عرض وقفات أسرار بلاغية

  • ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ﴿٢٩﴾    [مريم   آية:٢٩]
قوله تعالى : " فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29) " مريم 29 . لا يصح أن تكون " كَانَ " ههنا ناقصة بمعنى : حصل ذلك في الزمن الماضي , و انقطع , فتكون مثل قولنا : كان القمر طالعا ؛ لأن " كَانَ " في الآية لو كانت على معناها الأصلي لما كانت لعيسى ابن مريم - عليه السلام - فيه معجزة ؛ لأن قول قومه يكون بعد أن كبر , وصار رجلا , وليس هذا هو المراد , بل إن سؤال قومه حصل و عيسى - عليه السلام - في المهد , حيث من هو في سنِّه لا يتكلم , ومع ذلك تكلم عيسى - عليه السلام - ولذلك فــ " كَانَ " في الآية تامة بمعنى ( وجد ) , ويكون صبيا ( حالا ) . وقيل : إن " كَانَ " في الآية زائدة , والتقدير : كيف نكلم من في المهد صبيا , وزيدت " كَانَ " كان هنا التوكيد , فيكون المعنى : كيف نكلم من تأكد استقراره في المهد صبيا ؟ , ولو لم تقدر " كَانَ " زائدة ولا تامة لانتفت المعجزة عن عيسى - عليه السلام - ؛ لأن كل رجل يمكن أن يقال عنه : كان فلان في المهد صبيا , أي : كان , ثم صار رجلا . والله اعلم .
  • ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ﴿١٥﴾    [مريم   آية:١٥]
  • ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ﴿٣٣﴾    [مريم   آية:٣٣]
قوله تعالى عن يحيى - عليه السلام - : " وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (15) " مريم 15 , وقوله تعالى على لسان عيسى - عليه السلام - : " وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33) " مريم 33 . فإن تحية يحي - عليه السلام - بدئت بالسلام نكرة , حيث قال : " وَسَلَامٌ عَلَيْهِ ", أما تحية عيسى - عليه السلام - فقد بدئت بالسلام معرفة , حيث قال : " وَالسَّلَامُ عَلَيَّ " , و السر في ذلك - والله اعلم - أن السلام دعاء وطلب , و العرب في ألفاظ الدعاء والطلب تأتي بها نكرة , فتقول : ويلٌ له , وسقيا لك ورعيا ؛ لأن ألفاظ الدعاء تجري مجرى النطق بالفعل , والفعل بمعنى النكرة , فـ( سلام عليكم ) بمعنى : سلمكم الله , و ( سقيا لك ) بمعنى : سقاك الله , وهكذا , فالأصل في التحية أن تكون بلفظ النكرة , إلا أننا نجد أن تحية عيسى - عليه السلام - بدئت بالمعرفة , و لذلك فوائد منها : أن السلام اسم من أسماء الله , فذكره يشعر بذكر الله سبحانه وتعالى , ويشعر أيضا بطلب معنى السلامة منه , لأنك متى ذكرت اسما من أسماء الله فقد تعرضت لطلب المعنى الذي اشتق ذلك الاسم منه , ويشعر أيضا بعموم التحية , و أنها غير مقصورة , فأنت ترى أنه ليس قولك : ( سلام عليك ) – أي : سلام مني – بمنـزله قولك : ( السلام ) في العموم , كذا قال أبو القاسم السهيلي في : كتابه ( نتائج الفكر في النحو ) . و هذا إذا كانت التحية من الإنسان , أما إذا كانت من الله تعالى كتحيه ليحيى - عليه السلام - فليست بحاجة إلى التعريف ؛ لعدم قصد التبرك , ولا التعرض , ولا الطلب , ولا العموم في التحية منه ومن غيره , كما يقصد العبد , فسلام من الله تعالى كاف من كل سلام , ومغن عن كل تحيه , ومرب على كل أمنيه . وأحب أن أشير إلى أن على الكاتب والمتحدث أن يبدءا كلامهما بقول : ( سلام من الله عليكم ), فيبءا بالنكره , ويختماه بقول : ( والسلام عليكم ) ؛ بالمعرفه , و السر في ذلك أن هناك إجماعا من العلماء على ابتداء الكتابة و الحديث بالسلام نكرة , و اختتامهما به معرفة , ذكر ذلك السهيلي أيضا , وذكر في تعليله : " أنها مشعرة بالعموم , والكاتب مؤكد لخصوص نفسه بالتسليم , مشعر بسلامة وده للمكتوب إليه , لاسيما عند افتتاح الكلام ؛ ليستشعر المكتوب إليه الأنس والسلامة من الكاتب على الخصوص , من غير التفات إلى طلب العموم , وهذا المعنى كله إنما يحصل بإسقاط ( الألف واللام ) . فإذا ختم الرسالة قال : ( والسلام عليك ) معرفا ؛ وذلك لثلاث فوائد : إحداها : أن الخصوص بسلام الكاتب قد حصل في أول الكتاب , ووقع الأنس به , فكان العموم هنا أبلغ في الدعاء ؛ فإنه لا يخص نفسه , بل يجمع له سلامه وسلام غيره . والفائدة الثانية : أن يختم باسم من أسماء الله تعالى , كما فعل في الصلاة ؛ طلبا للأجر , وتبركا بالذكر , و اكتفي في أول الرسالة بـ ( بسم الله الرحمن الرحيم ) , و حسبك به ذكرا . والفائدة الثالثة : بديعة جدا , وهي أن ( الواو ) العاطفة توجب بناء الكلام على ما تقدم ... فأشعرت الواو بعطف فصل على فصل من الكتاب , فلما فرغ منها قال : ( والسلام ) , يريد : وبعد هذا كله ( السلام عليك ) . و في الآيتين السابقتين قيد السلام على يحيى وعيسى - عليهما السلام - بيومي ولادتهما ويومي موتهما ويومي بعثهما , فما السر في ذلك ؟ قال ابن القيم - رحمه الله تعالى – : " إن طلب السلامة يتأكد في المواضع التي هي مظانُّ العطب و مواطن الوحشة , وكلما كان الموضع مظنة ذلك تأكد طلب السلامة , وتعلقت بها الهمة , فذكرت هذه المواطن الثلاثة ؛لأن السلامة فيها آكد , وطلبها أهم , والنفس عليها أحرص ؛ لأن العبد فيها قد انتقل من دار كان مستقرا فيها , موطن النفس على صحبتها وسكناها إلى دار هو فيها معرض للآفات و المحن والبلاء .
  • ﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا ﴿٦٩﴾    [مريم   آية:٦٩]
  • ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴿١٥٩﴾    [الأنعام   آية:١٥٩]
  • ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُّرِيبٍ ﴿٥٤﴾    [سبأ   آية:٥٤]
  • ﴿وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ ﴿٨٣﴾    [الصافات   آية:٨٣]
قوله تعالى : " ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (69) " مريم 69 . الشيعة : الفرقة التي شايع بعضها بعضا , وتابعه , ومنهم الأشياع , وهم التبع , قال ابن القيم - رحمه الله تعالى - عن لفظ الشيعة : " و غالب ما يستعمل في الذم , ولعله لم يرد إلا كذلك , كهذه الآية , وكقوله : " إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (159) " الانعام 159 , وقوله : " وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (54) " سبأ 54 ؛ وذلك - والله أعلم - لما في لفظ الشيعة من الشياع و الإشاعة التي هي ضد الائتلاف والاجتماع , ولهذا لا يطلق لفظ الشيع إلا على فرق الضلال ؛ لتفرقهم واختلافهم " . انتهى كلام ابن القيم - رحمه الله - . و أقول : إن لفظ الشيعة ليس مخصوصا بالذم , بل هو غالب فيه , لقوله تعالى : " وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (83) " الصفات 83 . والله اعلم .
  • ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ﴿٣٩﴾    [طه   آية:٣٩]
قوله تعالى : " وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39) " طه : 39 . إن كلام الله لا يماثله كلام ؛ فهو أبلغ من أن يباري , و اسمي من أن يجاري , هل نعم أمعنا النظر في هذه الآية العظيمة ؟ : " وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي " أيكون المراد : أحببتك ؟ أم : جعلت الناس يحبونك ؟ أم : أنزلت القبول لك في الأرض ؟ وأقول : ما تفكرت في القرآن الكريم , وتدبرت آياته , إلا رثيت لحال مترجمي معانيه إلى اللغات الأخرى ؛ لأنهم لا يملكون إلا أن ينقلوا إليها معنى واحدا فقط , وآيات الله في كثير من الأحايين تدل على أكثر من معنى , ألم يختلف المفسرون في المراد بهذه الآية ؟ قال ابن عطية - رحمه الله - : " ... ثم أخبر تعالى موسى أنه ألقي عليه محبة منه , فقال بعض الناس : أراد محبة آسية ؛ لأنها كانت من الله , وكانت سبب حياته , وقالت فرقه : أراد القبول الذي يضعه الله في الأرض لخيار عباده ,وكان حظ موسى منه في غاية الوفر , وقالت فرقه : أعطاه جمالا يحبه به من رآه , وقالت فرقة : أعطاه ملاحة العينين ..... ". وأقول : تدبروا قوله : " وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي " , تجدوا أنه استعمل الإلقاء , ونكر المحبة , و خصصها بكونها منه عز وجل , فلم يقل : ( وأحببتك ), ولا : ( جعلت الناس يحبونك ) , ولا : ( ألقيت عليك المحبة ) ؛ وذلك - والله اعلم - ليشمل كل الصور المتوقعة , وهذا من إعجاز كلام الله - جل جلاله - , قال أبو حيان التوحيدى - تجاوز الله عنه - : " و سمعت ابن سمعون الصوفي يقول : ما يقف البشر على بعد غور قول الله تعالى لكليمه : " وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39) " , فإن في هاتين الكلمتين ماله ما لا يبلغ كهنه , ولا ينال آخره , ولو أن أرق الناس لسانا , وألطفهم بيانا , أراد أن يتوسط حقيقة هذا القول , لم يستطع , و عاد حسيرا , ونكص بهيرا , وبقى عاجزا . ثم قال : اللهم حبب بعضنا إلى بعض , واجمع شملنا إلى رضاك عنّا , مع إحسانك إلينا , إنك أهل ذلك , والجواد به " . ونقل أبو حيان أنه قيل : " إذا أحب الله عبدا ألقي مودته على الماء , فلم يشرب منه أحد إلا أحبه , وإذا أبغض الله عبدا القي بغضه على الماء , فلم يشرب منه أحد إلا أبغضه " الصداقه والصديقين : 212 . وجماع الأمر كله ما رواه الإمام البخاري - رحمه الله - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم – قال : " إذا أحب الله العبد نادي جبريل : إن الله يحب فلانا فأحببه , فيحبه جبريل , فينادي جبريل في أهل السماء : إن الله يحب فلانا فأحبوه , فيحبه أهل السماء , ثم يوضع له القبول في الأرض " .
  • ﴿قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى ﴿٧١﴾    [طه   آية:٧١]
قوله تعالى : " قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (71) " طه 71 . الصلب يكون على جذوع النخل , لا فيها , فـ ( صلب ) يتعدى بحرف الجر : ( على ) , لابـ ( في ) ؛ لأن ( في ) تفيد الظرفية , أما ( علي ) فتفيد الاستعلاء الذي لا يريده فرعون لهم , بل هدفه إذلالهم , ومجئ " فِي " هنا لأن الجزع للمصلوب بمنـزلة القبر للمقبور , فكما يقال : قبر الميت في قبره , يقال : صلب المصلوب في الجذع . وقيل : إنما آثر استعمال " فِي " للإشعار بسهولة صلبهم , وأنه لا يكلفه عناء ولا مشقة , بخلاف ما لو استعمل ( على ) التي تدل على ارتفاع يحتاج فيه إلى تحرك و صعود إلى فوق . وذكر أبو حيان رأيا آخر , قال : " وقيل : نقر فرعون الخشب , وصلبهم في داخله , فصار ظرفا لهم حقيقة حتى يموتوا فيه جوعا وعطشا " .
  • ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى ﴿٨٠﴾    [طه   آية:٨٠]
  • ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا ﴿٥٢﴾    [مريم   آية:٥٢]
  • ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ ﴿٤٤﴾    [القصص   آية:٤٤]
قوله تعالى : " يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (80) " طه 80 . قوله : " الْأَيْمَنَ " بالنصب صفة لـ " جَانِبَ " , فالطور واحد , وله أكثر من جانب , و لو جر قارئ : " الْأَيْمَن " لصار صفة للطور , وهذا خطأ ؛ فالطور واحد , وليس هناك طور أيمن , وآخر أيسر , ولا إشكال في قوله تعالى : " وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (52) " مريم 52 ؛ لأن الموصوف مجرور , لكنه يظل صفة لجانب ,, ووصف الجانب بالأيمن تشريف لموسى - عليه السلام - لاشتقاقه من اليمن . وتأملوا قول الله تعالى في آية أخري : " وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (44) " القصص 44 , و هذا خطاب لرسولنا - صلى الله عليه وسلم - , فلم يقل ههنا : ( بالجانب الأيمن ) تشريفا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يصفه بما قد يوهم أنه ينفي عنه كونه بالجانب الأيمن , المشتق من اليمن , أو يسلب عنه لفظا مشتقا من اليمن , أو مشاركا لمادته , فأبدل بها " الْغَرْبِيِّ " . فالله أكبر ! ما اعظم هذا البيان !!!! .
  • ﴿وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ﴿٤٦﴾    [الأنبياء   آية:٤٦]
قوله تعالى : " وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (46) " الانبياء 46 . تأمل سياق هذه الآية العظيمة الواردة للتهديد والوعيد والتهويل تجده جاء في أسلوب بديع , حيث ورد الضد فيها عكسه ؛ فالكافرون يدعون بالويل والثبور , ويبادرون بالاعتراف بظلمهم أنفسهم ؛ بسبب احتمال غير مؤكد لأقلّ القليل من عذاب , عبر عنه بــ : 1 . ( إن ) التي تدل على الشك و الاحتمال , لا على اليقين و القطع والثبوت . 2 . ( المس ) وهو الإصابة الخفيفة . 3 . ( النفخة ) وهي القليل من الشيء . 4 . " مِنْ " الدالة على التبعيض . 5 . ( العذاب ) الذي هو أخف من النكال . 6 . " رَبِّكَ " الذي يدل على الشفقة . إن من سيكون هذا واقعه عند أول نفخة تمسه من بعض عذاب رب رحيم كيف سيصبر على أنكال لدي الجبار , وجحيم يقيم أبدا في الدرك الأسفل منها ؟ , إنه لحريّ به أن يبادر إلى ما ينجيه منه .
  • ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ ﴿٧٠﴾    [الأنبياء   آية:٧٠]
  • ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ ﴿٩٨﴾    [الصافات   آية:٩٨]
قوله تعالى : عن إبراهيم - عليه السلام – وقومه : " وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70) " الانبياء 70 . وقوله تعالى : " فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (98) " الصفات 98 . ففي سورة الأنبياء قال : " فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ " , وفي الصافات قال : " فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ " , والعلة في ذلك - والله اعلم - أن الله تعالى أخبر في سورة الانبياء عن ابراهيم عليه السلام أنه تحدي قومه بالكيد لأصنامهم , وأن قومه قابلوا التحدي بمثله , فأرادوا كيده بإحراقه , فألقوه في النار , فنجاه الله تعالى منها , فربح ابراهيم عليه السلام تكسير اصنامهم ونجاته من النار , وخسر قومه أصنامهم وعدم بلوغهم مرادهم من رميه بالنار , فناسب التعبير بـ " الْأَخْسَرِينَ " ؛ لأن " الخاسر عندنا من فقد ما بيده من مال أو سبب كان يعتمده لدنياه و معاشه , أو محاولة فسدت عليه , فساءت حاله لذلك , ومهما استحكمت حاله في ذلك كان أخسر " . أما في سوره الصافات فأخبر الله تعالى عن قيامهم بتشييد بناء عال , ورفعهم ابراهيم عليه السلام فوقه ليرموا به من هناك إلى النار التي أججوها , فلما علوا ذلك البناء , ورموه منه إلى أسفل عادوا هم الأسفلين ؛ لهلاكهم في الدنيا وسفول أمرهم في الآخرة , حيث أعلي الله تعالى ابراهيم - عليه السلام – عليهم , فناسب التعبير عنهم بـ " الْأَسْفَلِينَ " .
  • ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴿٢﴾    [الحج   آية:٢]
قوله تعالى عن زلزلة الساعة : " يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2) " الحج : 2 . الأصل في تاء التأنيث أن يؤتي بها للفرق بين المذكر والمؤنث , فيقال : مسلم ومسلمة , فإذا كان الوصف خاصا بالمؤنث لا يشترك معه المذكر فيه لم تدخل عليه التاء , مثل : حائض , وطالق , وعانس , ومرضع , وحامل , فلا يقال : حائضة , ولا طالقة , ولا عانسه , ولا مرضعه ؛ لأن المقصود : ذات حيض , وذات طلاق , وذات عنوسة , وذات إرضاع , وذات حمل . ولكن في هذه الآية الكريمة قال : " تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ " , و السبب في ذلك أن المقصود بالمرضعة هنا التي هي في حال الإرضاع ملقمة ثديها صبيها , والمرأة في هذه الحالة تكون أشد شفقة وعطفا ومحبة لولدها الذي ترضعه , فذهولها عنه يكون لهول ما فوجئت به وشدة فزعها من زلزلة الساعة , ويؤيده قوله : " عَمَّا أَرْضَعَتْ " , فهي لم تفعل ذلك إلا لأمر هو أعظم عندها من الاشتغال بالإرضاع . أما كلمة مرضع فلا تغني عن " مُرْضِعَةٍ " في حصول المراد ؛ لأن المرضع هي المهيئة للإرضاع , ولو لم تكن مباشرة للإرضاع في ذلك الوقت , وهذه قد تذهل عن رضيعها إذا كانت غير مباشرة للرضاعة في حينه , ومثله لفظ الحائض , فقد روت عائشة - رضي الله عنها وعن والدها - قول النبي - صلى الله عليه و سلم – " لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار " , فليس المراد هنا بالحائض التي في حالة حيض , لأن هذه لا يقبل الله صلاتها لا بخمار ولا دونه ؛ إذ لا صلاة عليها , و إنما المراد بالحائض هنا البالغة سن الحيض . وأما قوله تعالى : " وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا " فقد قال ابن القيم - رحمه الله تعالى - : " تأمل - رحمك الله - السر البديع في عدوله سبحانه عن ( كل حامل ) , [ أي عن أن يقول : ( وتضع كل حامل ) ] , إلي قوله : " ذَاتِ حَمْلٍ " ,فإن الحامل قد تطلق على المهيأة للحمل , وعلى من هي في أول حملها ومباديه , فإذا قيل : " ذَاتِ حَمْلٍ " لم يكن إلا لمن قد ظهر حملها , وصلح للوضع كاملا , أو سقطا , كما يقال : ذات ولد .. فأتي في الحامل بالسبب الذي يحقق وجود الحمل وقبوله للوضع " . ولا شك في أن الحامل إذا كان حملها في أواخره ففقده أشق عليها وأعظم في الخسارة , بخلاف ما إذا كان في مباديه , فإنه أيسر عليها وأقل اثرا في نفسها , فالتعبير بـ ( ذات حمل ) لبيان كبره , ومن ثم فإن ما يشغلها ويذهلها عن مشقة فقده وأثره في نفسها , لهو أعظم منه ولا ريب , فقيام الساعة أنساها قيمة حملها وألم إسقاطه . والله اعلم . وهكذا يتضح مدى شدة زلزلة الساعة ؛ فإن شفقة الأم على الابن أشد من شفقة الأب , فشفقتها على الرضيع أشد من شفقتها على غيره , و كل ذلك يدل بدلالة الأولى على ذهول غيرها من النساء والرجال , وقد حصل من هذه الكناية دلالة على جميع لوازم شدة الهول , وليس يلزم في الكناية أن يصرح بجميع اللوازم ؛ لأن دلالة الكناية عقلية , وليست لفظية " .
  • ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿٢٥﴾    [الحج   آية:٢٥]
قوله تعالى : " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (25) " الحج 25 . فعدي فعل الإرادة بالباء, وحقه أن يتعدى بنفسه , ولكنه عُدّي بها لتضمنه معني ( يهم ) , فصار المعنى - و الله اعلم - : ومن يرد , أو يهم فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم . وهو أبلغ من إرادة الإرادة فقط ؛ لأن استحقاق العذاب صار عند الإرادة أو الهم بها .
إظهار النتائج من 6591 إلى 6600 من إجمالي 12325 نتيجة.