قدم الأموال في هذه الآية؛ لأن الأموال لا تكاد تفارقها الفتنة, أما الأولاد فليست في استلزام الفتنة مثل الأموال, ولذلك أخر ذكرهم. والله أعلم.
  • ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ ﴿١٩﴾    [الملك   آية:١٩]
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ ﴾[الملك: 19]. في هذه الآية الكريمة قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ ﴾, و(رأى): الأصل في معناهاإذا كانت بصرية الرؤية دون قصد مسبق, أما (نظر) فالأصل في معناها: الرؤية المقصودة, فتقول: نظرت إلى القمر, ورأيته, فالأول جاء بعد قصد النظر إليه, والثاني جاء دون قصد. قال الراغب الأصفهاني في (المفردات): " إذا عدى (رأيت) بـ ﴿إِلَى ﴾ اقتضى معنى النظر المؤدي إلى الاعتبار", فضمنت ﴿لَمْ يَرَوْا﴾ معنى (لم ينظروا), والدليل تعدي الفعل بـ ﴿إِلَى ﴾؛ لأن المقصود – والله أعلم- رؤية الطير حالة كون الرائين قاصدين أو غير قاصدين, وكأنه يقول: انظروا إليها معتبرين. وفي هذه الآية تنبيهات أود الإشارة إليها بإيجاز: التنبيه الأول:قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ هذا القول مكون من: همزة الاستفهام, وواو العطف, والفعل المجزوم بـ ﴿لَمْ ﴾, والمعطوف عليه مقدر, والتقدير: أغفلوا؟ , ولم يروا؟ , وحذف المعطوف عليه يكثر في مثل هذا الأسلوب. التنبيه الثاني:فائدة قوله: ﴿فَوْقَهُمْ ﴾ طلب النظر والاعتبار فيها في حالة طيرانها؛ لأنها إذا لم تكن في حال الطيران فلا بسط فيها, ولا قبض, وأمكن اصطيادها بسهولة, أما إضافة كلمة (فوق) إلى الضمير (هم), حيث قال: ﴿فَوْقَهُمْ ﴾؛ ليدل على قربها منهم, وأنه لا يطلب منهم الاعتبار بشئ بعيد عنهم, وعسير عليهم بلوغه. التنبيه الثالث:التعبير عن بسط الأجنحة بالاسم: ﴿صَافَّاتٍ ﴾, وعطف القبض عليه بالفعل﴿يَقْبِضْنَ﴾؛ لأن الطيران أكثره بسط للأجنحة, وقبضها قليل, لا يلجأ إليه الطائر إلا عندما يهم بالهبوط, فكأن الأصل في الطيران البسط, فعبر عنه بالاسم؛ لأن الاسم يدل على الثبوت والدوام, وبما أن القبض فرع عليه يتجدد عند الحاجة عبر عنه بالفعل الذي يدل على التجدد والحدوث. التنبيه الرابع:مجيء اسم ﴿الرَّحْمَنُ ﴾ في الآية دون سائر أسماء الله الحسنى في قوله: ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ ﴾ إشارة إلى رحمة الله تعالى بهذه الطيور حيث خلقها على هيئة تمكنها من السلامة من الأذى بالطيران والبعد عن مواطن الخطر. والله أعلم.
إظهار النتائج من 6621 إلى 6630 من إجمالي 12325 نتيجة.