عرض وقفات أسرار بلاغية

  • ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿٢٦﴾    [آل عمران   آية:٢٦]
قوله تعالى ( قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ) ال عمران ( 26) . ان الاصل في الاسماء اذا ذكرت ابتداء ان تكون ظاهرة ، فإذا ذكرت بعد أضمرت استغناء بالاسم الظاهر المتقدم ، فتكرار الكلمة إطناب ، والايجاز يدعو الى ضد ذلك ، والاظهار يحسن في موضعه ، كما هو الاضمار في موضعه . ولكن الاظهار في موضع الاضمار أتى في القران الكريم كثيرا محققا فوائد عظيمة وصلت به الى قمة البلاغة ، وتسنمت به ذرى الفصاحة وسنامها، ومن هذا الباب تلم الآيةالتي بين ايدينا ، فتأملوا تكريره كلمة ( الْمُلْكَ) حين قال ( تُؤْتِي الْمُلْكَ) لأنه لو قال ( تؤتيه ) لعاد الضمير الى ( الْمُلْكَ) في قوله ( مَالِكَ الْمُلْكِ) وهو ملك الله ، قال ابن الخشاب ، ولأوهم ذلك أن الله تعالى يعطى ملكه كله من يشاء ، وهذا غير صحيح ، وغير مراد ، بل المراد أن الله يعطى شيئا قليلا من ملكه لبعض البشر ، لا ينقص ذلك مهما كثر من ملكه – تعالى -شيء ، اما تكرار كلمة الملك مرة ثالثة في قوله ( وَتَنزِعُ الْمُلْكَ) فلتعدد المالكين . والله أعلم .
  • ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ﴿٤٥﴾    [آل عمران   آية:٤٥]
  • ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ﴿٤٢﴾    [آل عمران   آية:٤٢]
قوله تعالى ( إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ) ال عمران ( 45) . أشكل على المفسرين الضمير المذكرفي قوله ( اسْمُهُ الْمَسِيحُ) كيف يعود على المؤنث ، وهو ( بِكَلِمَةٍ) ، ولمَ لم يقل : ( بكلمة منه اسمها ) ؟! والجواب على هذا الاشكال : أن المرد بقوله : ( بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ) هو عيسى ابن مريم – عليه السلام – وهو مذكر ، فأعاد الضمير على المؤنث مذكراً نظراً الى المراد منه ، والعرب في كلامها تغلب المذكر على المؤنث ، والذى جعل ذلك الصنيع حسناً أن قوله ( اسْمُهُ) إعرابه مبتدأ ، وخبره قوله ( الْمَسِيحُ) ، وهو مذكر ، فذكر الضمير فيالمبتدأ ، ليناسب الخبر ، ولذلك : تقول : أهديتك هدية ، هي قلم ، لكن أحسن منه أن تقول : اهديتك هدية ، هو قلم . وكما أشكلت هذه الآية على المفسرين أشكلت ايضا على النحاة ، لانهم يقولون : اذا اجتمع اسم ولقب قدم الاسم وجوبا ، فتقول : هو محمد بن عبد الله الهاشميﷺ ، ولا يصح ان تقول : هو الهاشمي محمد بن عبد الله ﷺ، كما يفعل اخواننا اهل المغرب العربي حين يقولون : الناصري على ، وفى طاهر هذه الآية انه قدم اللقب ، وهو ( الْمَسِيحُ) على الاسم ( عِيسَى ) ، وقد حاول النحاة تخريج هذه الآية على عدة تخريجات : أصلحها ان المسيح ليس لقباً لعيسى – عليه السلام – وانما هو اسم له . وأعجب كيف ذهب النحويون في هذه الآية كل مذهب ، والله تعالى يقول ( اسْمُهُ الْمَسِيحُ ) فهذا نص من الله تعالى على ان المسيح اسم لعيسى – عليه السلام - ، فهل اسمه مركب كما يفعل كثير من المسلمين عرباً وغير عرب ؟ ربما يكون ذلك ، لكن الراجح عندي ان لعيسى – عليه السلام – أكثر من اسم ، كما كان رسولنا ﷺ أكثر من اسم ، حيث كان يسمى محمداً ، و أحمد ،و طه ، وغيرها . أما قوله ( ابْنُ مَرْيَمَ) فله فائدة عظيمه ، فمع ان مريم لا تحتاج الى ان تختبر انه ابن لها ، لعدم الشك فو بنوته لها ، لكنه مع ذلك نص عليها ، وفائدة هذا النص أن العرف جرى على ان ينسب الولد الى أبيه لا الى أمه ، فنسبته الى امه إعلام لها بأنه يولد من غير أب ، وهذه خصيصه يخص الله تعالى بها مريم ، بتطهيرها واصطفائها بهذه المكرمة العظيمة ، قال الله تعالى ( وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ) ال عمران (42) .
  • ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴿٩٩﴾    [آل عمران   آية:٩٩]
قوله تعالى ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنتُمْ شُهَدَاءُ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) ال عمران ( 99 ) . سبيل الله هو دين الاسلام ، أما صد أهل الكتاب عن سبيل اله فقد قيل فيه : إنهم يحتالون لصد من اراد الدخول في الاسلام عن ذلك ، وهذا التأويل يصح عند تأويل ( مَنْ آمَنَ ) بمن اراد الايمان . و أحسن هذا التفسير أن يقال : انهم يحاولون افتتان المسلمين بأن يثيروا ما بينهم من عداوات جاهلية ، كما كان اليهود يفعلون مع الأوس والخزرج ، أو بأن يشككوافي دين الاسلام و بالرسول ﷺاذ كانوا يقولون : ان صفته – عليه السلام – ليست في كتابهم ، ولا تقدمت البشارة به – عليه الصلاة والسلام –في كتابهم . والذى أريد ان الفت الانظار اليه في هذه الآية هو قوله : ( تَبْغُونَهَا عِوَجًا) فالضمير يعود على ( سَبِيلِ اللَّهِ) والسبيل يذّكر و يؤنث ، وهذه الآية شاهد على تأنيثه ، ومثلها قوله تعالى (قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي) يوسف (108 ) . ومن التذكير قوله تعالى ( وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ) الاعراف ( 146) . والأصل ان يقال : تبغون لها عوجا ) ، لان الفعل ( بغى ) غير متعد بنفسه ، لكن عدل عنه الى ما هو أبلغ ، فان المعنى مع تقدير حرف الجر هو : تطلبون لها اعوجاجا ، فيكون (عِوَجًا ) مفعولا به ، لكن ما ورد فيالآية من حذف اللام ، وجعل الضمير مفعولا به ، وجعل ( عِوَجًا) حالا أكمل في المعنى ، حيث إنهم يريدون ان تكون الطريقة المستقيمة المشهود لها بالعدل العوج نفسه ، كما تقول : عمر عدل ، فهو أبلغ من قولك : عمر عادل ، ففي المثال الاول كأن عمر صار العدل كله ، لا اين يكون معوجاً فقط ، والله أعلم .
  • ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ﴿١١٠﴾    [آل عمران   آية:١١٠]
قوله تعالى : ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ۚ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) ال عمران ( 110 ) . عد بعض المفسرين والنحاة ( كان ) ههنا زائدة ، وجعل المعنى : أنتم خير أمة أخرجت للناس ، وبعضهم جعلها بمعنى ( صار ) أي : صرتم خير أمة أخرجت للناس . وهذان القولان غير حسنين ، فادعاء زيادتها خطأ واضح ، لأن ( كان ) لا تزاد في أول الكلام ، وأما جعلها بمعنى ( صار ) فمعناها : أنهم لم يكونوا خير أمة للناس ، ولكنهم صاروا فيما بعد ، وهو صحيح ولو أريد بهذه الأمة العرب ، أما والمراد بها المسلمون فالمعنى غير مستقيم . ولعل الصحيح – والله أعلم – أن ( كان ) على معناها الأصلي مع افادة معنى الدوام ، أي : كنتم في سابق علم الله ، أو يوم أخد الله المواثيق على الذرية ، خير أمه أخرجت للناس ، ولا تزالون كذلك ، فتفيد ( كان ) هنا أن خيريّتهم على الناس صفة أصلية فيهم ، لا عارضة متجددة . *****
  • ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴿١٥٩﴾    [آل عمران   آية:١٥٩]
  • ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴿١٣﴾    [المائدة   آية:١٣]
قوله تعالى ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴿١٥٩﴾) ال عمران ( 159) . قبل الابحار بسفينة التأمل في هذه الآيةالكريمة يجدر بي أن أتناول أراء العلماء في القول بوقوع الزيادة فيالقران الكريم ، فأقول : اختلف العلماء في القول بوقوع الزيادة في القران الكريم ، وفى تسميتها ، سواء وقعت بالحرف ، أم بالفعل ، فالبصريون يجيزون وقوعها ، ويسمونها ( زيادة ، أو لغواً ) ، والكوفيون يجيزون أيضاً وقوعها ، ويسمونه ( صلة ، أو حشواً ) . والعلماء في القول بوقوع الزيادة في القران فريقان : فريق ينفيه كالمبرد وثعلب وابن السراج ، قال الشريف الرضى : " وأقول : ان لأبى العباس المبرد مذهبا في جملة الحروف المزيدة في القران ، أنا أذهب اليه ، أتبع نهجه فيه ، وهو اعتقاد انه ليس شيء من الحروف جاء في القران الا لمعنى مفيد ، ولا يجوز أن يكون لقى مطرحاً ، ولا خاليا من الفائدة صفراً ، وذلك ان الزيادات والنقائص في الكلام انا يضطر اليها ، ويحمل عليها الشعر الى هو مقيد بالأوزانوالقوافي ... فأما اذا كان الكلام محلول العقال ، مخلوع العذار ، ممكنا من الجريفي مضماره ، غير محجوز بينه وبين غاياته ، فان شاء صاحبه أرسل عنانة ، فخرج جامحاً ، وان شاء قدع لجامه ( أي : كبحه ) ، فوقف جانحاً ، لا يحصره أمد دون امد ، ولا يقف به حد دون حد ، فلا تكون الزيادات الواقعة فيه الا عيا واستراحة ولغوبا والاحة ، وهذه منزلة ترفع عنها كلام الله سبحانه الذى هو المتعذر المعوز ، والممتنع المعجز " . والفريق الثاني : يثبت الزيادة في القران الكريم ، وهو أكثر المفسرين والنحاة والفقهاء ، وان كره اسمها بعضهم ، كابن هشام الذى يقول : " وينبغي ان يتجنب المعرب ان يقول في حرف في كتاب الله تعالى : انه زائد ، لأنه لا يسبق الاذهان ان الزائد هو الذى لا معنى له ، وكلا الله سبحانه منزه عن ذلك " . وهذا الفريقان صنفان : صنف يجعل وجود الزائد كالعدم ، ولا شك في أن هذا قول فاسد لا يصح ، وهو الذى جعل النافين يشنعون على المثبتين اثباتهم الزيادة في القران ، كما فعل الشريف الرضى أنفاً ، لانهم يعتقدون أن الزائد ليس ليه فائدة في الاعراب ولا في المعنى ، ولا شك في ان الحكم بوجود زيادة في القران الكريم على هذه التعريف لها – وهو : ما لات تأثير للمزيد في الاعراب ولا في المعنى – غير صحيح . والصنف الثاني : يجعل الزائد غير مؤثر في الاعراب فقط ، أما في المعنى فلا يكتفى بإثبات معنى له ، بل يجعل له معنى زائداً في الجملة عليها لو خلت منه . قال ابن يعيش " وقد أنكر بعضهم وقوع هذه الاحرف زوائد لغير معنى ، اذا ذلك يكون كالعبث ، والتنزيل منزه عن مثل ذلك . وليس يخلو انكارهم ذلك من انهم لم يجدوه في اللغة ، او لما ذكروه من المعنى ، فإن كان الاول فقد جاء التنزيل والعشر مالا يحصى . ، وان كان الثاني فليس كما ظنوا ، لان قولنا : ( زائد ) ليس المراد أنه قد دخل لغير معنى البتة ، بل يزيد لضرب من التأكيد ، والتأكيد منى معنى ، قال سيبويه عقيب ( فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ) المائدة ( 13 ) . ونظائره : فهو لغو من حيث انها لم تحدث شيئا لم يكن قبل أن تجئ ، من المعنى سوى تأكيد الكلام . ومما سبق يتبين أن سبب الخلاف في إثبات وقوع الزيادة أو الصلة في كتاب الله تعالى راجع – ككثير من الاشياء المنفية عن القران الكريم كالمجاز مثلا – الى الاختلاف في تعريف الزائد ، فمن عرفه بأنه : ( ما ليس له أثر في الاعراب ولا المعنى ) . نفى وقوعه ، وأما من عرفه بأنه : ( ما لا أثر في الاعراب ، وله أثر في المعنى ) .. أجاز وقوعه ، وهو الصحيح ، فمما لا شك فيه أن الحرف الزائد لا يؤثر في الاعراب ، أما تأثيره في المعنى فيتضح فيالآياتالتيقيل فيها بالزيادة ، كهذهالآيةالتي بين ايدينا (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) ال عمران ( 159 ) . فإن ( ما ) في قوله : ( فَبِمَا رَحْمَةٍ) زائدة ، ومعنى الآية : ما لنت لهم الا برحمة عظيمة من الله ، ولو لم تزد ( ما ) لجاز أن يكون اللين حاصلا بسبب الرحمة وغيرها ، أما وقد زيدت فيه ( ما ) فقد نابت هنا عن نفى واثبات ، وأفادت الحصر ، فقطعت بأن اللين لم يكن الا بسبب الرحمة ، وهذا يدل على ان للزائد معنى زائداً ، وأنه ليس مهمل المعنى ، ولذلك رد أبو حيان – رحمة الله – على الرازي انكاره جعل ( ما ) ههنا زائدة ، حيث كان الرازي يرى ان دخول اللفظ المهمل الوضع في كلام أحكم الحاكمين غير جائز ، لكن المحققين يخالفونه في هذا ، ومنهم أبو حيان الذى خالفه قائلا : " وما قاله المحققون صحيح ، لكن زيادة ( ما ) للتوكيد لا ينكره في اماكنه من له أدنى تعلق بالعربية فضلا عن من يتعاطى تفسير كلام الله ، وليس ( ما ) في هذا المكان مما يتوهمه أحد مهملا " . انتهى كلامه . والرأي المتناقض للفريقين في هذه الآية يوضح أن السبب في ذلك هو ما ذكرته أنفا من ان سبب الاختلاف في الجواز وعدمه واجع الى الاختلاف في المراد بالزيادة .
  • ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﴿١٦٤﴾    [آل عمران   آية:١٦٤]
  • ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﴿٢﴾    [الجمعة   آية:٢]
  • ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ﴿١١٣﴾    [النحل   آية:١١٣]
قوله تعالى ( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) ال عمران ( 164 ) . (المن ) صفة مدح وصفة ذم ، فهيفي حق الله تعالى مدح ، فمن الله ابتداؤه وتفضله بالنعم العظيمة من غير أن يعتد سبحانه وتعالى بمقابلتها من خلقه بمثلها ، فهو يحسن الى من لا يستثيبه ، ولا يطلب منه الجزاء عليه ، وهذا النوع لا يكون الا بالأفعال ، فلا يصاحبه من قولي ، وهذا النوع خاص بالله جل وعلا . ويكون المن في حق غير الله تعالى ذماً ، لأنه القول أو الفعل المشعر بتعالي صاحب الفضل على المتفضل عليه بتعظيم احسانه اليه ، وفخره به ، وتذكيره اياه ، وان يبدئ فيه ، ويعيد حتى يفسده ، ويبغضه اليه ، ومن هذا النوع قوله تعالى ( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى ۙ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) البقرة (262) . وعودا على بدء أقول : ان قوله تعالى فيالآية الاولى : ( رَسُولا مِنْ أَنْفُسِهِمْ) غاية روعة التعبير ، فقوله ( مِنْ أَنْفُسِهِمْ) يدل على القرب والخصوص الحقيقيين ، لان قولك : محمد من أنفس المؤمنين ، يدل على انه من خاصتهم ، وانه قريب جدا منهم ، لا أنه منتسب اليهم انتسابا قد يكون مجازيا مراد به التشريف ، كقول رسول الله ﷺ ( سلمان منا أهل البيت ) فالرسول ﷺمن أقرب المقربين الى المؤمنين ، ولذلك لما كان الحديث غير خاص بالمؤمنين في قوله تعالى : ( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) الجمعة (2) . لم يقل فيها ( من أنفسهم ) وانما قال ( مِّنْهُمْ) ، لان الكلام عن العرب عامة ، لا عن المؤمنين خاصة ، قال احمد بن ابراهيم الغرناطي : " ان قولك : فلان نت أنفس القوم ، أوقع في القرب والخصوص من قولك : فلان منهم ، فإن هذا قد يراد للنوعية ، فلا يتلخص لتقريب المنزلة والشرف الا بقرينة ، أما ( من انفسهم ) فأخص ، فلا يفتقر الى قرينة ، ولذلك وردت حيث قصد التعريف بعظيم النعمة به ﷺعلى امته ، وجليل اشفاقه ، وحرص على نجاتهم ، ورأفته ورحمته بهم ، فقال تعالى ( لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ) التوبة ( 128 ) . وقال تعالى في من كان على الضد من حال المؤمنين المستجيبين : ( وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ) النحل (113 ) فتأمل موقع قوله هنا : ( مِّنْهُمْ) لما قصد انه انعام عليهم لم يوفقوا لمعرفة قدره ، ولا للاستجابة المثمرة النجاة ... " .
  • ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا ﴿٢﴾    [النساء   آية:٢]
قوله تعالى (وَآتُوا الْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ ۖ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ۖ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا) النساء (2) . عدى الفعل ( تَأْكُلُوا) الى مفعول ثان هو ( أَمْوَالِكُمْ) ب (إِلَىٰ) لأنه ضمنه معنى فعل اخر هو ( يضم ) ، فالمراد به هنا ( لا تضموا ) . ويكون معنى الآية : ولا تأكلوا ، ولا تضموا أموالهم الى اموالكم ، ولو لم يأت ب ( إِلَىٰ) ما كان النهى الا عن الاكل فقط ، وما دخل في المنهى عنه الضم الذى قد يوقع في الانفاق من اموال اليتامى لالتباس المنفق بأنها من امواله ، فهذا من النهى عن مقاربة المحذورات خشية الوقوع فيها . وههنا إشارة لطيفة الى قوله ( وَلَا تَأْكُلُوا) ، فالنهى فيها انما هو عن مس مال اليتيم بأي وجه من الوجوه غير الجائزة ، سواء أكان بالأكل أم اللباس ام النكاح ام غيرها ، لكن خص الاكل بالتنبيه عليه ، لان العرب كانت تكره الاكثار من الاكل ، وتذم به ، قال الشاعر اذا ما الفتى لم يبغ الا لباسه ومطعمه فالخير منه بعيد وتعد البطنة من البهيمية ، وتعيب على من اتخذها ديدنه ، فقالت ( فلان عنده بطن ) وقال بعض الحكماء عن صاحب له ( عظمه فيعيني صغير في الدنيا في عينيه ، كان خارجا من سلطان بطنه ، فلا يشتهى ما لا يجد ، ولا يكثر اذا وجد ) . وقال امير المؤمنين عمر بن الخطاب – رضى الله عنه - في بعض خطبه " اياكم والبطنة ، فأنهامكسلة عن العبادة ، مفسدة للجسم ، مؤدية للسقم ، وعليكم بالقصد في قوتكم ، فانه أبعد من السرف ، وأصح للبدن ، وأقوى للعبادة ، وان العبد لن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه " . وقال عبد الله بن الزبير الأسدي : فلا تكونن كمن ألقته بطنه بين القرينين حتى ظل مقروناً وكانت العرب تفتخر بعدم الجشع في الأكل ، قال الشنفرى : وان مدت الايدى الى الزاد لم أكن بأعجلهم اذ أجشع الناس أعجل ولذلك غضب الزبرقان بن بدر – رضى الله عنه – من قول الحطيئة : دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسى وقال الأعشى : يا بنى المنذر بن عبدان والبطنة مما يسفه الأحلاما وقال معاوية بن ابى سفيان – رضى الله عنهما - : ( البطنة تأفن الفطنة ) ، وقال عمرو بن العاص لمعاويه– رضى الله عنهما – يوم الحكمين : ( أكثر لهم من الطعام ، فوالله ما بطن قوم الا فقدوا بعض عقولهم ) وقال حميد : أتانا ولم يعدله سبحان وائل بيانا وعلماً بالذى هو قائل فما زال عنه اللقم حتى كأنه من العىّ لما أن تكلم باقل وقال الامام الشافعى– رحمه الله –" ما شبعت منذ ستة عشرة سنه ، لأن الشبع يثقل البدن ، ويزيل الفطنة ، ويجلب النوم ، ويضعف صاحبه عن العبادة " . وليس كذلك سائر الملاذ عند العرب ، فأنهم ربما يتفاخرون بالاكثار من النكاح ، ويعدونه من زينة الدنيا ، فكانت اياد تفخر على العرب وتقول منا أجود الناس كعب بن مامة ، ومنا أشعر الناس أو داود ، ومنا أنكح الناس ابن ألغز . وقال النابغة الجعدى رضى الله عنه : فما وجدت فرقة عربية كفيلا دنا منا أعز وأنصـــــرا واكثر منا ناكحـــــــــــــا أصيب سباء أو أرادت تخيرا فلما كان الاكل عندهم أقبح الملاذ خص بالنهى عنه فيالآية ، لتنفر النفس منه بمقتضى طبعها المألوف ، فيجرها ذلك الى النفور من صرف مال اليتيم في سائر الملاذ الأخرى . والله أعلم
  • ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ ﴿٤٧﴾    [يوسف   آية:٤٧]
  • ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ ﴿٤٨﴾    [يوسف   آية:٤٨]
  • ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ﴿٤٩﴾    [يوسف   آية:٤٩]
  • ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴿١٣٠﴾    [الأعراف   آية:١٣٠]
  • ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴿١٤﴾    [لقمان   آية:١٤]
  • ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴿١٨﴾    [البقرة   آية:١٨]
  • ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴿٣٧﴾    [التوبة   آية:٣٧]
  • ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿٢٥٩﴾    [البقرة   آية:٢٥٩]
  • ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ﴿١٤﴾    [العنكبوت   آية:١٤]
  • ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ﴿٤﴾    [المعارج   آية:٤]
  • ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ﴿٤٧﴾    [الحج   آية:٤٧]
قوله تعالي : " قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49) " { يوسف : 47 – 49 } . قال ابن الجواليقي : " ولا تُفرّقُ عوامُّ النّاس بين ( العام ) و ( السَّنَةِ ) ، ويجعلونهما بمعنًي واحدٍ ، فيقولون : سافرَ في وقتٍ من السَّنَةِ ، أي : وقتَ كان إلي مثله ذلك ، وهو غلطٌ ، والصوابُ ما أُخبِرتُ به عن أحمد بن يحي أنّه قال : ( السَّنَةُ ) من أيّ يومٍ عددتَهُ إلي مثله . و( العامُ ) لا يكون إلا شتاءً وصيفًا ، وليس ( السَّنَةُ ) و( العامُ ) مشتقّين من شئ ، فإذا عددتَ من اليوم إلي مثله فهو سَّنَةٌ ، يدخلُ فيه نصفُ الشتاء ونصفُ الصيف ، والعامُ لا يكون إلا صيفًا وشتاءً ... فالعامُ أخصُّ من السَّنَةِ ، فعلي هذا تقول : كلُّ ( عامٍ ) سَّنَةٌ ، وليس كلُّ ( سَنَةٍ ) عامًا " انتهى من تاج العروس للزبيدى : 8 / 413 . وقال الراغب الأصفهانيّ في كتابه ( المفردات ) ص 245 : " وأكثر ما تُستعملُ السَّنَةُ في الحَوْلِ الذي فيه الجَدْبُ ، يقال : أسنتَ القومُ ، أصابتهم السَّنَةُ " ، وقال في موضعٍ آخر ص 354 : " العامُ كالسَّنَةِ لكن كثيرًا ما تُسْتَعْملُ السَّنَةُ في الحَوْلِ الذي يكون فيه الشدّةُ أو الجَدَبُ ، ولهذا يُعبّرُ عن الجَدْبِ بالسَّنَةِ ، والعام بما فيه الرخاء والخِصْبُ " . وقد سار أكثر المفسّرين – أبى السعود : 4 / 238 - علي التفريق بينهما من حيث القَحْطُ والخِصْبُ ، واستشهدوا علي ذلك بأحاديث ، منها ما رواه مسلمٌ - رحمه الله - عن ثوبان - رضي الله عنه - أنّ رسول الله صلي الله عليه وسلم قال : ( .... وإنّي سألتُ ربّي لأمّتي أن لا يهلكها بسنةٍ بعامّهٍ ) صحيح مسلم : 3 / 2215 . وأقول : أوضح منه في الاستشهاد ما رواه مسلمٌ - رحمه الله - عن أبي هريرة أنّ رسول الله - صلي الله عليه وسلم - قال : ( ليست السَّنَةُ بأن لا تُمطروا ، ولكنّ السَّنَةَ أن تُمطروا ، وتمطروا ، ولا تُنبِتُ الأرضُ شيئًا ) صحيح مسلم : 3 / 2228 . ؛ لأنّ رسول الله - صلي الله صلي الله عليه وسلم - سار في تعريفه للسَّنَةِ علي ما يعرفه أصحابه - رضي الله عنهم - ، ثمّ بيّنَ لهم التعريف الصحيحَ لهم . ولكنْ فرّقَ بينهما أبو هلال العسكريّ من جوانب أخري ، فقال الفروق اللغوية : 224 : " الفرق بين ( العام ) و( السَّنَةِ ) أنّ العامَ جمعُ أيّامٍ ، والسَّنَةَ جمعُ شهورٍ ، ألا تري أنّه لمّا كان يُقال : أيّامُ الرنْجِ ، قيل عامُ الرنْجِ ، ولمّا لم يُقَل : شهورُ الرنْجِ ، لم يُقَلْ : سنة الرنْجِ . ويجوز أن يقال : ( العام ) يفيد كونه وقتًا لشئ ، ( والسَّنَةُ ) لا تفيد ذلك , ولهذا يقال : عامُ الفيل ، ولا يقال : سنة الفيل ، ويقال في التاريخ : سنة مئةٍ ، وسنة خمسين ، ولا يقال : عام مئة وعام خمسين ؛ إذ ليس وقتًا لشئ ممّا ذُكِرَ من هذا العددِ ، ومع هذا فإنّ العامَ هو السَّنَةُ ، والسَّنَةَ هي العامُ ، وإن اقتضي كلُّ واحد منهما ما لا يقتضيه الآخر ممّا ذكرناه ، كما أن الكلَّ هو الجَمْعُ ، والجَمْعُ هو الكلُّ ، وإن كان الكلُّ إحاطةً بالأبعاض ، والجَمْعُ إحاطةً بالأجزاء " . ويري السهيليّ - رحمه الله - أنّ الفرق بينهما أنّ ( العام ) يطلق علي ذي الشهور القمريّة ، وأمّا ( السنة ) فتطلق علي ذات الشهور الشمسيّة الروض الأنف 2 / 57 – 59 . وعودًا إلي الآيات التي هي محلّ هذه النظرة نجد المولي - عز وجل - قال : " سَبْعَ سِنِينَ " , ثمّ قال : " عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ " , ففي الأولي استعمل السنين , ثمّ استعمل العام , فما السرّ في ذلك ؟ . قال السهيلي - رحمه الله – الروض الأنف : 2 / 57 – 58 : " قال : " سِنِينَ " , ولم يقل : ( أعواما ) , و السَّنَةُ و العامُ - وإن اتّسعت العربُ فيهما واستعملتْ كلَّ واحد منهما مكانَ الآخر اتّساعًا - ولكَنَّ بينهما في حكم البلاغة والعلم بتنـزيل الكلام فرقًا فَخُذْهُ : أولًا : من الاشتقاق ؛ فإنّ السَّنَهَ من : سَنا , يَسْنُو , إذا دار حول البئر والدابّة : هي السانية , فكذلك السَّنَهُ : دورةٌ من دورات الشمس , وقد تسمّي السَّنَةُ ( دارا ) ؛ ففي الخبر : ( إنّ بين آدم ونوحٍ ألفَ دارا ) , أي : ألف سَّنَةٍ هذا أصل الاسم , ومن ثمّ قالوا : أكلتْهم السَّنَةُ , فسمّوا شدّة القحط سنةً , قال الله سبحانه : " وَلَقَدْ أَخَذْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ " الأعراف : 130 , ومن ثمّ قيل : أسنتَ القومُ , إذا أقحطوا .. ؛ لأنّ الجُدُوبَةَ والخِصْبَ معتبرٌ بالشتاء والصيف , وحسابُ العجم إنّما هو بالسنين الشمسيّة , بها يؤرّخون ...... وانظرْ بعد هذا إلي قوله : " تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا " , ولم يقل : ( أعوامًا ) , ففيه شاهدٌ لما تقدّم , غير أنّه قال : " ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ " , ولم يقل : سنة , عدولًا عن اللفظ المشترك ؛ فإن السنة قد يعبّر بها عن الشدّة و الأزمة , كما تقدّم , فلو قال : ( سَّنَةٌ ) لذهب الوهم إليها ؛ لأنَّ العامَ أقلُّ أيّامًا من السنة , وإنّما دلّتِ الرؤيا علي سبعِ سنينَ شدادٍ , و إذا انقضي العدد فليس بعد الشدّة إلا رخاءٌ , وليس في الرؤيا ما يدلُّ علي مدّة ذلك الرخاء , و لا يمكن أن يكون أقلّ من عامٍ , و الزيادة علي العام مشكوكٌ فيها , ولا تقتضيها الرؤيا , فَحُكِمَ بالأقلِّ , وَتُرِكَ ما يقع فيه الشكُّ من الزيادة علي العام , فهاتان فائدتان في اللفظ بالعام في هذا الموطن " . ثمّ وجَّهَ السهيليّ - رحمه الله - بعض الآيات , فقال الروض الأنف : 2 / 58 – 59 : " وأمّا قوله : " وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً " الأحقاف : 15 , فإنّما ذكر السنين , وهي أطول من الأعوام ؛ لأنّه مخبرٌ عن اكتهالِ الإنسانِ , و تمامِ قوّتِهِ , و استوائِهِ , فلفظ السنين أولى بهذا الموطن ؛ لأنّها أكملُ من الأعوام . وفائدة أخري : أنه خبرٌ عن السنّ , والسنُّ معتبرٌ بالسنين ؛ لأنّ أصل السنّ في الحيوان لا يُعْتَبَرُ إلا بالسَّنَةِ الشمسيّة ؛ لأنَّ النتاجَ و الحملَ يكون بالربيع والصيف , حتّي قيل : ( رِبعيّ ) للبكيرِ , و ( صيفيّ ) للمُؤخَّرِ ...... , فلمّا قيل ذلك في الفصيل ونحوه : ابنُ سنةٍ , وابن سنتين , قيل ذلك في الآدميّين , وإن كان أصله في الماشية . وأمّا قوله : " وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ " لقمان : 14 , فلأنّه قال سبحانه : " يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ " البقرة : 189 , فالرضاع من الأحكام الشرعية , و قد قصرنا فيها علي الحساب بالأهلّة . وكذلك قوله : " يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا " التوبة : 37 , ولم يقل : سنة ؛ لأنه يعني شهر المحرّم وربيع إلي آخر العام , ولم يكونوا يحسبون بأيلول , ولا بتشرين ولا بينير , وهي الشهور الشمسية . وقوله سبحانه : " فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ " البقرة : 259 , إخبارٌ منه لمحمّد - صلي الله عليه وسلم - وأمّته , وحسابهم بالأعوام والأهلّة كما وقّتَ لهم سبحانه . وقوله سبحانه في قصّة نوح : " فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا " العنكبوت : 14 , قيل : إنّما ذكر أولًا السنين ؛ لأنّه كان في شدائدَ مُدَّتَهُ كُلَّها إلا خمسين عامًا منذ جاءه الفرج , وأتاه الغوث , و يجوز أن يكون الله سبحانه عَلِمَ أنّ عُمُرَهُ كان ألفًا إلا أن الخمسين منها كانتْ أعوامًا فيكون عمره ألفَ سنة , ينقص منها ما بين السنين الشمسية و القمريّة في الخمسين خاصّة ؛ لأن خمسين عامًا بحساب الأهلّة أقلّ من خمسين سنة شمسيّة بنحو عامٍ و نصف , فإن كان الله سبحانه قد عَلِمَ هذا من عُمُره , فاللفظُ موافقٌ لهذا المعني , و إلا ففي القول الأوّل مقنعٌ , والله اعلم بما أراد . فتأمّل هذا ؛ فإنّ العلم بتنـزيل الكلام ووضع الألفاظ في مواضعها اللائقة بها يفتح لك بابًا من العلم بإعجاز القرآن . وابْنِ هذا الأصلَ تَعْرِفِ المعني في قوله تعالي : " فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4) " المعارج : 4 وقوله تعالي : " وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (47) " الحج : 47 , وأنه كلامٌ وَرَدَ في مَعْرضِ التكثير والتفخيمِ لطول ذلك اليومِ , و السَّنَهُ أطولُ من العامِ , كما تقدّم , فلفظها أليقُ بهذا المقام .
  • ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴿٧٦﴾    [يوسف   آية:٧٦]
  • ﴿فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِـقًا مِّنَ اللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ﴿٨٠﴾    [يوسف   آية:٨٠]
  • ﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ ﴿٨١﴾    [يوسف   آية:٨١]
  • ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ﴿٨٢﴾    [يوسف   آية:٨٢]
قوله تعالي : " فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76) " يوسف : 76 . كرّر كلمتي " وِعَاءِ أَخِيهِ " وذلك لأسباب : أمّا تكرار كلمه " وِعَاءِ " فإنّه لو قال : ( ثمَّ استخرجها منه ) لأوهمَ الكلامُ أنّه استخرجها من أخيه ؛ لأنّه أقربُ مذكورٍ , قال ابنُ الحاجبِ في أماليه الأمالى النحوية : 1 / 102 – 103 : " فيصيرُ كأنَّ الأخَ كانَ مُباشَرًا بطلبِ خروجِ الوعاء , ولم يكن الأمرُ كذلك ؛ لما في المباشَرةِ من الأذى الذي تأباهُ النفوسُ الأبيّةُ , فَأُعِيدَ بلفظِ الظاهر ؛ لنفي هذا التوّهمِ " . وأمّا تكرارُ كلمة " أَخِيهِ " فإنّه لو قال : ( ثمّ استخرجها من وعائه ) لأوهمَ الكلامُ أنَّ يوسفَ - عليه السلام - استخرجها من وعائه هو - أي من وعاءِ يوسفَ - ؛ لأنّ الأصل في الضمير أن يعود علي أقرب مذكور , و هو يوسف البرهان فى علوم القرآن . ثُمَّ إنَّ تكرارَ هذه الكلمة فيه تأكيدٌ علي منزلةِ الأخِ في قلبِ يوسفَ - عليه السلام - . والله اعلم . قوله تعالى : " فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (80) " يوسف : 80 . يروي أنّ أعرابيًا سمع قارئًا يقرأ هذه الآية , فقال : ( أشهدُ أنّ مخلوقًا لا يقدر علي مثل هذا الكلام ) البداية والنهاية لابن كثير : 1 / 64 ؛ فالاستفعال هنا " اسْتَيْئَسُوا "يدلّ علي شدّة قنوط إخوه يوسف - عليه السلام - بعد تكرار محاولاتهم بأن يأخذ يوسف أحدهم مكان أخيهم الذي عاهدوا أباهم علي الحفاظ عليه , قال أبو السعود - رحمه الله - : " فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ " أي : يئسوا من يوسف وإجابته لهم أشدّ يأس بدلالة صيغة الإستفعال , وإنّما حَصَلَتْ لهم هذه المرتبةُ من اليأس ؛ لما شاهدوه من عوذه بالله ممّا طلبوه , الدالِّ علي كون ذلك عنده في أقصي مراتب الكراهة , وأنّه ممّا يجب أن يُحْتَرَزَ عنه , ويَعُاذَ منه بالله عزّ وجلّ , ومن تسميته ضلما بقوله : " إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ " . " خَلَصُوا " : اعتزلوا , وانفردوا عن الناس , " نَجِيًّا " أى : ذوي نجوي ، علي أن يكون بمعني النجوي والتناجي ، أو : فوجا نجيًّا ، علي أن يكون بمعني المناجي ، كالعشير والسمير بمعني المُعاشَر والمُسامَرِ . وأظن أنَّ سببَ سجود الأعرابيِّ هو ما يدلّ عليه قوله : " خَلَصُوا نَجِيًّا " من مبالغتهم في الإعتزال والانفراد عن النّاس ، وتحاشيهم أن يسمع أحدٌ كلامَهُمْ ، ومع ذلك أطلع الله تعالي نبيّه محمّدًا - صلي الله عليه وسلم - علي محاوراتهم ، حيث قال :" قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (80) ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (81) وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (82) " يوسف : 80 - 82.
  • ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ ﴿٣٧﴾    [الحجر   آية:٣٧]
  • ﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ﴿٣٨﴾    [الحجر   آية:٣٨]
قوله تعالي : " قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (37) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (38) " الحجر : 37 - 38 . فقد أضيفَ اليومُ إلي " الْوَقْتِ "، والظاهرُ أنَّهما بمعني واحد , فكأنّه قال : ( إلي وقت الوقت المعلوم ) ، فأضيفَ الشئُ إلي نفسِهِ ، وقد صحَّ ذلك ؛ لأنَّ " الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ " الذي أُضيفَ إليه " يَوْمِ " يرادُ به النفخُ في الصور ، أو القيامةُ ، فكأنّه قال : يوم النفخِ في الصور ، أو يوم القيامة ، فالوقتُ المعلومُ أصبح علمًا علي النفخ أو القيامة ، فلم تكنِ الإضافةُ ههنا من إضافةِ الشئ إلي نفسِه الممنوعةِ في اللغة الأمالى النحوية : 1 / 69 .
إظهار النتائج من 6571 إلى 6580 من إجمالي 12325 نتيجة.