قوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ْوَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيم}[البقرة:104].
حيث نادى الله تعالى المؤمنين بقوله:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ}، ولم يقل:(يا أيها المؤمنون)، مع أنها أخصر، بحذف الاسم الموصول، وبالتعبير بالاسم بدلا من الفعل؟
والجواب عن ذلك من وجهين– والله أعلم -:
الوجه الأول: أن التعبير بقوله:{الَّذِينَ آمَنُواْ} يشعر بتقدم حدوث إيمانهم؛ لأنه عبر عنه بالفعل الماضي، فهم قد آمنوا، وامتحن إيمانهم، وليسوا من المؤمنين قريبا، فلم يقع عليهم قول الله سبحانه تعالى: {الم(1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُون (2)}[العنكبوت:1-2]، ولو قال: (يا أيها المؤمنون) لم يدل على ذلك ، ولم يرد في القرآن: ( يا أيها المؤمنون) قط.
الوجه الثاني: أن (أل) تستعمل للدلالة على كمال الشيء، فإذا قيل: (يا أيها المؤمنون) دل على أن المخاطبين هم الذين كَمل إيمانهم، فإذا جاء بعد النداء أمر أو نهي تُوهم أن ذلك مخصوص بمن هم كاملو الإيمان، بخلاف ما إذا عبر بالاسم الموصول، فقيل:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ}، فإن الفعل لا يشعر إلا بمطلق الصفة، ومما وردت فيه (أل) دالة على الكمال قوله:{يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ}[يوسف:46]، وقوله:{قَالُواْ يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ}[يوسف:78]، ولعل من ذلك قوله: {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُون}[الكافرون:1]، والله أعلم.
وتأملوا قوله تعالى:{لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا}،فـ{رَاعِنَا} بمعنى: راقبنا ، وانتظرنا ، وتأن بنا ، يا رسول الله حتى نفهم ما تتلو علينا من كلام الله تعالى، ونحفظه ، ولم يكن في هذه اللفظة مأخذ، فينهى المؤمنون عن استعمالها مع رسول الله ، لكن اليهود حرفوا المراد بها، حيث جعلوه من الرعونة، فهم يعنون بها المسبة له ، فيقصدون بها الحمق، فض الله أفواههم.
وأخيرا تدبروا قوله تعالى:{لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَاوَقُولُواْ انظُرْنَا} حيث بدأ بالنهي، ثم أتى بالأمر ، وهذا مما عُرف لدى العرب بالتخلية قبل التحلية ، فنهى عن قول: (راعنا) ، ثم أتى بما هو أشق وأصعب ، حيث قيد الخطاب بقول:{انظُرْنَا} بعد أن حصل الاستئناس بالنهي.
قوله تعالى:{أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِير}[البقرة:107].
حيث جمع السماء ، وأفرد الأرض، ولم ترد الأرض في القرآن الكريم إلا مفردة، حتى ،أنه تعالى لما أراد الإشارة إلى تعددها قال:{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ }[الطلاق:12].
والسبب في ذلك – والله أعلم – على نوعين:
الأول: سبب معنوي قاله ابن جني، وهو: (( أن السماء بعيدة عنا، فلسنا نشاهد حالها، فنعلم اتصال بعضها ببعض، كاتصال أجزاء الأرض ببعضها البعض، ألا ترى أن السهل والجبل والوادي والبحر والبر لا تجد شيئاً من أجزائه منفردا عن صاحبه، ونحن لا نعلم هذا من حال السموات، كما علمنا، وتحققنا من حال الأرض، فلاق بالأرض أن تأتي بلفظ الإفراد، ولاق بالسماء أن تأتي بلفظ الجمع تارةً، وبلفظ الإفراد أخرى)) انتهى كلامه.
ثم إن الأرض لا نسبة لها إلى السموات في سعتها، قال الإمام ابن القيم – رحمه الله-:((بل هي بالنسبة إليها كحصاة في صحراء، فهي، وإن تعددت،وكبرت، بالنسبة إلى السماء كالواحد القليل، فاختير لها اسم الجنس)). ولذلك استعملت الأرض مفردة، والسماء مجموعة.
الثاني: سبب لفظي، وهو أنهم لو جمعوا الأرض جمع تكسير لقالوا: آرضٌ، كأفلس، أو آراضٌ، كأجمال، أو أرُوضٌ، كفُلوسٍ، وهذه الجموع ثقيلة، بعكس جمع السماء، فهو عذبٌ حسنٌ، قال ابن القيم – عليه رحمة الله- :((وأنت تجد السمع ينبو عنه بقدر ما يستحسن لفظ السموات، ولفظ السموات يلج في السمع بغير استئذان؛ لنصاعته وعذوبته)).
قوله تعالى:{وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِير}[البقرة:120].
وقوله تعالى: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظَّالِمِين}[البقرة:145].يجعل علماء اللغة (ما ) الموصولة بمعنى (الذي)، وهذا تعبيرٌ غير دقيق؛ لأنهما مختلفان من حيث المعنى ، ومن حيث الأحكام، فأما افتراقهما من حيث الأحكام فليس هذا مجال بحثه، لكنه مفصل في كثير من كتب النحو.
أما وجه اختلافهما في المعنى (( فإن (ما) اسم مبهم في غاية الإبهام، حتى إنها تقع على كل شيء، وقع على ما ليس بشيء ، ألا ترى أنك تقول: إن الله عالم بما كان وما لم يكن، و( مالم يكن) معدومٌ ، والمعدوم ليس بشيء، فلفرط إبهامها لم يجز الإخبار عنها حتى توصل بما يوضحها)).
وفي هاتين الآيتين التين هما موضع النظرة عبر في الآية الأولى بقوله: { بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ}، وفي الثانية بقوله: { بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ }، فعبر بـ {الَّذِي}في الأولى؛ لأن المراد بالعلم فيها العلم الكامل، وهو معرفة الله وصفاته، وبأن الهدى هدى الله ، فناسب ذكر {الَّذِي}؛ لكونه أبلغ في التعريف من (ما) ، وعبر بـ{مَا } في الآية الثانية؛ لأن المراد بالعلم فيها العلم بأن قبلة الله هي الكعبة ، وهو علم خاص ، فناسب ذكر {مَا }معه، والله أعلم.
قوله تعالى:{قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِير}[البقرة:126].
قال:{فَأُمَتِّعُهُ }، ومعلوم أن الزيادة في المبنى تدل على الزيادة في المعنى، و(متع) تدل على الكثرة ،فكيف وصف مصدرها فقال:{ قَلِيلاً }، فوصف الكثير بالقليل؟.
أقوله: السبب في ذلك – والله أعلم – أن الله تعالى مهما أغدق على ابن آدم من نعم الدنيا فإنها قليلة بالنظر إلى صيرورتها إلى نقص ونفاد وفناء، ونظراً إلى هلاكه ورحليه عن الدنيا وتركه ما فيها:
أماوي ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت نفس وضاف بها الصدر
فكثر الفعل بعين صاحب المتاع، وقلله بالنظر إلى حقيقته، ومثله قوله تعالى:{وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور (23)نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظ (24)}[لقمان:23-24].
قوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُون (159)إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيم (160) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِين(161)}[البقرة:159-161].
لو وقفنا أما هذه الآيات العظيمات متدبرين فيها لخرجنا منها بفوائد بديعة، منها:
الفائدة الأولى: أن الله تعالى عبر عن الكاتمين لما أنزله من البينات والهدى ، عبر عنهم بالفعل المضارع، فقال: {يَكْتُمُونَ}، ومن المعلوم أن الفعل المضارع يدل على الزمن المحاضر والمستقبل ، فالفعل{يَكْتُمُونَ} إذاً يدل على أن اليهود في الوقت الحاضر كاتمون للبينات والهدى، ولو وقع التعبير بلفظ الماضي لتوهم السامع أن الحديث عن قوم مضوا ، وليس عن قوم حاضرين، فيخرج حينئذ عن دائرة المذمومين يهود عصر التنزيل والعصور التالية له، وهذا غير مراد؛لأن صفات اليهود لا تتغير ، فالتعبير بالفعل المضارع يدل على تجدد الكتمان منهم ، فبقاؤهم عليه تجدد له.
الفائدة الثانية: قال الله تعالى:{ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ} والجملة خبر لـ(إن)، هي جملتان : كبرى وصغرى، فالصغرى جملة الخبر الفعلية{ يَلعَنُهُمُ اللّهُ}، والكبرى الجملة الاسمية: { أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ}، والتعبير بالجملتين ذو دلالة مزدوجة ،فهو بالجملة الاسمية يدل على ثبوت لعن الله ودوامه، وبالجملة الفعلية يدل على تجدد لعن الله لهم كلما تجدد كتمانهم، فهم يكتمون ، والله يلعنهم ، أي : يطردهم من رحمته.
والإشارة بـ{أُولَـئِكَ}التي تدل على البعد للدلالة على بعدهم بالإفساد، وإفراطهم فيه، ثم أن الإشارة لا تكون إلا للمشاهد، ومع ذلك أشار بها إلى صفاتهم، وهي لا تشاهد؛ وذلك لأن وصفهم بتلك الصفات جعلهم كالمشاهدين للسامع.
الفائدة الثالثة: في تكرار { يَلعَنُهُمُ}في قوله: { وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُون} مع إمكان أن يقال: (أولئك يلعنهم الله واللاعنون) ؛ وذلك لأن معنى اللعن في الثانية مختلف عنه في الأول، فإن اللعن من الله الطرد والإبعاد من رحمته ، واللحن من غيره الدعاء على الملعون بذلك ، فلاختلاف معنى اللعن تكرر الفعل، والله أعلم.
الفائدة الرابعة: قوله:{ اللاَّعِنُون} هذا الوصف المعرف بالألف واللام يشعر بأن هنالك قوما شغلهم الشاغل هو اللعن، وليس الأمر كذلك ؛ فما هناك من أحد متخصص باللعن، فيوصم به، إنما المراد هنا الذين يمكن أن يصدر منهم اللعن كالملائكة والصالحين الذين ينكرون المنكر، ويغضبون لله تعالى، ويطلعون على كتمان من يكتم آيات الله، فهم يلعنونهم لذلك ، فكأنهم اختصوا بذلك.
الفائدة الخامسة: اختلف النحاة في نوع الاستثناء في قوله: { إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ }، أمتصلٌ هو أم منقطعٌ؟.
ومعلوم أن الاستثناء المتصل: هو ما كان المستثنى فيه بعضاً من المستثنى منه، والاستثناء المنقطع: هو ما لم يكن فيه المستثنى جزءا من المستثنى منه.
فمن قال في هذه الآية: إن الاستثناء متصل، أراد أنه مستثنى التائبين ممن يلعنهم الله، ويلعنهم اللاعنون.
ومن قال: إن الاستثناء في هذه الآية منقطع جعل التائبين من غير الملعونين؛ لأنهم يرون أن من يلعنه الله لا يتوب عليه.
الفائدة السادسة: قال تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ }، عبر عن كفرهم بالفعل الماضي الذي يدل على ثبوت الكفر منهم ، ثم أردفه بالإخبار عن موتهم على حالة الكفر، وهذا الصنف من الناس لا توبة لهم ، ولا يغفر لهم الله ؛ لأنه تعالى يقول:{إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء}[النساء:116]،ولذلك عبر عن جزائهم بجملة اسمية تدل على الثبوت والدوام، وليس فيها استثناء ، فقال: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِين}، وتأملوا كيف عبر الله عن جزاء من يكتم آيات الله بقوله:{ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُوَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُون}، فاللعن عليهم غير دائم ؛ إمكان أن يتوبوا ، فيرضى الله عنهم ، فهو حديث عن أحياء.
أما الآية الكريمة الأخيرة فقد عبر فيها عن جزائهم بثبوت لعنة الله عليهم ودوامها، وكذلك لعنة الملائكة والناس أجمعين؛ لأنهم ماتوا على الكفر، فأُغلق دونهم باب التوبة، فالحديث عن هالكين.
قوله تعالى:{أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُون}[البقرة:187].
توطئة:
إن الأفعال اللازمة يمكن أن تتعدى إلى مفعولها بوساطة حرق الجر، مثل أن تقول: نظرت بطرف خفي، فتعدي الفعل (نظر) بالباء، أو بـ (إلى) كأن تقول: نظرت إلى الجبل.
فإذا قلت : نظرت من طرف خفي، فعديته بـ(من) دون الباء أو (إلى)، فبعض النحاة يقولون: إن (من) ضمنت معنى الباء ، وهؤلاء هم الذين يقولون بتناوب حروف الجر بعضها عن بعض، وهم يرون أن الحرف حينئذ يُبقي فيه رائحة من معناه الأصلي، يقول الكفوي: (( كل حرف كان له معنى متبادر، كالاستعلاء في (على) مثلا، ثم استعمل في غيره، فإنه لا يترك ذلك المعنى المتبادر بالكلية، بل يبقى فيه رائحة منه ، ويلاحظ معه)) وقال غيرهم : إن الحرف لا يُضمن معنى حرف آخر ، ولكن العامل فيه هو الذي يضمن معنى عامل آخر يتعدى بذلك الحرف، فيكون في ذلك دليل على الفعلين،أحدهما بالتصريح به، والثاني بالتضمن والإشارة إليه بالحرف الذي يقتضيه، مع غاية الاختصار.
ومثل الفعل اللازم الفعل المتعدي بنفسه حين يُستعمل متعديا بوساطة حرف الجر، فيكون مضمناً معنى فعل آخر، كقول إمام الصلاة: سمع الله لمن حمده، فقد عدى الفعل (سمع) إلى مفعوله (من حمده) باللام مع إمكان أن يقول: سمع الله من حمده.
والسبب في ذلك أنه ضمّن (سمع) معنى (استجاب) و (استجاب) يتعدى بوساطة حرف الجر (اللام)، فكأنه قال: سمع الله، واستجاب لمن حمده.
وهذا يؤيد قول القائلين: إن التضمين يكون في الفعل، لا في الحرف؛ لأن وجود الحرف هنا غير جائز أصلا لو لم يشرب الفعل معنى فعل آخر.
وههنا في هذه الآية التي بين أيدينا موضعا للنظرة وقفتان:
الأولى: يقال: رفش فلان بزوجه، أو: رفث معها، ولا يقال: رفث إليها، فلم قال الله تعالى في الآية الكريمة:{أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ} ؟.
الجواب على هذا السؤال هو: أنه ضمن (رفث) معنى (أفضى)، وهذا الفعل الأخير يتعدى بـ(إلى)، تقول: أفضى فلان إلى زوجه. والتضمين هنا أفاد صحة الرفث والإفضاء إلى الزوجة ليلة الصيام، والرفث هو متضمن لما يستقبح ذكره من ذكر الجماع ودواعيه، أما الإفضاء فهو المباشرة والجماع، ولذلك لو لم يعد الرفث بـ (إلى) لتبادر إلى الذهن حِل ذِكر الجماع ودواعيه دون مباشرته، فتأملوا أسرار العربية، والبيان القرآني العظيم.
الثانية: اختلف النحاة في مجرور{ إِلَى} في قوله: { إِلَى الَّليْلِ} أيكون غاية لا يدخل في حكم ما قبلها ؟ أو يدخل فيه؟.
فيه قولان:
أحدهما: عدم دخوله، فإذا قلت: سرت من القصيم إلى الرياض، فإنك لم تدخل الرياض.
والقول الآخر: أنه إن كان ما بعد (إلى) من جنس ما قبلها فهو داخل، وإلا فلا، مثال الجنس: اشتريت الغنم إلى آخرها، ومثال غير الجنس: سرت من الخرج إلى الرياض.
وفي الآية الكريمة التي بين أيدينا:{ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ} الليل غير داخل في الصيام قطعاً؛ لقوله الرسول : ( إذا أقبل الليل من ههنا، وأدبر النهار من ههنا ، وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم) ، وهذا يؤيد قول الذين قالوا بعدم دخوله إذا لم يكن من جنس ما قبله؛ لأن الإفطار يكون بغروب الشمس، فالسنة الفطر إذا تبين الليل. فإذا ترك الصائم الأكل لعذر أو لشغل جاز ، وإن تركه قصداً لمواصلة الصيام فللعلماء فيه ثلاثة أقوال: منهم من رآه جائزاً ، ومنهم من جعله مكروهاً ، والأكثر على أنه حرامٌ ؛ لما فيه من مخالفة الظاهر ، والتشبه بأهل الكتاب . والله أعلم.
والمتأمل في قوله تعالى:{حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ}يجد أن الله تعالى قد قدم الخيط الأبيض على الخيط الأسود ؛ وذلك – والله تعالى أعلم- لأن السواد هو الأصل، فالليل ملتحف بوشاحه الداكن، والبياض طارئ عليه، ولما لم يكن المراد بالخيطين هما الحقيقيان . أتى بـ (من) البيانية، وكان الصحابي الجليل عدى بن حاتم الطائي – رضي الله عنه – قد فهم الآية على ظاهرها، فعمد إلى عقالين أسود وأبيض، فجعلهما تحت وسادته، ينظر إليهما في الليل، فلا يستبين له شيء، فقصد رسول الله ، فذكر له ذلك ، فقال: (إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار).
قوله تعالى ( وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) البقرة ( 187 ) .
وقوله تعالى ( الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ۗ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) الطلاق ( 229 ) .
حينما نتدبر الآيتين نجد في الاولى نهياً عن مقاربة حدود الله ، ونجد في الثانية نهياً عن مجاوزتها ، ولذلك مقاصد عظيمه ، فالحدود نوعان :
حدود مانعة من ارتكاب المحظور ، فينهى عن مقاربتها ، وحدود فاصلة بين الحلال والحرام ، فينهى عن مجاوزتها .
وفى الآية الاولى نهى عن مواقعه النساء ، في حالة الاعتكاف الى في المساجد ،فغلّظ الوعيد بالنهى عن مقاربته ، وشدد بالابتعاد عنه ، والحذر من مقدماته و دواعيه ، لئلا يقع المعتكف في الحرام من حيث لا يشعر ، فاقتضى ذلك المبالغة في النهى عن المقاربة .
وفى الآية الثانية بيان لحل قيام المرأة بافتداء نفسها بمهرها ، ومخالعة زوجها ، وأنه لا اثم عليها ، فنهى عن مجاوزة الحد برفض ذلك أو مخالفته ، فقال (فَلَا تَعْتَدُوهَا) .
وقال بدر الدين بن جماعه : ( الحدود في الأولى هي عبارة عن نفس المحرمات في الصيام والاعتكاف من الاكل والشرب والوطء والمباشرة ، فناسب ( فَلاَ تَقْرَبُوهَا ) .
والحدود في الثانية أوامر في أحكام الحل والحرمة في نكاح المشركات
، وأحلام الطلاق والعدة والايلاء والرجعة ، وحصر الطلاق في الثلاث والخلع ، فناسب ( فَلَا تَعْتَدُوهَا) ، أي : لا تعتدوا أحكام الله تعالى الى غيرها مما لم يشرعه لكم ، فقفوا عنها ، ولذلك قال بعده : ( وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) . البقرة(230).
وقوله تعالى ( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ۚ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ۖ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ۚ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ۚ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ۚ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ۗ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ۗ ذَٰلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) البقرة ( 196 ) .
العرف في حديثهم يفرقون بين أداتي الشرط ( اذا ) و ( إن ) ، قال ابن مالك _ رحمه الله _ ( " اذا " للوقت المستقبل ، مضمنة معنى الشرط غالبا ، لكنا لما تيقن كونه ، أو رُجّح ، بخلاف "إن" ) .
وقال الكفوى ( "إن" الشرطية تقتضى تعليق الشيء ، ولا تستلزم تحقيق وقوعه ، ولا امكانه ، بل قد يكون ذلك في المستحيل عقلاً ، كما في قوله تعالى ( قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدٌ) الزخرف ( 81 ) .
وعادةً كما في قوله تعالى (فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ) الانعام ( 35 ) لكن في المستحيل قليل ) .
فيجعلون (اذا) مع الشيء المتحقق وقوعه ، أو المترجح ، فيقولن : اذا دخل وقت الصلاة نصلى ، لأن دخول وقتها متحقق الوقوع ، ولا يصح أن يقال : إن دخل وقت الصلاة نصلى ، لأن هذا الاسلوب يشعر بأن دخوله محتمل وغير مؤكد .
وكذلك يؤتى ب (إذا) مع الشيء الذى يحدث كثيراً ، أما (إن) فيؤتى بها مع قليل الحدوث ، كقول الطالب الذى اعتاد النجاح دائماً : إذا نجحت فسأعود الى بلدي ، وإن رسبت فسوف أبقى هنا ، أما الطالب المهمل المفرط الذى اعتاد الاخفاق فيقول : إن نجحت فسأعود الى بلدى ، و اذا رسبت فسوف أبقى هنا .
قال ابن القيم – رحمه الله – ( المشهور عند النحاة والأصوليين والفقهاء أن اداة (إن) لا يعلق عليها الا محتمل الوجود والعدم ، كوقلك : إن تأتني أكرمك ، ولا يعلق عليها محقق الوجود ، فلا تقول : إن طلعت الشمس أتيتك ، بل تقول : إذا طلعت الشمس أتيتك ، و (إذا) يعلق عليها النوعان .
وقول ابن القيم أوله صحيح ، وأخره ليس كذلك ، اذ لم يوافقه أحد من العلماء على أن (إذا) يعلق عليها النوعان ، الا ابن الجويني الذى قال ( الذى أظنه أنه يجوز دخولها على المتيقن والمشكوك ، لأنها لأنها ظرف وشرط ، فبالنظر الى الشرط تدخل على المشكوك ك(إن) ،
وبالنظر الى الظرف تدخل على المتيقن كسائر الظروف .
وقول ابن الجويني وابن القيم غير صحيح ، لأن سيبويه يقول ( "إذا" تجئ وقتها معلوماً ، ألا ترى أنك لو قلت : اتيك اذا احمر البسر ، كان حسناً ،
ولو قلت : آتيك ان احمر البسر ، كان قبيحاً ، ف"إن" أبدا مبهمة ، وكذلك حروف الجزاء ، و "إذا" توصل بالفعل ، فالفعل "إذا" بمنزلته في "حين" ،
كأنك قلت : الحين الذى تأتيني فيه آتيك فيه ) .
ولذلك ذكر بعضهم أنها " اسم مؤقت .. ، ومعناها في نفسها ، والمتكلم بيها يعرفون كون ما دخلت عليه ، و "إن" حرف وضعت لتعليق الثاني بالأول
، ومعناها في غيرها ، والمتكلم شاك في كون ما دخلت عليه ، وهذا حق ما يجازى به ألا يدرى أيكون أم لا يكون ) .
قال أبو سعيد السيرافي عن "إذا" ( ان الذاكر لها في الكلام كالمعترف بأنها كائنة ، كقولك : اذا طلعت الشمس فائتنى ، فالمتكلم معترف بطلوع الشمس ، وحق ما يجازى ب "إن" ألا يدرى أيكون أم لا يكون؟ كقولك: إن قدم زيد زرته ، وإن تمطر اليوم نجلس للحديث ، ولا يدرى أيقوم زيد أم لا ، ولا يدرى أتمطر اليوم أم لا ، ولذلك حسن: ( اذا احمر البسر فائتنى ، وقبح : إن احمر البسر فائتنى لإحاطة العلم أن احمرار البسر كائن ) .
وإنني لا انفى ورود "إذا" مع ظاهره أنه مشكوك فيها ، كقوله تعالى ،
( نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ ۖ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا) الانسان (28) .
ولا وقوع (إن) مع ظاهره انه متحقق الوقوع ، كقوله تعالى ( أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ) أل عمران (144 ) .
لكنني أرى أن ذلك يأتي تنزيلاً ، ل "إذا" منزلة "إن" ، وتنزيلا ل (إن) ، منزلة (اذا) ، لفائدة غير خفية .
قال السيرافي أيضاً : ( وقد تستعمل (إذا) فيالموسع الذى يحسن فيه (إن) ، ولا يبين بينهما فرق ، للمشابهة التي بينهما ، وكذلك تستعمل (إن) في موضع (إذا) ، قد يقول القائل : إن مت فأخرجوا ثلث مالي للفقراء والماسكين ، وقال الله تبارك وتعالى ( أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ) ال عمران (144) ، والموت كائن لا محالة ، وقال الشاعر :
كم شامت بي إن هلكت وقائل لله دره
وقال زهير:
إذا انت لم تنزع عن الجهل والخنا أصبت حليما أو اصابك جاهل
وقد يجوز أن تنزع ، ويجوز أن لا تنزع ، ولا يحيط العلم بأي ذلك يكون .
وقولهم : إن مات زيد كان كذا ، أحسن من قولك : ان احمر البسر ، لأن الموت ، وإن كان معلوما انه كائن ، فلا يعرف وقته ، واحمرار البسر معروف الوقت ) .
وفى هذه الآيةالتي بين أيدينا قال الله تعالى ( فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ) فاستعمل (إن) ، لأن الاحصار قليل الوقوع ، أما الامن والتمكن من الوصول الى مكة ، والقدرة على اتمام الحج ، فهو الاكثر ، ولذلك قال ( فَإِذَا أَمِنتُمْ) . والله اعلم
وأما قوله (عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) فظاهر الكلام فيه أن كلمة (عَشَرَةٌ) مغنية عن (كَامِلَةٌ) ، لأنها اذا لم تكن كاملة فستكون تسعة ، أو ثمانية ...إلخ .
وقد اختلف العلماء في هذه الآية ، فقال محمد بن يزيد المبرد : " لو لم يقل ( تلك عشرة) جاز أن يتوهم السامع أن بعدها شيء أخر ، فقوله ( تلك عشرة ) بنزلة قوله في العدد : فذلك كذا و كذا " .
ولكن الصحيح أن قوله ( كَامِلَةٌ) انما هو بمعنى ( فاضلة ) ، من كمال الفضل ، لا من كمال العدد ، قال كمال الدين الزملكانى " الاتمام لإزالة نقصان الاصل ، والاكمال لإزالة نقصان العوارض بعد اتمام الاصل ، ومن ثم كان قوله تعالى ( تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) أحسن من ( تلك عشرة تامة ) ، إذ التمام في العدد قد علم ، وانما بقى احتمال النقص في صفاتها .
ويفترقان أيضا من جهة أن قولهم : ( تم ) يشعر بحصول نقص قبل
ذلك ، و ( كَمُلَ ) لا يشعر به ، ومن ثم قالوا : رجل كامل ، اذا جمع خصال الخير ، ورجل تام ، اذا كان غير ناقص الطول .
وايضا (تمّ) يشعر بحصول نقص بعده ، كما يوصف القمر بالتمام ،
مثل قول العجاج :
أو شرفا يتم نورا قد زهر
كما تتم ليلة البدر القمر
وقال النابغة الذبياني :
فتى تم فيه ما يسر صديقه على ان فيه ما يسوء الأعاديا
فتى كملت أخلاقه غير أنه جواد فما يبقى من المال باقيا
وقال الشاعر :
واذا الفتى جمع المروءة والتقى وحوى مع الادب الحياء فقد كمل
وقال عدى بن الرقاع العاملي :
هو الفتى كله مجدا وتكرمة وكل أخلاقه الخيرات قد كملا
وقال امرؤ القيس :
اذا ما اتقى الله ثم لم يكن على أهله كلاً فقد كمل الفتى
وقال الشاعر
متى يبلغ البيان يوماً تمامه اذا كنت تبنيه أخر يهدم
وكذلك تقول العرب : (تّم البدر) ، لأنه كان ناقصاً ، ومصيره الى نقصان،
قال العرجي :
ووجه كمثل البدر اذ تم فاستوى اذا لم ما بدا في ظلمة الليل يسدف
ولذلك أحسن الحسن بن هانئ أيما أحسن حين قال في الخليفة العباسي محمد الامين :
تتيه الشمس والقمر المنير اذا قلنا كأنهما الأمير
فإن يك أشبها منه قليلاً فقد اخطاهما شبه كثير
لأن الشمس تغرب حين تمسى أن البدر ينقصه المسير
ونور محمد أبداً تمام على وضح الطريق لا يحور
ولله در أبى هلال العسكري حين يقول :
لو تم شيء من الدنيا لذى أدب لانضاف مال الى علميوآدابي
فتم جاهي عند الناس كلهم وطاب عيشيفيأهليوأصحابي
عز الكمال فلا يحظى به أحد فكل خلق وان لم يدر ذوو عاب
وقال الزجاج : قائل بعضهم : (كَامِلَةٌ) أي : تكمل الثواب ، وقال بعضهم : كامله في البدل من الهدى ، والذى أراه في هذا – والله أعلم – أنه لما قيل
( فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ) جاز أن يتوهم المتوهم أن الفرض ثلاثة أيام في الحج ، أو سبعة في الرجوع ، فأعلم الله – عز و جل-
أن العشرة مفترضة كاملة ، فالمعنى : المفروض عليكم صوم عشرة كاملة على ما ذكر من تفرقها في الحج والرجوع .
فليست الواو بمعنى (أو) كما في قوله تعالى ( فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ) النساء (3) ، إذ الواو فيها بمعنى أو ، لئلا يظن ظان ، أنه يصح جمع تسع من النساء في جملة واحده .
قال كمال الدين الزملكانى " ومما جاء خبرا لإرادة معنى التأكيد قوله تعالى (تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) لاحتمال ان يعنى بالواو معنى (أو) ، كما في قوله تعالى ( وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ) النساء (34) اذ لا يسوغ الجمع بينهما " .
ومما يحسن ذكره ههنا أنه يروح أنه الحجاج بن يوسف الثقفي قال لرجل من ولد عبد الله بن مسعود – رضى الله عنه ، وعن صحابة رسول الله ﷺ
أجمعين - : لم قرأ أبوك – يعنى عبد الله بن مسعود رضى الله عنه -:
(إِنَّ هَٰذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً أنثى ) ص (23) ،أترى لا يعلم الناس أنها انثى ؟ فقال : قد قرئ قبله : (ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ۗ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) ألا يعلم أن سبعة وثلاثة عشرة ؟ فما أحار الحجاج .
قوله تعالى (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ۚ وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) البقرة (217) .
في هذه الآية العظيمة عدة فوائد :
الفائدة الأولى : في تقديم الشهر الحرام على قوله (قِتَالٍ فِيهِ) ، والاخير يسميه أهل النحو بدل الاشتمال ، وذلك يعنى أن المراد السؤال عن القتال في الشهر الحرام ، فكان من الممكن أن يقال : ( يسألونك عن قتال في الشهر الحرام ) ، أو ( عن القتال في الشهر الحرام ) ، لكنه جاء على ما فيالآية من تقديم المبدل منه ، ثم الاتيان بالبدل ، فلم كان هذا التقديم والتأخير؟
قبل الاجابة على السؤال لابد من معرفة سبب نزول الآية ، كي تتضح الاجابة :
روى أن رسول الله ﷺبعث عبد الله بن جحش الأسدي– رضى الله عنه – على سرية في شهر جمادى الاخرة من السنه الثانية لهجرته – عليه الصلاة والسلام – قبل قتال بدر بشهرين ، ليترصد عيراً لقريش ، فيها عمرو بن الله الحضرمي وثلاثة معه ، فقتلوه ، وأسروا اثنين ممن معه ،
وغنموا العير ،وكان ذلك في أول يوم من رجب ، وهو أحد الأشهر الحرم ، وهم يظنونه أخر يوم في جمادى الاخرة ، فقالت قريش : قد استحل محمد الشهر الحرام ، شهراً يأمن فيه الخائف ، ويبذعر فيه الناس الى معايشهم ، أي يتفرقون اليها .
فوقف رسول الله ﷺالعير ، وعظم ذلك على اصحاب السرية ، وقالو:
ما نبرح حتى تنزل توبتنا ، فنزلت هذه الآية .
فدل سبب النزول على ان هذا السؤال لم يقع الا بعد وقوع القتال في الشهر الحرام ،وتشنيع الكفرة عليهم انتهاك حرمة الشهر ، فاغتمامهم واهتمامهم بالسؤال إنما وقع من أجل حرمة الشهر ، فلذلك قدم في الذكر ، كذا قال السهيلي رحمه الله .
فقدم الشهر الحرام ، لعموم حرمته وشمولها لكل مخالفة من قتل أو غيره ، ثم أبدل منه (قِتَالٍ فِيهِ) ، لكونه سبب السؤال ، فجمع بين الأمرين ، ومعلوم عند أهل اللغة أن البجل على نية تكرار العامل ، فكأنه
ههنا هنا قال : ( يسألونك عن الشهر الحرام ، يسألونك عن قتال فيه ) ، ولو قال ( يسألونك عن قتال في الشهر الحرام ) ، لكان المسؤول عنه القتال فقط دون سائر ما ينتهك به الشهر الحرم ، فسبحان من هذا كلامه !!!
الفائدة الثانية : في تنكير قوله (قِتَالٍ فِيهِ) حيث لم يقل : ( القتال فيه ) ، وذلك ليدل على ان المراد القتال ، ولو كان قليلاً غير مستحر ، كما حصلفي سبب نزول الآية ، حيث لم يقتل الا كافر واحد ، ولو قال ( القتال) بالتعريف لظن ان المقصود القتال العظيم ، باعتبار ان (أل) دالة على الكمال ، أو انه القتال المسؤول عنه ، وهو ما كان سببا في نزول الآية ، باعتبار (ال) للعهد ، لكن تنكيره دل على ان المقصود أي القتال .
ولعدم دلالة النكرة على الكثرة ، لأنها لا تدل على الكثرة الا اذا وقعت في سياق النفي ، ونظراً الى احتياجه الى الدلالة عليها في الجواب ، وصفه بما
بما يدل عليه ، قال : (قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) ، والله أعلم .
قوله ( الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) علام عطف ؟ الفائدة الثالثة :
أكثر المفسرين والنحاة على أنه معطوف على ( سَبِيلِ اللَّهِ) ف ( صد) مبتدأ ، وهو كائن صداً عن سبيل الله وعن المسجد الحرام ، والخبر قوله (أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ) لكن اعترض على هذا الاعراب بدر الدين ابن الناظم بقوله ( لأن جر " المسجد" بالعطف على ( سَبِيلِ اللَّهِ)
ممتنع مثله باتفاق ، لاستلزامه الفصل بين المصدر ، وهو ( صَدٌّ) ومعموله ، وهو ( الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) بالأجنبي ، وهو قوله : ( وَكُفْرٌ بِهِ) ويرى ابن الناظم أنه يجب عطف ( الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) على الضمير المتصل المجرور في قوله ( وَكُفْرٌ بِهِ) فيكون التقدير ( وكفر به و بالمسجد الحرام ) ، وعطف الاسم الظاهر على الضمير المجرور لا يجوز عند الاكثرين الا بإعادة الجار ، كقوله تعالى ( وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ) المؤمنون (22) ، وأجاز بعضهم ذلك دون اعادة الجار مستدلين بقوله تعالى
(وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ) النساء(1) ، بجر ( الارحام ) ، وهى قراءة حمزة ، وبشواهد شعرية كثيرة ، تدل على صحة ما ذهبوا اليه ، وأنه جائز .
لكن على التقديرين يستقيم المعنى : ( وصد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام ) ، أم ( وكفر به وبالمسجد الحرام) ؟
كلا المعنيين مستقيم ، لكنى أميل الى الاول ، لأن جرم الكفار ازداد بصدهم المسلمين عن دخول البيت الحرام ، لا بكفرهم فيه ، والله اعلم .
الفائدة الرابعة : ما السر في تكرار كلمة ( قِتَالٌ) مع امكان انه يقال : ( قل: هو كبير ) ؟ ان سبب التكرار هو ان التصريح به دون الاضمار وصولا الى الدلالة على عموم الحكم لكل قتال ، ولو جار مضمرا لاختص الحكم بتلك الحادثة التي وقعت في سرية عبد الله بن حجش رضى الله عنه ، والله أعلم .
وقوله تعالى ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) البقرة (222) .
قال ( فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) ، فاظهر (الْمَحِيضِ) بعد اضماره حين قال ( قُلْ هُوَ أَذًى) وكان يمكن أن يقال في غير القران : ( يسأل الناس عن المحيض ، قل : هو أذى ، فاعتزلوا النساء في المحيض ) ، لكن
لكن في هذا الاسلوب الاخير تتكرر كلمة ( الْمَحِيضِ) ثلاث مرات ، وهو غير حسن ، وأما الاسلوب الاول ، وهو الاضمار في الموضعين الاخيرين ، فقد عدل العدول عنه ابن القيم رحمه الله ، فقال
(فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ) ولم يقل ( فيه) تعليقا لحكم الاعتزال بنفس الحيض ، وأنه هو سبب الاعتزال .
وأرى أن سبب مجيء سياق الآية على النحو المذكور هو
( الْمَحِيضِ) في قوله ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ) ، هو مصدر ميمي ، معناه الحيض ، ولكون الحيض نفسه أذى ، ذكره مضمرا حين أراد ذكره مره ثانية ، فقال ( هُوَ أَذًى) ، أما المحيض في قوله ،
( فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) ، فليست المرة الاولى ، بل هي مختلفة عنها ، لأنها هنا ليست مصدر كالأولى ، بل هي اسم مكان على رأى أكثر العلماء ، او اسم زمان على رأي بعضهم .
ويلاحظ انه يترتب على هذا الخلاف في دلالته على المكان أو الزمان أحكام فقيه حول ما يعتزل به من الحائض في زمن حيضها ، ولكنها في كلتا الحالتين يكون معنها : ويسألونك عن الحيض ، قل : الحيض أذى ، فاعتزلوا النساء في مكان الحيض ، أو فاعتزلوا النساء في زمان الحيض ، والله اعلم .
ولكننا حينئذ لا نحتاج الى تأويل بعض المفسرين الذين يقدرون : فاعتزلوا النساء في مكان المحيض ، أو في زمن الحيض ، ولا نحتاج الى البحث عن اسباب بعيدة لإظهار بعد الاضمار ، كما فعل ابن القيم رحمه الله .
وقوله (حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ) هذان الفعلان مختلفان الاصل والمعنى ، فالأول منها ( يَطْهُرْنَ) مأخوذ من الطهر ، والثاني (تَطَهَّرْنَ) مأخوذ من التطهر ، ويقال: طهرت المرأة ، اذا انقطع دم حيضها ، فهو فعل طبعي يقوم بنفسه ، ويقال : تطهرت المرأة ، اذا اغتسلت بعد الحيض أو النفاس ، فهو فعل محدث من قبل فاعله ، فالمطهر من طهارته كانت خلقه ، كالملائكة والحور العين ، والمتطهر فعل من الطهور – كالمتفقه ، وهو من يدخل نفسه في افقه – مثل الادميين والادميات اذا تطهروا .
والجمع بين الفعلين في هذه الآية للدلالة على اشتراطهما جميعا قبل حل اتيان النساء بعد الحيض ، فلو حصل الطهر دون الغسل ، او الغسل دون الطهر لما جاز الجماع .