قوله تعالى:{فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِين}[البقرة:24].
وقوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون}[التحريم:6].
تأملوا – رحمني الله وإياكم-الآيتين تجدوا أن النار في الآية الأولى وردت مُعرفةً، وفي الثانية جاءت مُنكرة، ولتعريفها في الأولى، وتنكيرها في الثانية، مقصدٌ عظيمٌ؛فالخطاب في الآية الأولى للكفار والمنافقين، وهم خالدون مخلدون فيها، محيطة بهم من كل جانب، بل إن المنافقين في الدرك الأسفل منها، فتعريف النار فيها للدلالة على الاستغراق.
أما الآية الثانية فالخطاب فيها للمؤمنين العصاة، فتعذيبهم يكون في جزء يسير من أعلاها، فتنكيرها لتقليلها.
قوله تعالى:{وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِين}[البقرة:35] .
إن المتأمل لكتاب الله تعالى يجد أن كلمة (الزوج) مراداً بها (الزوجة) لم ترد إلا في حق المؤمنين، أي: حين يكون الزوجان مؤمنين، أما إذا كان أحدهما غير مؤمن فتستعمل لفظة (امرأة)، كامرأة فرعون، وامرأة نوح، وامرأة لوط، وامرأة أبي لهب.
وللعلماء في ذلك تعليلات:
منها ما قاله أبو القاسم السهيلي من أن ذلك التعبير هو بسبب كونهن لسن أزواجاً لهم في الآخرة، وإنما زواجهم في الدنيا فقط، ولذلك ناسب عدم ذكر الزوجية، وأبدل عنه بما يدل على الأنوثة فقط دون لفظ المشاكلة والمشابهة، وهو لفظ (امرأة).
ومنها أيضاً قول السهيلي: ((ولأن التزويج حليةٌ شرعيةُ، وهو من أمر الدين، فجرّدها – أي امرأة أبي لهب-من هذه الصفة كما جرّد امرأة نوح وامرأة لوط، فلم يقل: (زوج نوح) )).
وأقوى منه تعليل الإمام ابن القيم – رحمه الله-بأن هذا اللفظ – وهو الزوج – مشعرٌ بالمشاكلة والمجانسة والاقتران، وهذا غير متأت لغير المؤمنين، حيث قطع الله سبحانه وتعالى المشابهة والمشاكلة بين الكفار والمؤمنين، قال تعالى:{لاَ يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ }[الحشر:20].. وقطع –سبحانه – المقارنة بينهما في أحكام الدنيا، فلا يتوارثان، ولا يتناكحان، ولا يتولى أحدهما صاحبه، فكما انقطعت الصلة بينهما في المعني انقطعت في الاسم، ولذلك ورد في آية المواريث لفظ (الزوج) دون (المرأة) إيذاناً بأنّ هذا التوارث إنما وقع بالزوجية المقتضية للتشاكل والتناسب، والمؤمن والكافر لا تشاكل بينهما، ولا تناسب، فلا يقع بينهما التوارث.
ويرى السهيلي أن هذه القاعدة لم تنتقض إلا في قول زكريا – عليه السلام -: {وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا}[مريم:8]، وقوله تعالى عن زوج إبراهيم – عليه السلام -: {فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ }[الذاريات:29]، وقد علل السهيلي ذلك بقوله: ((إلا أن يكون مساق الكلام في ذكر الولادة والحمل ونحو ذلك ، فيكون حينئذ لفظ (المرأة) لائقاً بذلك الموطن،كقوله تعالى:{وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا}[مريم:8]،-: {فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ } ؛لأن الصفة التي هي الأنوثة هي المقتضية للحمل والوضع، لا من حيث كانت زوجاً)).
وأرى أن هذا التعليل ضعيفٌ؛ لأن الحمل والوضع من مقتضيات الزوجية، فعلى هذا التعليل استعمال لفظ (الزوجة) أولى، لكن بعد أن تأملت أنه لم يرد هذا اللفظ في حق المؤمنين إلا مع امرأتين ما تلدان؛ لكون إحداهما عاقراً، والأخرى كبيرة آيسة، أرى –والله أعلم-أن السبب في استعمال لفظ (المرأة) من قبل الزوجين في هاتين الآيتين هو انتفاء مستلزمات الزوجية بكبر السن وانقطاع الولادة.
ولا يُعترض على قول هذا بقول الله تعالى:{إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيم}[آل عمران:35]؛ بكون عمران وزوجه مؤمنين، وبكون زوجه حاملاً؛ إذ سبب استعمال{امْرَأَتُ} ههنا أنها أيضاً كانت عاقراً لا تلد، كما قال عكرمة، فقد أمسك الله عنها الولد حتى أسنت وشاخت، كما أن عمران – عليه السلام- كان قد مات قبل تبين حمل زوجه وقبل ولادتها، بدليل قول امرأته:{ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ }[آل عمران:36] ؛ إذ ليس من العادة أن تسمي المرأة مولودها، وهناك دليل آخر على موته قبلاً، وهو قوله تعالى:{ وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا }[آل عمران:37]، ولا يُكفلُ إلا اليتيم.
فائدة:
هل يقال: زوجٌ، وزوجة؟
نقل ابن جني عن أبي حاتم السجستاني قوله: ((كان الأصمعي ينكر (زوجة)، ويقول إنما هي (زوجٌ)، ويحتج بقول الله تعالى:{أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ}[الأحزاب:37] قال: فأنشدته قول ذي الرمة:
أذو زوجةٍ في المصر أم ذو خصومةٍ أراك لها بالبصرة العام ثاويا
فقال: ذو الرمة طالما أكل المالح والبقل في حوانيت البقالين!!!.
قال: وقد قرأنا عليه من قبل لأفصح الناس، فلم ينكره:
فبكى بناتي شجوهن وزوجتي والطامعون إلى ثم تصدعوا
وقال آخر:
من منزلي قد أخرجتني زوجتي
تهر في وجهي هرير الكلبة))
والصحيح جوازه، قال الفراء: (( وأهل الحجاز يقولون للمرأة (زوج)، وسائر العرب يقولون: (زوجة) )).
قال الفرزدق:
تقول وقد ضمت بعشرين حوله ألا ليت أني زوجةٌ لابن غالب
وقال:
ولتكفينك فقد زوجتك التي هلكت مُوقعة الظهور قصار
وقال:
فإن امراً يسعى يُخبب زوجتي كساعٍ إلى أسدِ الشرى يستبيلها
وقال:
آدم قد أخرجته وهو ساكنٌ وزوجته من خير دار مُقام
وقال الأخطل:
زوجةُ أشمط مرهوب بوادره قد كان في رأسه التخويص والنزع
وقال أيضاً:
على زوجها الماضي تنوح وإنني على زوجتي الأخرى كذاك أنوح
وقالت حميدة بنت النعمان بن بشير الأنصاري:
ترى زوجة الشيخ مغمومة وتمسي لصحبته قاليه
وقال الشماخ بن ضرار الذبياني:
قد أصبحت زوجة شماخٍ بِشَرّ
وقال أمير المؤمنين على بن أبي طالب رضي الله عنه:
جدي وجد رسول الله متحدٌ وفاطم زوجتي لا قول ذي فند
قوله تعالى:{وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيم}[البقرة:49] .
وقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيم}[إبراهيم:6].
ففي الآية الأولى قال:{يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ }، وفي الثانية قال { وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ }بالعطف بالواو، وفائدة الواو أن القول في الآية الثانية لموسى عليه الصلاة والسلام، وهو في مقام تعداد أنواع امتحانات بني إسرائيل، وتذكيرهم بنعم الله عليهم، ودعوتهم لشكرها، فذكر منها أن آل فرعون ساموهم سوء العذاب بتكليفهم إياهم بالأعمال الشاقّة، حيث جعلوا منهم عمالاً ينحتون السواري من الجبال حتى قرحت أعناقهم وأيديهم وظهورهم من قطع الحجارة ونقلها وبنائها ، فنجاهم الله تعالى من هذا العذاب السيء ، ومن تذبيح أبنائهم واستحياء نسائهم، ولذلك أتى بالعاطف؛ ليؤذن بأن إسامتهم العذاب مغاير لتذبيح الأبناء وسبي النساء، وهو ما كانوا عليه من التسخير.أما في آية سورة البقرة فالخطاب من الله سبحانه وتعالى، فأبدل{ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ } من قول:{ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} فوقع تفسيراً وتوضحيهاً له.
قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَـذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِين (58) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُون (59)}[البقرة:58-59].
وقوله تعالى:{وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُواْ هَـذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِين (161)فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُون (162)}[الأعراف:161-162].
الموازنة بين آيتي سورة البقرة وآيتي سورة الأعراف تبرز النظرات التالية:
1-عطف {كُلُواْ} بالفاء في سورة البقرة، وبالواو في سورة الأعراف؛ لأنه تعالى أمرهم في سورة (البقرة) بالدخول، وهو سريع الانقضاء، فقال:{وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَـذِهِ الْقَرْيَةَ }، ثم إنه لا يحسن الأكل مع الدخول، ولا قبله ، بل لا يكون إلا بعده؛ لسرعة انقضاء الدخول، ولذلك ناسبه استعمال حرف العطف (الفاء)؛ لدلالتها على التعقيب من غير مهلة.
أمّا في سورة الأعراف فأمرهم بالسُّكنى – وهي الاستقرار -، وهي ممتدة، فقال:{وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُواْ هَـذِهِ الْقَرْيَةَ }، مما يمكن أن يكون معها الأكل، ولذلك استعمل (الواو) ، فكأن الأمر في سورة (البقرة) مرادٌ به الإسراع بالدخول والأكل والسجود والقول والعودة مرة أخرى ، أما في سورة (الأعراف) فالمراد الاستقرار والتمتع بالأكل.
2- الإتيان بقوله:{رَغَداً} في سورة (البقرة)، وحذفها في صورة (الأعراف) له مقصدٌ بليغٌ؛ فإنه – والله أعلم- لمّا أسند القول إليه تعالى، فقال:{وَإِذْ قُلْنَا }، كان من المناسب أن يذكر معه ما يدل على إفاضة النعم ، وما يدل على كرم الكريم، فقال:{رَغَداً}.
أما في سورة الأعراف فإنه لما بنى الفعل المجهول، فقال:{وَإِذْ قِيلَ }، لم يذكر معه ما ذكر من الإكرام الوافر؛ لأنه لم يسند إلى الله تعالى.
وجعل ابن الزبير الغرناطي سبب عدم ذكر في سورة الأعراف أن في فحوى الآية ما يدل على معنى الرغد، فلم تكن هناك حاجة للنص عليه، قال: ((إن مفهوم السكنى-وهو الملازمة والإقامة –مع الأمر بالأكل حيث شاؤوا ، مع انضمام معنى الامتنان والإنعام المقصود في الآية، كل ذلك مشعرٌ ومعرفٌ بتمادي الأكل، وقوة السياق مانعةٌ من التحجير والاقتصار ، فحصل معنى الرغد، فوقع الاكتفاء بهذا المفهوم الحاصل قطعاً من سياق آية الأعراف)).
3- قال في سورة البقرة: {وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِين }عاطفاً بالواو؛ ليكون اتصاله بما قبله أقوى؛ بسبب إسناده القول إلى الله تعالى في أولها: {وَإِذْ قُلْنَا }.
أما في سورة الأعراف فلما لم يكن القول مسنداً إلى الله تعالى ناسب حذف الواو؛ ليكون الكلام استئنافاً.
4- قال الله تعالى في سورة (البقرة): {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ }، وزاد في سورة (الأعراف): {مِنْهُمْ }،وهي مرادة في سورة البقرة؛ لأن الذين ظلموا هم من المخاطبين بالأمر:{ادْخُلُواْ هَـذِهِ الْقَرْيَةَ }، هم الذين بدلوا ، وغيروا في القول.
أمّا ذكرها في سورة (الأعراف) فلأن أوّل قصة أصحاب موسى – عليه الصلاة والسلام- في الصورة نفسها مبني على التخصيص؛ إذ قال: {وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُون}[الأعراف:159]، فذكر أن منهم من يفعل ذلك ،ثم عدد صنوف إنعامه عليهم، وأوامره لهم، فلما انتهت قال: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ}، فأتي في آخر ما حكى عنهم من مقابلة نعمة الله عليهم بتبديلهم ما قدم به القول إليهم بلفظ (من) التي هي للتخصيص والتمييز، بناءً على أوّل القصة؛ ليكون آخرها متوافقاً مع أوّلها.
5- في سورة ( البقرة) قال: { نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ}، وفي سورة (الأعراف) قال:{نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ}، ومن المعروف أن (خطايا) جمع تكسير يدل على الكثرة، وأن (خطيئات) مما جُمع بالألف والتاء ، والجمع بالألف والتاء إذا تدخل عليه (أل) يدل على القلة.
وتعليل هذا الاختلاف هو ما قلناه آنفاً: إنه لمّا كان إسناد القول في سورة ( البقرة) إلى الله تعالى ناسب تكثير النعم والفضائل، فأتي بما يدل على الكثير من الجم، ف (فعالى) من أوزان جمع الكثرة، وذلك ليدل على كرمه وجوده وعظيم امتنانه – سبحانه وتعالى-،فكأنه قال: نغفر لكم خطاياكم كلها جمعاء، وعكسه في سورة الأعراف.
قوله تعالى:{وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِين}[البقرة:60] .
وقوله تعالى:{ وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُون}[الأعراف:160].
ففي الآية الأولى قال:{فَانفَجَرَتْ }، وفي الثانية قال:{ فَانبَجَسَتْ }، والانفجار أبلغ؛ لأنه يعني انصباب الماء بكثرة، أما الانبجاس فهو ظهور الماء ولو كان قليلاً، وهو يسبق الانفجار؛ لأنه أوله، وقد أتى بالانفجار في سورة البقرة؛ لأنه استجابة لاستسقاء موسى – عليه السلام – لهم:{وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ}، ولذلك أمرهم بالأكل فقط . والله أعلم.
قوله تعالى:{ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُون}[البقرة:74].
أتى بالتفضيل من القسوة بوساطة{أَشَدُّ} مع أن الفعل: (قسا) مما يؤتى بـ( أفعل) التفضيل منه مباشرة، فيقال: (أقسى)،والسبب في ذلك – والله أعلم – أن الإتيان بـ { أَشَدُّ}أبين، وأدل على فرط القسوة، ولأنه لا يريد معنى (الأقسى)، ولكن قصد وصف القسوة بالشدة، كأنه قيل: اشتدت قسوة الحجارة، وقلوبهم أشد قسوة، كذا قال الزمخشري في ( الكشاف)، وقال ابن المنير: ((إن سياق هذه الأقاصيص قصد فيه الإسهاب لزيادة التقريع . . . .
ولا شك في أن قوله:{أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} أُدخل في الإسهاب من قول القائل: أو أقسى)).
فإن قيل : علام رُفعت كلمة { أَشَدُّ}، وقد وقعت بعد (أو) العاطفة؟
فأقول: إن رفعها إما بكونها معطوفة على الكاف من قوله:{ كَالْحِجَارَةِ }، فالكاف اسم بمعنى (مثل) واقع خبراً، وإما أن تكون{ أَشَدُّ} معطوفة على محل الجار والمجرور:(كالحجارة) إذا جعلنا الكاف حرف جر، والرأي الثالث – وهو الأصح- أن تكون{ أَشَدُّ} خبراً لمبتدأٍ محذوفٍ، تقدير: أو هي أشدُ.
قوله تعالى:{فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُون}[البقرة:79].
إن المتأمل لهذه الآية يرى قوله:{بِأَيْدِيهِمْ } كأنها زيادة يغني عنها ما قبلها؛ إذ معلوم سلفاً أن أولئك المحرفين لكلام الله تعالى كتبوه بأيديهم فيه زيادة في التشنيع عليهم،وفي تقريعهم وتقبيح أفعالهم؛ لأنهم قد باشروا هذا الصنيع السخيف بأيديهم، إذ يمكن أن يقال: كتب زيدٌ كتاباً، إذا أمر بكتابته، وإن لم يباشره، فإذا كان مهتماً به باشر كتابته بيده.
وإني أرى أن لقوله:{ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ } فائدةً أخرى هي المبالغة في إخفاء حقيقة التزوير؛ لمخادعة من يتلقى عنهم الكتاب المزور وزيادة التلبيس والتدليس عليه، فهم لا يثقون في غيرهم أن يحفظ سرهم لو طلبوا منه القيام بالكتابة نيابة عنهم . والله أعلم.
والمتأمل لقوله تعالى:{ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـذَا مِنْ عِندِ اللّهِ } يجد أن استعمال{ ثُمَّ} في النظم القرآني العظيم يدل على أنهم كانوا يخفون ما يكتبون حتى تمر عليه مددٌ طويلةٌ ينسي الناس خلالها أصل الكتاب، ثم ينسبونه إلى الله تعالى، فلا يجدون معارضاً لصنيعهم؛ فتقادم الزمن أنسى الناس حقيقة الأمر.
قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُون}[البقرة:83].
التولي والإعراض ظاهرهما أنهما شيء واحد، فما سر الجمع بينهما في هذه الآية؟
أقول: إن المقصود بالتولي هنا عدم الوفاء بالعهد الذي أخذ عليهم بعبادة الله تعالى، وبر الوالدين، والإحسان إليهما، ولذي القربي واليتامى والمساكين، ومخاطبة الناس بما يليق، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، ثم بين الله تعالى أنهم فعلوا ذلك غير متدبرين، ولا مفكرين في عواقب هذا التولي، فحصل منهم تول وإعراضٌ عن التفكر في عواقبه.
قوله تعالى:{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُون}[البقرة:87].
عبر المولى – عز وجل – عن التكذيب بالفعل الماضي{كَذَّبْتُمْ} الذي يدل على حصول الحدث وانقضائه، وعبر عن القتل بالمضارع{ تَقْتُلُون} الذي يدل على الزمن الحاضر أو المستقبل، مع أن القتل قد حصل، وانقضى فالسر في ذلك – والله أعلم – أن التعبير من المضارع بدلا من الماضي لاستحضاره في النفوس، وتصويره في القلوب لفظاعته.
ويمكن أن يقال: إن الفعل المضارع{ تَقْتُلُون }باق على زمنه ، وهو المستقبل؛ لأن اليهود كانوا في زمن الرسول يحومون حول قتل النبي ، لولا أن عصمه الله تعالى منهم، أما التكذيب فقد حصل منهم وانقضى.
قوله تعالى:{قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآَخِرَةُ عِندَ اللّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِين (94) وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمين (95)}[البقرة:94-95].
وقوله تعالى:{قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاء لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِين (6) وَلاَ يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِين(7)}[الجمعة:6-7].
في آية سورة البقرة قال:{وَلَن يَتَمَنَّوْهُ}، وفي آية سورة الجمعة قال:{وَلاَ يَتَمَنَّوْنَهُ}، والنفي بـ(لا) أعم من النفي بـ (لن)، قال السهيلي – رحمه الله-:((فحرف (لا) لامٌ بعدها ألف، يمتد بها الصوت ما لم يقطعه تضييق النفس، فآذن امتداد لفظها بامتداد معناها، و(لن) بعكس ذلك، فتأمله، فإنه معنى لطيفٌ، وغرضٌ شريف)) انتهى كلامه.
فـ(لا) تفيد العموم؛ لأن نفيها ينسحب على جميع الأزمنة، و(لن) تفيد القطع وقرب المنفيّ. وقال السهيلي – عليه من رحمة الله شآبيبها -:((على أني أقول: إن العرب – مع هذا – إنما تنفي ب(لن) ما كان ممكنا عند المخاطب، مظنونا أن سيكون، فتقول:(لن يكون) لما يمكن أن يكون؛ لأن (لن) فيها معنى (أن)، وإذا كان الأمر عندهم على الشك لا على الظن، كأنه يقول: أيكون أم لا يكون؟، قلت في النفي :(لا يكون) )).
وقد فرق كمال الدين عبدالواحد بن عبدالكريم الزملكاني بينهما تفريقاً مبنيا على اللفظ، فقال:
(((لن) محل استعمالها المظنون حصوله، ومحل استعمال (لا) المشكوك في حصوله، وهذا يعلمك أن (لن) آكد في النفي، على ما قاله فخر خوارزم رحمه الله، وإن كان زمانها أقصر؛ ومما يثبت عندك ذلك قوله – عز وجل-:{وَلاَ يَتَمَنَّوْنَهُأَبَدًا} بعد حرف الشرط، وهو{قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاء لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِين (6)}، كأنه قيل: متى زعموا ذلك في وقت من الأوقات، وقيل: تمنوا الموت، فلا يتمنونه أبداً.
فلما كان حرف الشرط لا يختص بوقت دون وقت، وعم جميع الأزمنة، قوبل بـ(لا)؛ ليعم ما جُعل جوابا له.
ولما فات العموم من قوله تعالى:{قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآَخِرَةُ عِندَ اللّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِين}؛ بسبب دخول (كان)؛ لكونها لا تدل على الحدث،بل تدخل على المبتدأ والخبر؛ لتقرن مضمون الجملة بالزمان الماضي، وكأنه قيل: إن كانت قد وجبت لكم الدار الآخرة عند الله فتمنوا الموت الآن.
وكان حرف الشرط داخلاً على فعل أمده قريب جاء في جوابه (لن)، فانتظم الخطاب في الآيتين)) انتهى كلامه.
ولكني أري بينهما تفريقا من حيث المعنى؛ فإن فائدة{لن} في آية سورة البقرة الدلالة على القطع والبتات؛ لأنه علق صحة فعل الشرط الذي ادّعوه – وهو كون الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس-على تمني الموت؛ ليصلوا إلى جنة التعليم الخالصة لهم من دون الناس بزعمهم، فالحبيبلا يكره لقاء حبيبه، بل يتمناه،((والابن لا يكره لقاء أبيه ولا سيما إذا علم أن كرامته ومثوبته مختصة به، بل أحب شيء إليه لقاء حبيبه وأبيه، فحيث لم يحب ذلك، ولم يتمنه، فهو كاذبٌ في قوله، مبطل في دعواه)).
ودعواهم بأن لهم الدار الآخرة خالصة عند الله، وزعمهم كما في غير هذه الآية أنهم أبناء الله وأحباؤه، لو صحت لكانت غاية ما يطلبه مطيع الله وعابده، فليس بعد حصول الدار الآخرة خالصة لأمة من الأمم مطلب أعظم منه، ولا يطمع طامع بزيادة عليه من حيث الظفر بالآخرة، والاستئثار بنعيمها، ونظرا إلى عظم هذه الدعوى ووثوق أصحابها بها احتاج الرد عليهم بها إلى ما هو أبلغ في القطع وأقوى، فجاء بـ {لن}القاطعة النافية، فقال:{وَلَن يَتَمَنَّوْهُ}، فهذا النفي كالصاعقة وقعت على رؤوسهم، ودحضت دعواهم.
أما في آية سورة (الجمعة) فقد عُلق على تمني الموت صحة فعل الشرط الذي ادعوه وهو كونهم أولياء لله من دون الناس، فليس زعمهم هذا مطلبا لا مطلب وراءه؛ لأنه يحتاجون بعد ذلك إلى طلب قبول أعمالهم كما يفعل الأولياء، ويرجون الثواب عليها في الآخرة، فلما كان الشرط في هذه الآية قاصراً عنه في سورة البقرة لم يُحتج في نفيه إلى ما يدل على القطع، فجاء بـ {وَلاَ }النافية، فقال:{وَلاَ يَتَمَنَّوْنَهُ}، وهذا النفي أيضا يدل على عموم الأزمنة؛ لأن دعواهم بأنهم أولياء الله وأحباؤه أكثر ترددا من دعواهم بأن لهم الدار الآخرة خالصة.
وههنا تنبيه يحسن ذكره،وهو: أن الزمخشري يرى أن (لن) تفيد التأبيد؛ للوصول إلى مذهبه الاعتزالي في نفي رؤية المؤمنين ربهم في الدنيا والآخرة مستدلاً بقوله تعالى:{وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي}[الأعراف:143].
والرد على الزمخشري سهل جدا؛ فإن الله سبحانه وتعالى قال: {فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا}[مريم:26]، فخص النفي باليوم، وهذا معارض للتأبيد، وفي سورة البقرة قال:{وَلَن يَتَمَنَّوْهُأَبَدًا}، ولو كانت (لن ) دالة على التأبيد لما احتاجت إلى التأكيد بقوله:{أَبَدًا}، ومما يرد على الزمخشري أيضا قوله تعالى:{قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى}[طه:91]، فقيد النفي برجوع موسى ، وهو منافٍ للتأبيد.
وعجيب أمر عالم جهبذ كالزمخشري، كيف يسقط مثل هذا السقطة؟ لكنه الانحراف في العقيدة، يُعمي ويُصم، ولا يخفى ذي بصيرة ما يعتور المعتزلة من قصور في فهم كلام الله، فهم كما قال الإمام ابن القيم – رحمه الله -: ((وهكذا كل صاحب بدعة تجده محجوبا عن فهم القرآن.
وتأمل قوله تعالى: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ}[الأنعام:103]، كيف نفى فعل الإدراك بـ{لاَّ}الدالة على طول النفي ودوامه؛ فإنه لا يدرك أبدا، وإن رآه المؤمنون فأبصارهم لا تدركه ، تعالى عن أن يحيط به مخلوق.
وكيف نفى الرؤية بـ{لَن}، فقال:{لَن تَرَانِي}؛ لأن النفي بها يتأبد، وقد أكذبهم الله في قولهم بتأبيد النفي بـ(لن) صريحا بقوله:{وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ }[الزخرف:77]، فهذا تمن للموت، فلو اقتضت (لن) دوام النفي تناقض الكلام، كيف، وهي مقرونة بالتأبيد بقوله:{وَلَن يَتَمَنَّوْهُأَبَدًا}؟، ولكن ذلك لا ينافي تمنيه في النار؛ لأن التأبيد قد يراد به التأبيد المقيد، أو التأبيد المطلق، فالمقيد كالتأبيد بمدة الحياة، كقولك: والله لا أكلمه ابدا، والمطلق كقوله: والله لا أكفر بربي أبدا.
وإذا كان كذلك فالآية إنما اقتضت نفي تمني الموت أبد الحياة الدنيا، ولم يتعرض للآخرة أصلاً؛ وذلك لأنهم لحبهم في للحياة، وكراهتهم للجزاء لا يتمنون الموت، وهذا منتفٍ في الآخرة.
فهكذا ينبغي أن يفهم كلام الله، لا كفهم المحرفين له عن مواضعه)).