قوله تعالى ( وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) البقرة (228)
التربص : الانتظار ، سواء كان المنتظر خيرا أم شرا ، والمراد به ههنا الانتظار والمكث في العدة .
ويستقيم اللفظ والمعنى ولو قيل في غير القران الكريم : ( المطلقات يتربصن ثلاثة قروء ) ، ولكن لزيادة قوله (بِأَنْفُسِهِنَّ) فائدة عظيمة ،
قال الزمخشري: " في ذكر الانفس تهييج لهن على التربص ، وزيادة بعث ، لان فيه ما يستنكف منه ، فيحملن على أن يتربصن ، وذلك أن أنفس النساء طوامح الى الرجال ، فأمرن ان يقمعن أنفسهن ، ويبلغنها على الطموح ، ويجربنها على التربص " .
وقال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدى – رحمه الله تعالى – واعلم ان في قوله : (بِأَنْفُسِهِنَّ) فائدة جليلة ، وهى أن هذه المدة المحدودة للتربص مقصودةلمراعاة حق الزوج والولد ، ومع قصد البراءة فلا بد أن تكوت فيهذه المدة المنقطعة النظر عن الرجال ، محتبسه على زوجها الاول ، لا تخطب ولا تتزين ، ولا تعمل الاسباب في الاتصال بغير زوجها .
قوله تعالى ( وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ۚ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ ۚ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ) البقرة (233) .
فيهذهالآية عدة تأملات :
التأمل الاول : في قوله تعالى (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ) فهذه جمله خبرية معناها الامر ، فالتقدير : أيها الوالدات ارضعن أولادكن حولين كاملين ، والامر هنا أمر ندب لا ايجاب ، بدليل استحقاق الام الاجرة عليه ، ولقوله تعالى (وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَىٰ) الطلاق (6)
ويصير واجبا اذا لم يقبل الصبى الا ثدى أمه ، أو لم توجد له ظئر ، أو كان الاب عاجزا عن الاستئجار .
وقيل : ان الخبر على معناه ، ويكون الكلام حينئذ أبلغ ، لأنه
يدل على شيئين :
الاول : أن هذا حق من حقوق الام ، لا ينبغي للمولود له ان ينازعها فيه .
الثاني : انه حق على الام ، لا ينبغي لها ان تماطل به ، او تتخلى عنه ، او تساوم فيه .
ويؤيد ذينك تقديم الاسم على الفعل ، والتعبير بالجملةالاسميةالتي تدل على الحصر ، فلو قيل : ( ترضع الوالدات أولادهن ) ما كان ملزما للام ، ولا للمولود له . والله اعلم .
التأمل الثاني : في قوله : ( يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ) فان ذكر المفعول به (أَوْلَادَهُنَّ)
مع ان هذا مفهوم من السياق ، فيه تذكير لهن بدواعي الحنان والشفقة ، وأن هؤلاء الذين يحتاجون الى الرضاعة هم أولاد اولئك المرضعات الذين فطرن على حبهم والشفقة عليهم ، فكيف يعرضن عن ارضاعهم ؟
التأمل الثالث : في قوله (حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ) فان هناك فرق بين الاكمال والإتمام ، فالإكماللإزالة نقصان العوارض بعد اتمام الاصل ، والاتمام لإزالة نقصان الاصل ، كما سبق بيانه .
فلماذا وصف الحولين بالكمال ، ووصف الرضاعة بالإتمام ؟
وصف الحولين بالكمال ، لان ( الحول ) لفظ يحتمل عدم الاكمال ، فلو قيل ( حَوْلَيْنِ) مجردا من الصفة (كَامِلَيْنِ) لم يدل على استكمالهما قطعاً ، اذ يمكن أن تقول : أقمت في مدينة الرياض حولين ، ولو لم تستكملهما ، فجعل الله تعالى الحولين الكاملين حداً عند اختلاق الابوين فيمدة الرضاعة ، فلا يحق للوالدة الامتناع عن ارضاع الولد قبل اكمال الحولين ، اما لو أراد الاب قطام ولده دون بلوغ الحولين فله ذلك ، ما لم يكن في ذلك ضرر على الولد ، أو مضارة للأم .
ثم ان وصف الحولين بالمنال تنبيه على انه لا يجوز تجاوز ذلك ، وانه لا حكم للإرضاعبعدهما .
اما استعمال الاتمام مع الرضاعة فلأن الفطام يمكن ان يحصل قبل استغراق المدة المعتادة ، ثم ان الرضاعة لا يمكن ان تكمل ، لان الطفل لو لم يقسر على الفطام لشب على حب الرضاع ، كما قال أبو عبد الله محمد بن سعيد البوصيري :
والنفس كالطفل ان تهمله شب على حب الرضاع وان تفطمه ينفطم
التأمل الرابع : في قوله (الْمَوْلُودِ لَهُ) لمَ لمْ يقل : وعلى الوالد ؟
قال العز بن عبد السلام : ( الجواب ان الولد ينفع أباه اكثر مما ينفع امه ، لان الولد يحمل أباه في المحافل ، ويدفع عنه في الحروب ، الى غير ذلك من النفع ، مما لا يحصل للأم ، فأراد سبحانه أن ينبه ب (الْمَوْلُودِ لَهُ) على العلة التي لأجلها اختصت نفقة الولد بأبيه دون أمه ، ولأن اللام تستعمل في النفع ، فيقال : شهد له ،ومنه : ( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ) فصلت (46) ،وهى هنا مشعرة بالنفع الحاصل من الولد . انتهى كلامه .
واستعمال لفظ (الْمَوْلُودِ لَهُ) بدلا من لفظ : الوالد ، أو الاب ، ليدل ايضا على اعلام الاب بفضل الله عليه ، حيث منحه الولد ، واعطاه اياه دون مشقة ، ولا نصب من الاب ، فالله وحده هو المتفضل به حين رزقه اياه ، واللام في قوله (الْمَوْلُودِ لَهُ) معناها شبه التمليك ، فالولد شبه الملك لأبيه يتصرف في ماله وفى نفسه بما يختار غالباً ، وكذلك الولد يكون – غالباً- مطيعا لأبيه ، ممتثلا لما يأمر به ، منفذا ما يوصى به . كذا قال ابو حيان رحمة الله تعالى .
واقول ايضا : ان التعبير ب (الْمَوْلُودِ لَهُ) للدلالة على ان النفقة واجبه على من يكفل الوليد في حالة وفاة ابيه ، كجده ، أو كأخيه ، أو عمه ، او غير ذلك ، فالتعبير بهذه اللفظة اشمل من التعبير بالأب . والله أعلم .
قوله تعالى ( وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ ۚ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَٰكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا ۚ وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) البقرة (235) .
الفعل ( يعزم ) يعتدى بوساطة حرف الجر ( على ) ، اما تعديت بنفسه في هذه ، نصبه (عُقْدَةَ) على أنه مفعول به ، فلأنه ضمن معنى فعل أخر ، وهو ( لا تنووا ) ويؤيده قوله تعالى بعد ذلك ( وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ) فيكون معنى الآية : لا تعزموا ، ولا تنووا عقدة النكاح – وهى ما به يتم ويصحح – حتى تنقضي العدة.
وقيل : ان قوله تعالى (لَا تَعْزِمُوا ) ضمن معنى (لا تقدوا ) ، وقيل : ان الفعل بمعناه الأصلي ، وقد حذف حرف الجر الذي به تعدى الفعل ، والتقدير ، ولا تعزموا على عقدة النكاح ، فهو كقول عنترة بن شداد العبسي
ولقد أبيت على الطوى أظله حتى أنال به كريم المأكل
فقوله : (وأظله) اصله : ( وأظل عليه ) فحذف حر الجر ، وعدى العل بنفسه . والله أعلم
قوله تعالى ( حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (238) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا ۖ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (239) ) البقرة ( 238 ، 239 ) .
سبق أن تحدثت عن الفرق بين (إن) و (إذا ) ، وفى قوله ( فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا ۖ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (239) جاءت (ان ) مع الخوف وصلاته ، و (إذا) مع الامن وذكره ، لأن الخوف وصلاته قليلا الحدوث ، فناسب أن يأتي شرطها ب (إن) التي تدل على قلة حدوث فعلها وجوابها ، أما الامن و صلاته المعتادة فهما الاغلب ، فاستعمل معهما (إذا) التي تدل على كثرة حصول فعلها وجوابه .
أنبه هنا على ان الكاف في قوله ( كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) تفيد التعليل ، فهي بمعنى اللام ، المعنى : فاذكروا الله ، لتعليمه اياكم ما لم تكونوا تعلمون ه ، وهى مثل الكاف في قوله تعالى ( وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ) البقرة ( 198)
قوله تعالى ( مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) البقرة (261) .
نحن نعلم أن جمع التكسير في اللغة العربية ينقسم من حيث دلالته العددية قسمين : جمع كثرة ، وجمع قلة
وجمع القلة هو : ما دل على ما دونالعشرة من العدد ، وجمع الكثرة هو : ما دل على أكثر من ذلك .
ومما يدل على القلة ما جمع بألف وتاء ، اذا كان له جمع تكسير ايضا ، كقولك
جفنة و جفنات وجفان .
وفى هذه الآيةالتيهي محل وقفتنا قال المولى عز وجل ( أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ) ف ( سَنَابِلَ) جمع الكثرة ، لأنها على وزن ( فعالل) فلم عبر بصيغة منتهى الجموع عن العدد (سبعة) الذى حقه أن يعبر عنه بجمع القلة ؟ : أي ب (سنبلات) ، كما في سورة يوسف حيث قال الله تعالى ( وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أرى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ ۖ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ) يوسف ( 43 ) .
قيل في سر ذلك ( ان ايه البقرة مبينة على ما أعد الله للمنفق في سبيله ، وما يضاعف له من أجر انفاقه ، وان ذلك ينتهى الى سبعمئة ضعف ، وقوله ( وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ) قد يفهم الزيادة على ما نص عليه من العدد ، كما اشارت اليه آيات وأحاديث ، فبناء هذه الآية على التكثير ، فناسب ذلك ورود المفسر على ما هو من أبنية الجموع للتكثير لحظا للغاية المقصودة ، ولم يكن ما وضعه للقليل في الغالب ليناسب ما تلحظ فيه الغاية من التكثير .
اما ايه ( يوسف ) فإنما بناؤها على اخبار الملك عن رؤياه سبع سنبلات ، فلا طريق هنا للحظ كثرة ولا قلة ، لأنه اخبار برؤيا ، فوجهه الاتيان من أبينه الجمع بما يناسب المرئي ، وهو قليل ، لأن من دون العشرة قليل ، فلحظ في أية ( البقرة) ما بعده مما يتضاعف اليه هذا العدد ، وليس في أية (يوسف) ما يلحظ ، فافترق القصدان ، وجاء كل على ما يجب ، ويناسب ، والله أعلم .
وأقول : ان سنبلة فيها مئة حبة ، مع ست مثيلات لها ، لتبدو في عين الناظر كثيرة ، فلعل هذا مما ناسب معه التعبير عنها بجمع الكثرة ، وهو ( سَنَابِلَ)
ومن سياق أية سورة ( يوسف ) يظهر أن كل سنبلة من السنبلات المذكورة فيها هي صغيرة في حجمها ، قليل حبها ، فناسب التعبير عنها مع مثيلاتها بجمع القلة ( سُنْبُلاتٍ) ، والله أعلم .
قوله تعالى (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ۗ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ)
البقرة ( 263) .
ان ختام الآية دائم التناسق مع مبدئها ومحتواها ، روى أن أعرابياً سمع قارئا يقرأ قوله تعالى (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ) المائدة ( 38) ، فختمها القارئ بقوله ( والله غفور رحيم ) ، فقال الأعرابي : ما هذا كلام فصيح ! ، فقيل له : ليس التلاوة كذلك ، وانما هي : (وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) ، فقال : بَخٍ بَخٍ ، عز ، فحكم ، فقطع .
وحكى أن اعرابيا اخر سمع قارئا يقرأ قوله تعالى (فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) البقرة ( 209 ) ، فقرأها القارئ ( فاعلموا أن الله غفور رحيم ) ، ولم يكن الأعرابي يقرأ القران ، فقال : ان هذا ليس بكلام الله ، لأن الحكيم لا يذكر الغفران عند الزلل ، لأنه اغراء عليه .
ولذلك في هذه الآية الكريمةالتي تحل محل النظرة لما كان المقام مقام تهديد لأولئك المتصدقين الذين يتبعون ما أنفقوا منا ولا أيضا مقام اشعر لهم بأن الكلام الطيب والاعتذار الحسن مع العفو عمن أساء اليهم ، خير من صدقاتهم تلك ، بين الله سبحانه وتعالى أنه غنى عن الصدقات ، لن يناله منها شيء ، وانما النفع يعود عليهم ، والله تعالى مع غناه الكامل حليم على المان بالصدقات ، حيث لم يوقع عليه العقوبة التي يستحقها لمنه ، ولكنه – تعالى – حليم يصفح مع عطائه الواسع عمن يمن بمال الله الذى استودعه اياه .
قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) البقرة ( 267 ) .
لما كان المقام مقاما لطلب الانفاق من الطيبات ، والله غنى عن الطيب والخبيث من المال ، فلا يقبل – عز وجل –الرديء من مال عبده ، يقدمه عبده لنفسه ، فالله أحق من يختار له الاشياء و أنفسها ، لان قابل الرديء اما أن يقبله لحاجته اليه ، والله غير محتاج لأحد ، واما ان نفسه غير كريمة ولا شريفة ، فلا يقبل الا الطيب ، لما كان كذلك ناسب ختام الآية لقوله (غَنِيٌّ حَمِيدٌ ) .
قوله تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ) البقرة ( 282 ) .
حيث قال ( تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ ) ولذكر : (دَيْنٍ) فائدة عظيمة مع اغناء الفعل ( تَدَايَنْتُمْ) عنها ، ففائدتها لفظيه ومعنويه ، فاللفظية ليرجع اليه الضمير في قوله : ( فَاكْتُبُوهُ) لأنه لو لم تذكر تلك الكملة لوجب أن يقال (اذا تداينتم فاكتبوا الدين ) ، وهذا غير حسن ، فما فيالآية أحسن نظماً ، قاله الزمخشري .
وقال الزركشي : " وهو ممنوع ، لأنه كان يمكن ان يعود المصدر المفهوم من (تَدَايَنْتُمْ) لأنه يدل على الدين ."
أما الفائدة المعنوية فان قوله ( تَدَايَنْتُمْ) ( مفاعلة ) من ( الدين ) ، ومن ( الدين) ، فمجيء قوله ( بِدَيْنٍ) ليدل على انه من ( الدين ) ، لا من ( الدين ) ، وكذلك لو لم تخصص المفاعلة بقوله : (بِدَيْنٍ) لجاز أن يقصد به المجازاة بالمودة ، كما قال الراجز :
داينت أروى والديون تقضى
فمطلت بعضا وأدت بعضا
وهذا النوع من الدين لا كتابه له ، ولا شهود عليه .
وله فائدة أخرى حيث تبين تنوع الدين الى مؤجل وحال ، وأراد هنا الدين المؤجل ، لأنه قال : ( بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ) .
وأما قوله ( إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى) فوصف الأجل بالمسمى ، ليعلم أن التأجيل لا بد أن يكون وقته معلوما ، كالتوقيت بألسنه والشهر واليوم ، وليس معلقا على المجهول .
وبهذه المناسبة أنبه على ان كثيرا من الناس يخلطون مصطلح ( الاسم ) بمصطلح ( المسمى ) ، فيسمون كل واحد منهما باسم الاخر ، فيقول أحدهم : أنا اشترك مع فلان بالمسمى ، أو غير فلان مسماه الى كذا ، وهذا كله خطأ ، فليس الاسم هو المسمى ، ولا العكس ، قال ابن السيد البطليوسي : " ولو صح ان يكون الاسم هو المسمى لوجب ان يروى من قال : ( ماء ) ويشبع من قال ( طعام ) ويحترق فم من قال ( نار ) ويموت من قال ( سم).
فالمسمى هو صاحب الاسم ، فمثلا : أداة الكتابة مسمى ، والقلم اسمها ، وهكذا .
قوله تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ۚ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ۚ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا ۚ فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ۚ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ۖ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ ۚ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ۚ وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَىٰ أَجَلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَىٰ أَلَّا تَرْتَابُوا ۖ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا ۗ وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ۚ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ۚ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) البقرة ( 282) .
فيهذهالآية وقفتان :
الاولى : انه قد يظن ظان أنه ( رَجُلَيْنِ) وفى قوله : ( لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ) تكرار لضمير التثنية في : ( يَكُونَا) حين تعرف ( يكون ) ناقصة ، وألف التثنية اسمها ، و ( رَجُلَيْنِ) خبرها ، لأن الف التثنية راجعه الى قوله :
( شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ) وهو بمعنى : رجلين ، فكأنه قال : فإن لم يكن الرجلان رجلين ... ، وهذا محال ، اذاً ما فائدة قوله : (رَجُلَيْنِ) . ؟
قد أجاب بعض العلماء بإجابات كثيرة منها :
الاول : ان الف التثنية راجعه الى قوله : ( شَهِيدَيْنِ) ، وحينئذ لا يكون في الكلام تكرار ، لان المعنى : فان لم يكن من الشهيدان رجلين ، وهذا هو قول الاخفش .
الثاني : ان المقصود ب ( رَجُلَيْنِ) العدد المجرد ، فالتقدير : فان لم يكونا اثنين ، وهذا الرأي نقل عن الأخفش ايضا .
الثالث : ان تكون ( يكون ) تامة ، وألف لاثنين فاعلها ، و ( رَجُلَيْنِ) حالاً ، فكأن المعنى : فان لم يوجد الشهيدان حال كونهما رجلين ...
والقول الاخير هو الراجح ، وتكون الفائدة من ذكر ( رَجُلَيْنِ) حينئذ كما قال الزركشي– رحمه الله – " والذى يظهر في جواب السؤال هو أن ( شَهِيدَيْنِ) لما صح ان يطلق على المرأتين ، بمعنى : شخصين شهيدين ، قديه الله بقوله تعالى ( مِنْ رِجَالِكُمْ ) ثم أعاد الضمير في قوله تعالى
( فَإِنْ لَمْ يَكُونَا ) على الشهيدين المطلقين ، وكان عوده عليهما أبلغ ، ليكون نفى الصفة عنهما كما كان اثباتها لهما ، فيكون الشرط موجبا ونفسا على الشاهدين المطلقين ، لأنه قوله ( مِنْ رِجَالِكُمْ) كالشرط ، كأنه قال : ان كانا رجلين ، وفى النظم على هذا الاسلوب من الارتباط وجرى الكلام على نسق واحد ما لا خفاء به .
الوقفة الاخرى : أن ظاهر الامر يقتضى ان يقال ( ان تضل احداهما فتذكرها الاخرى ) فلماذا أعاد ( إِحْدَاهُمَا) ظاهرة في موضع الاضمار ؟
الجواب عن ذلك : انه لو أتى بالضمير مكان الظاهر فقال : ( أن تضل احداهما فتذكرها الاخرى ) ، لعاد الضمير على الضالة ، فكان المعنى : أن تضل احداهما ، فتذكر الضالة الاخرى ، وذلك ليس هوالمقصود ، بل المراد ان الذاكرة تذكر الناسية فيأي زمان ، قال بن الحاجب " لأنها قد تكون الضالة الان في الشهادة هي الذاكرة فيها في زمان اخر ، فالمذكرة هي الضالة ، فاذا قيل ( فتذكرها الاخرى ) ، لم يفد ذلك ، لتعين عود الضمير الى الضالة ، واذا قيل ( فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ) كان مبهما في كل واحدة منهما ، فول ضلت احداهما الان ، وذكرتها الاخرى ، فذكرت ، كان داخلا ، ثم لو انعكس الامر والشهادة بعينها في وقت اخر اندرج ايضا تحته ، لوقع وقعه ( فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ) غير معين ، ولو قيل ( فتذكرها الاخرى ) ، لم تستقم أن تكون مدرجة تحته الا ( على ) التقدير الاول ، فعلم ان العلة هي التذكير من احداهما للأخرى ، كيفما قدر ، وان اختفت ، وهذا المعنى لا يفيده الا ما ذكرناه ، فوجب لذلك أن يقال
( فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ) .
قوله تعالى ( نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (3) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ ۗ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (4) )
( آل عمران 3، 4 ) .
ان التعبير ( نَزَّلَ) اختلف عن ( وَأَنْزَلَ) اذا اجتمعا ، فهما اذا اجتمع افترقا ، واذا افترقا يمكن ان يجتمعا ، فالتنزيل يقتضى نزول المنزل مفرقا ومنجما على ازمنه متنوعة ، والانزال يكون بإنزال المنزل كله جملة واحدة ، لا تفريق فيها ، ولا تنجيم .
أما اذا لم يجتمعا فيكمن التعبير بالتنزيل ، ويراد به الانزال ، ويرد التعبير بالإنزال ، ويقصد به التنزيل ، وفى هاتين الآيتين اجتمعا ، فورد التعبير عن نزول القران الكريم على رسولنا محمد – صلى الله عليه وسلم – بالتنزيل فقال ( نَزَّلَ) وعن نزول الكتب السابقة بالإنزال ، فقال ( وَأَنْزَلَ)
وتعليل ذلك – والله اعلم – ما قاله احمد ابن ابراهيم بن الزبير الغرناطي : " فقوله تعالى ( نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ) مشير الى تفصيل المنزل وتنجيمه بحسب الدعاوى ، وانه لم ينزل دفعه واحده ، اما لفظ ( أَنْزَلَ) فلا يعطى ذلك اعطاء
( نَزَّلَ) وان كان محتملا ، وكذا جرى في احوال هذه الكتب ، فان التوراة انما
انما اوتيها موسى – صلى الله عليه وسلم – جملة واحده في وقت واحد ، وهو المراد بقوله تعالى ( وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ ) الاعراف ( 145)
الآية ، أي المجموع ، واما الكتاب العزيز فتنزل مقسطا من لدن ابتداء الوحى ... " انتهى كلام الغرناطي رحمه الله .
وأقول : وما قوله ( وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ) فليس ناقضا لهذه القاعدة ، اذ علل بعض العلماء التعبير عن ذلك بالإنزال بدل التنزيل بأن المقصود هنا إنزاله الى السماء الدنيا ، كما قال تعالى ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) القدر ( 1) .
وقيل : ان المراد بالفرقان فيالآية نصر رسولنا صلى الله عليه وسلم على اعدائه .
واقول : ان هذا القول الاخير أرجح عندي ، اذ يؤيده قوله تعالى بعده
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ) .
ومما اجتمع فيه الفعلان ، وتفرق معناهما ، قوله تعالى في سورة ( محمد ) : ( وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ ۖ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ ۙ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ) محمد ( 20 ) قال ابن الزبير الغرناطي : " ووجه ذلك – والله اعلم – أن المؤمنين هم الذين يودون نزول السورة ، وطلبهم نزلها انما هو على ما اعتادوه جارياً في غيرها من التنجيم وتفصيل النزول ، فالملائم هنا عبارة عن التضعيف –أي : نُزّلَت – وقوله (فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ) انما المراد تحصيلها بجملتها بعد كمالها ، وذلك مفهوم من سياق الكلام ، والملائم – لما تحصل ، وتم – عبارة الانزال من غير تضعيف ، فكل من الموضعين وارد على انسب نظم ، والعكس غير ملائم ، والله أعلم " . انتهى كلامه رحمه الله .
واذا انفرد أحدهما بالذكر – أعنى : انزل ، ونزل – لم يكن ممنوعا أن يرد أحدهما بمعنى الاخر ، فقول الله تعالى ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا)
الفرقان ( 32 ) التنزيل فيه بمعنى الانزال ، لأنه قال : ( جُمْلَةً وَاحِدَةً)
وجاء التعبير عن الانزال بالتنزيل في قوله تعالى ( وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ)
الانعام ( 7 ) .
فالمراد الانزال جملة واحدة لدلالة قوله ( فِي قِرْطَاسٍ) ومثلها
( كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ) ال عمران (93) ومعلوم ان التوراة أنزلت مجتمعه . والله أعلم .