عرض وقفات أسرار بلاغية

  • ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿٣٣﴾    [النور   آية:٣٣]
قوله تعالى : " وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (33) " النور : 33 . يري بعض العلماء أن الشرط فى قوله : " إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا " شرط لغو , زاعمين أنه لا يصح إكراه الإماء على الزني إن أردن التحصن أو لم يردنه , وهذه العلة صحيحة لو كانت هي وحدها سبب الشرط , لكن الصحيح أن للشرط فائدة عظيمة , وأن استعمال ( إن ) دون ( إذا ) له فائدة أخرى . ولكن قبل بيان ذلك أذكر سبب نزول الآية , فقد روي مسلم في صحيحة [ صحيح مسلم ثلاثه في 310 رقم الحديث 3029 ] عن جابر - رضي الله عنه – ( أن جارية لعبد الله ابن أبي ابن سلول يقال لها : مسيكة , وأخرى يقال لها : أميمة , فكان يكرهما على الزني , فشكتا ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - , فأنزل الله : " وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ " إلى قوله : " غَفُورٌ رَحِيمٌ " . وقال مقاتل : نزلت في ستّ جوار لعبد الله ابن أبي كان يكرههن على الزنى ,ويأخذ أجورهن , وهن : معاذة , ومسيكة , وأميمة ,وعمرة , وأروى , وقتيلة , فجاءت إحداهن ذات يوم بدينار , وجاءت الأخري ببرد , فقال لهما : ارجعا , فازنيا , فقالتا : والله لا نفعل ؛ قد جاءنا الله بالإسلام , وحرم الزنا , فأتيا رسول الله - صلى الله عليه و سلم - , و شكتا إليه فأنزل الله تعالى هذه الآية .[ أسباب النزول للواحدي : 326 - 327 ] . أما فائدة الشرط ابتداء ففيه زيادة تقبيح لحالهم , وتشنيع عليهم ؛ بسبب ما كانوا عليه من القبائح مما لا يخفى على ذي بصيرة , حيث كانوا يكرهون فتياتهم على البغاء , وهن يردن التعفف عنه مع وفور شهوتهن الآمرة بالفجور ؛ فهن فتيات , ومع قصورهن في معرفة الأمور الداعية إلى المحاسن الزاجرة عن تعاطي مثل هذه الرذائل ؛ فهن إماء رقيقات , وإن من له أذني مروءة لا يكاد يرضي بفجور من يحويه حرمه من إيمائه , فضلا عن أن يأمرهن به , أو يكرههن عليه , لاسيما عند إرادتهن التعفف . قال أبو السعود - رحمه الله – [ تفسير ابي السعود 673 ] : " فتأمل , ودع عنك ما قيل من أن ذلك لأن الإكراه لا يتأتي إلا مع إرادة التحصن , وما قيل من أنه إن جعل شرطا للنهي , لا يلزم من عدمه جواز الإكراه ؛ لجواز أن يكون ارتفاع النهي لامتناع المنهي عنه , فإنهما بمعزل من التحقيق " . وأما فائدة استعمال " إِنْ " الشرطية دون ( إذا ) فهي للدلالة على التشنيع في النهي عن إكراه الإماء على البغاء عند مجرد احتمال إرادتهن التحصن , ولو استعمل ( إذا ) , وقال : " إذا أردن تحصن " , لأشعر ذلك بأنه لا يتعين إلا عند التحقق من إرادتهن ذلك , قال أبو السعود - رحمه الله - : " و إيثار كلمة " إِنْ " على ( إذا ) مع تحقق الإرادة في مورد النص حتما للإيذان بوجوب الانتهاء عن الإكراه عند كون إرادة التحصن في حيز التردد والشك , فكيف إذا كانت محققة الوقوع , كما هو الواقع , وتعليله بأن الإرادة المذكورة منهن في حيز الشاذ النادر مع خلوه عن الجدوى بالكلية , يأباه إعتبار تحققها إباء ظاهرا .
  • ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ ﴿٩٤﴾    [الشعراء   آية:٩٤]
قوله تعالى : " فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (94)" الشعراء 94 . لم يقل : " فَكُبُوا " وإنما كرر الكلمة دليلا على التكرير في المعنى , كأن الواحد منهم إذا ألقي في جهنم ينكب مرة بعد أخرى حتى يستقر في قعرها . [ الكشاف 319 البرهان في علوم القران 3 34 35 ] . قال عبيد بن الأبرص : و لوا و هن يجلن في آثارهم .... شللا و بالطناهم فتكبكوا
  • ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ ﴿١٩﴾    [النمل   آية:١٩]
قوله تعالى : " فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19) " النمل 19 . حين يتحدث المفسرون عن قوله عزوجل : " فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا " يقولون : إنه : " يعنى : تبسم شارعا في الضحك , يعني : أنه قد تجاوز حد التبسم إلى الضحك " [ تفسير فخر الرازي : 24 / 161 ] . ثم يتحدثون عن ضحك الأنبياء , وأنه لا يجاوز التبسم , ولكنى أري أن سبب الجمع في الآية بين التبسم والضحك إنما هو لأن التبسم وحده لا يدل على أنه ناشئ عن الرضا والسرور , وهما المرادان بالآية الكريمة , فنبي الله سليمان - عليه السلام - مسرور بما سمعه من قول النملة , وبما أنعم الله عليه من فهم لغة النمل , ولو عبر عن ذلك بالتبسم وحده لم يفِ بالغرض ؛ لأن التبسم قد يكون تعبيرا عن الغضب و ليس عن السرور , قال عنترة ابن شداد : لما رآتني قد قصدت أريده ... أبدي نواجذه لغير تبسم وقال أمير المؤمنين علي بن أبى طالب - رضي الله عنه -: ولربما ابتسم اللبيب من الأذي .... وفؤاده من حره يتأوه وكذا الضحك وحده لا يفي بالغرض ؛ لأنه ربما لا يدل على سرور , قال الشاعر : وربما ضحك المكروب من عجب ... السن تضحك والأحشاء تضطرم ولذلك كان لزاما الجمع بينهما للدلالة على المراد , قال زياد الأعجم : مرارا ما دونوت إليه إلا ... تبسم ضاحكا وثني الوسادا وقال أوس بن حجر : نواعم ما يضحكن إلا تبسما .... إلى اللهو قد مالت بهن السوالف وقد نبه على ذلك السراج الوراق حين قال : قد تشبه الحالة وبينهما ... إذا تأملت فرق عن سواك خفي فربما صفق المسرور من طرب ... وربما صفق المحزون من أسف
  • ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ﴿٨٠﴾    [النمل   آية:٨٠]
  • ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴿١٤٤﴾    [البقرة   آية:١٤٤]
  • ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ ﴿٢٠﴾    [القصص   آية:٢٠]
  • ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ﴿٢٠﴾    [يس   آية:٢٠]
  • ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ﴿٢٤﴾    [المائدة   آية:٢٤]
قوله تعالى : " إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (80) " [ النمل : ٨٠ ] . التولية غير الإدبار ؛ فالتولية في الأصل : الإقبال ، ومنه قوله تعالى : " قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ " [ البقرة : ١٤٤ ] . ، لكنها إذا أطلقت دون ذكر لمفعولها أريد بها أن يولى الشئ ظهره . وأما الإدبار فهو أن يهرب منه ، فليس كل مول مدبرا ، ولا كل مدبر موليا ، وفى الآية العظيمة أكد المولى – عز وجل - عدم انتفاع الكفار بدعوة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ثلاث مرات : فشبههم بالصم ، والأصم لو كان مقبلا لم يسمع ، وأكد سوء حالهم بأن جعلهم مولين ، والأصم إذا ولى كان أبعد له من السماع ، ثم زاده تأكيدا بأن جعلهم مدبرين ، والأصم المولى إذا أدبر كان أشد ؛ لبعده عن السماع . والله أعلم . قوله تعالى : " وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20) " [ القصص : ٢٠ ] . ففى هذه الآية الكريمة قدم كلمة " رَجُلٌ " على الجار والمجرور " مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ " ، فقال " وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ " ، وفى سورة يس قال تعالى : " وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ " [ يس : ٢٠ ] ، فقدم الجار والمجرور " مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ " على الفاعل " رَجُلٌ " ، ولكل من الحالتين فائدة بليغة : وسبب ذلك أنه فى آية القصص جاء فاعل ، وهو " رَجُلٌ " مقدما على الجار والمجرور " مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ " حسب الأصل ، ولكون " رَجُلٌ " نكرة وصفه بأنه قادم من بعيد ليعلمه ما كان فيه الكفار من ائتمار به . أما فى آية يس فالمراد تقريع أصحاب القرية الذين كفروا بالمرسلين ، وكذبوهم ، وتبكيتهم على استمرارهم فى الكفر مع ما شاهدوه من الآيات المعجزة ، ومن مظاهر توبيخهم وتقريعهم أن يأتى من أقصى المدينة ، من ذلك المكان البعيد الذى لم يشهد المعجزات ، ولم تتل فيه الآيات ، أن يأتى هذا الرجل الذى لم يحضر جميع ما حضره الكفار ، ولم يسمع مثل ما استمعوه ، ولم ير من المعجزات ما رأوه ، ومع ذلك يؤمن هو ، وهم يكفرون ، ويدعو هو إلى الإيمان ، ويتنادون هم بالكفر ، فنظر إلى أهمية بعده عن مواطن الدعوة قدم بيان مكانه على ذكره هو . والله أعلم . وبهذه المناسبة أنبه على أن قول كثير من الناس عن الأمر الذي يشم من ورائه مكيدة وائتمار بشر : ( هذا الأمر فيه ( إن ) أنه مأخوذ من آية القصص : " إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ " ، ومما يروى فى ذلك أن محمود بن صالح بن مرداس صاحب حلب أمر كاتبه أبا نصر محمد بن الحسين بن على النحاس الحلبى أن يكتب كتابا إلى سديد الملك أبى الحسن على بن مقلد بن نصر بن منقذ الكنانى ، يتشوقه فيه ، ويستعطفه ، ويستدعيه إليه ، وكان سديد الملك صديقا للنحاس الحلبي ، وكان الحلبى يعرف أن سيده يريد بصديقه شرا ، فكتب كما أمره سيده ، إلى أن بلغ آخر الكتاب ، وكان قوله : ( إن شاء الله ) ، فشدد الكاتب نون ( إن ) ، وفتحها ، فصارت ( إن ) . فلما وصل الكتاب إلى سديد الملك عرضه على بن عمار صاحب طرابلس ومن بمجلسه من خواصه ، فأستحسنوا عبارة الكاتب ، واستعظموا ما فيه من رغبة محمود فيه ، وإيثاره لقربه ، فقال سديد الملك : إنى أرى فى الكتاب ما لا ترون . ثم أجابه عن الكتاب بما اقتضاه الحال ، وكتب فى جملة الكتاب : ( أنا الخادم المقر بالإنعام ) ، وكسر همزة ( انا ) وشدد النون ، فصارت : ( إنا الخادم المقر بالإنعام ) . فلما وصل الكتاب إلى محمود ، ووقف عليه الكاتب النحاس الحلبى ، سر بما فيه ، وقال لأصدقائه : قد علمت أن الذي كتبته لا يخفى على سديد الملك ، وقد أجاب بما طيب نفسي . وكان الكاتب النحاس الحلبى قد قصد قول الله تعالى : " إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ " فأجاب سديد الملك بقوله تعالى : " إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا " [ المائدة : ٢٤ ] .
  • ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ ﴿٧١﴾    [القصص   آية:٧١]
  • ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴿٧٢﴾    [القصص   آية:٧٢]
قوله تعالى : " قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (72)" [ القصص : ٧١ : ٧٢ ] . تأمل ختام الآية الأولى تجده : " أَفَلَا تَسْمَعُونَ " ، وختام الآخرة تجده : " أَفَلَا تُبْصِرُونَ " ، فما سر ختم كل آية بهذا الختام ؟ . إنك إذا تدبرت الآيتين وجدت أنه مع الليل يتعذر الإبصار ؛ بسبب ادلهمام الظلمة ، وتقوي حاسة السمع ؛ بسبب السكون ، ولذلك وصف أعرابي ليلة ظلماء تستوي فيها صحيحات العيون وعورها ، فقال : " خرجنا فى ليلة حندس ، فقد ألقت على الأرض أكارعها ، فمحت صورة الأبدان ، فما كنا نتعارف إلا بالآذان " وهؤلاء إذا لم يعتبروا فهل فقدوا حاسة السمع أيضا تبعا لفقدهم حاسة الإبصار ابتداء ؟ وأما مع النهار فتقوي حاسة الإبصار ، فإذا لم يعتبروا فهل قد فقدوا تلك الحاسة التى هذا أوان نفعها ؟ . والله أعلم . وقال الزركشي - رحمه الله - : " لما كان سبحانه هو الجاعل الأشياء على الحقيقة ، وأضاف إلى نفسه جعل الليل سرمدا إلى يوم القيامة ، صار الليل كأنه سرمد بهذا التقدير ، وظرف الليل ظرف مظلم لا ينفذ فيه البصر ، لا سيما وقد أضاف الإتيان بالضياء الذي تنفذ فيه الأبصار إلى غيره ، وغيره ليس بفاعل على الحقيقة ، فصار النهار كأنه معدوم ؛ إذ نسب وجوده إلى غير موجد ، والليل كأنه لا موجود سواه ؛ إذ جعل [ وجوده ] سرمدا منسوبا إليه سبحانه ، فاقتضت البلاغة أن يقول : " أَفَلَا تَسْمَعُونَ " ؛ لمناسبة ما بين السماع والظرف الليلي الذي يصلح للاستماع ، ولا يصلح للإبصار . وكذلك قال فى الآية التي تليها : " أَفَلَا تُبْصِرُونَ " ؛ لأنه لما أضاف جعل النهار سرمدا إليه ، صار النهار كأنه سرمد ، وهو ظرف مضئ تنور فيه الأبصار ، وأضاف الإتيان بالليل إلى غيره ، وغيره ليس بفاعل على الحقيقة ، فصار الليل كأنه معدوم ؛ إذ نسب وجوده إلى غير موجد ، والنهار كأنه لا موجود سواه ؛ إذ جعل وجوده سرمدا منسوبا إليه ، فاقتضت البلاغة أن يقول : " أَفَلَا تُبْصِرُونَ " ؛ إذ الظرف مضئ صالح للإبصار ، وهذا من دقيق المناسبة المعنوية " .
  • ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴿٢٠﴾    [السجدة   آية:٢٠]
قوله تعالى : " وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (20) " السجدة : ٢٠ . حيث أعاد ذكر النار مرة أخري ، فقال : " وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ " بعد قوله : " فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ " ، قال ابن الحاجب رحمه الله : " إن سياق الآية التهديد والتخويف وتعظيم الأمر ، وفى ظاهر لفظ ( النار ) من ذلك ما ليس فى الضمير ، ألا تري إلي قوله : لا أري الموت يسبق الموت شئ .... نغص الموت ذ ا الغني والفقيرا انتهي كلامه . فكرر الموت ثلاث مرات مع إمكان إضماره بدلا من إضهاره . وهذا القول لابن الحاجب غير دقيق ؛ لأن الله – سبحانه وتعالى – قد أتي بضميرها مرتين قبل ذلك حين قال : " أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا " وقال : " أُعِيدُوا فِيهَا " , ولو كان الإظهار لمراعاة التهديد والتخويف لأظهر فيهما بدل الإضمار , لكن الصحيح أنه أظهر الاسم بدل إضماره لأنه وقع فى جملة محكية لما يقال لهم يوم القيامة عند إرادتهم الخروج من النار , فلا يناسب ذلك وضع الضمير موضع الظاهر , فذكر النار أولا آت بخبر الله تعالى عن مأوى الكافرين , ولذلك لما أعاد الحديث عنها مرة ثانية فى سياق خبره أعاده مضمرا , أما ذكر النار مرة أخري دون إضمار فهو قول الملائكة الذي لم يبن علي حديث سابق عن النار . والله أعلم .
  • ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴿١٣﴾    [سبأ   آية:١٣]
  • ﴿شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴿١٢١﴾    [النحل   آية:١٢١]
  • ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ﴿٣﴾    [الإسراء   آية:٣]
  • ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ﴿٣﴾    [الإنسان   آية:٣]
قوله تعالي : " يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (13) " [ سبأ : 13 ] . الشكر : الامتلاء من ذكر المنعم عليه , والشكر ثلاثة أنواع : شكر القلب : وهو تصور النعمة , وشكر اللسان : وهو الثناء على المنعم , وشكر سائر الجوارح : وهو مكافأة النعمة بقدر استحقاقه , وبناء على هذا يكون فى هذه الآية وقفتان : أولاهما : أن الله تعالى قال : " اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا " , ولم يقل : " اشكروا " , قال الراغب الأصفهاني : " لينبه على التزام الأنواع الثلاثة من الشكر بالقلب , واللسان , وسائر الجوارح " , فيكون إعراب " شُكْرًا " فى الآية على هذا القول مفعولا مطلقا . وقيل : إنها مفعول لأجله . ثانيتهما: أنه قال : " وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ " , قال الزركشي : " الحمد لله الذي ما قال : ( الشاكر ) " ؛ لأن الشاكر هو المُثنى بالقليل والكثير , أما ( شكور ) فصيغة مبالغة بمعني : الموفي نعم الله حقها من الشكر , ولذلك وصف الشكورين بالقلة ؛ لأن توفيه نعم الله بالشكر صعبة الحصول , فهي كثيرة , ومهما حاول العبد شكرها فسيظل مقصرا . قال عبدالله بن المقفع : " قد بلغ فضل الله على الناس من السعة , وبلغت نعمته عليهم من السبوع , ما لو أن أخسهم حظا , وأقلهم من نصيبا , وأضعفهم علما , وأعجزهم عملا , وأعياهم لسانا , بلغ من الشكر له , والثناء عليه بما خلص إليه من فضله , ووصل إليه من نعمته , ما بلغ له منه أعظمهم حظا , وأوفرهم نصيبا , وأفضلهم علما , وأقواهم عملا , وأبسطهم لسانا , لكان عما استوجب الله عليه مقصرا , وعن بلوغ غاية الشكر بعيدا , ومن أخذ بحظه من شكر الله , وحمده , ومعرفة نعمه , والثناء عليه , والتحميد له , فقد استوجب بذلك من أدائه إلى الله القربة عنده , والوسيلة إليه , والمزيد فيما شكره عليه من خير الدنيا وحسن ثواب الآخرة " . وقال الراغب الأصفهاني : " ولذلك لم يثن – أي الله – بالشكر من أوليائه إلا على اثنين : قال فى ابراهيم – عليه السلام - : " شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ " النحل : 121 . , وقال فى نوح : " إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا " الاسراء : 3 . فمدح ابراهيم بأنه مثن على نعم الله , ومدح نوحا بأنه مبالغ فى الثناء عليها . ويحسن فى هذا المقام أن أشير إلى فائدة المغايرة بين الصفتين فى قوله تعالى : " إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3) " الانسان : 3 . سأل الصاحب بن عباد القاضي عبدالجبار بن احمد المعتزلي : لم جعل الله المبالغة فى الكفر , ولم يجعلها فى الشكر ؟ " فأجاب القاضي بأن نعم الله علي عباده كثيرة , وكل شكر يأتي في مقابلتها قليل , وكل كفر يأتي فى مقابلتها عظيم , فجاء الشكر بلفظ ( فاعل ) , جاء ( كفور ) بلفظ فعول على وجه المبالغة " . وكتب صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي إلى العلامة جمال الدين السبكي قائلا : عندي جمال الدين مسألةٌ غدا = تبيانها فيما لديك محرّرا إذ أنت من بيتٍ جميع بنيه قد = فازوا بما حازوا وقد سادوا الورى إن جاودوا ألفيتهم صوب الحيا = أو جادلوا أبصرتهم أُسد الشّرى فاطلع بأُفق الفضل شمساً أشرقت = لا ترض أنّك فيه بدرٌ أسفرا وأعد جوابي عن سؤالي إنّه = لك واضحٌ أن رحت فيه مفكّرا فكّرت والقرآن فيه عجائبٌ = بهرت لمن أمسى له متدبّرا في هل أتى لم ذا أتانا شاكراً= حتى إذا قال الكفور تغيّرا فالشكر فاعله أتى في قلّةٍ = والكفر فاعله أتى متكثرا فعلام ما جاءا بلفظٍ واحدٍ = إن التوازن في البديع تقرّرا لكنّها حكمٌ يراها كل ذي = لبٍّ وما كانت حديثاً يفترى فأجبه لا زلت الجواد بفضله = لمن استعان به لإشكالٍ طري فأجابه السبكي قائلا : قبّلت أسطر فاضلٍ بهر الورى ... ممّا لديه عجائبٌ لن تحصرا قد نال في علم البلاغة رتبةً ... عنها غدا عبد الرّحيم مقصّرا وأراد منّي حلّ مشكلة غدا ... تبيانها عندي كصبحٍ أسفرا وجوابه أنّ الكفور ولو أتى ... بقليل كفرٍ كان ذاك تكثّرا بخلاف من شكر الإله فإنّه ... بكثير شكر لا يكون مكثّرا فإذاً مراعاة التوازن ههنا ... محظورةٌ لمن اهتدى وتفكّرا فاصفح فعجزي عن جوابك ظاهرٌ ... كظهور ما بين الثّريّا والثّرى
  • ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﴿٢٤﴾    [سبأ   آية:٢٤]
قوله تعالى : ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﴿٢٤﴾ ﴾ [سبأ: ٢٤] ختم الله الآية الكريمة بما يسميه البلاغيون (تجاهل العارف)،ومزج الشك باليقين بإخراج ما تعرف صحته مخرج ما يشك فيه؛ ليزيد بذلك تأكيدًا ومبالغةً في المعنى، فلم يبين مَن مِن القبيلين على الهدى، ومَن منهما في الضلال، وهذا من إنصاف الخصم،وإقامة الحجة عليه، بترك الحكم فيه للعاقل، قال الزمخشري: "وهذا من الكلام المنصف الذي كل من سمعه من موال أو مناف قال لمن خوطب به : قد أنصفك صاحبك، وفي درجه بعد تقدمة ما قدم من التقرير البليغ دلالة غير خفية على من هو من الفريقين على الهدى، ومن في الضلال المبين, ولكن التعريض والتورية أنضل بالمجادل إلى الغرض, وأهجم به على الغلبة مع قلة شغب الخصم, وفل شوكته بالهوينا, ونحوه قول الرجل لصاحبه: (علم الله الصادق مني ومنك, وأن أحدنا لكاذب." وههنا نظرة أخرى في استعمال حرف الجر(على) مع الهدى, حيث قال: ﴿لَعَلَى هُدًى﴾ واستعمال (في) مع الضلال, فقال: ﴿ أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﴾، فـ (على) التي تدل على الاستعلاء, ومن استقام على الطريق المستقيم, وثبت على الحق، فإن طريق الحق تصعد بصاحبها إلى العلي الكبير، فلعلوه وثبوته واستقامته ناسب مجئ (على) معه, فكأنه مستعل على فرس جواد يركضه حيث شاء, بخلاف الضال صاحب الباطل؛ فإن انغماسه فيه وسلوكه طريق الضلال التي تأخذه سفلاً هاويةً به في أسفل سافلين، فكأنه منغمسٌ في ظلام، مرتبك فيه، لايدري أين يتوجه به. كذا قال الزمخشري. والله أعلم.
  • ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ ﴿٢٧﴾    [فاطر   آية:٢٧]
  • ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ ﴿٦٩﴾    [البقرة   آية:٦٩]
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ ﴿٢٧﴾ ﴾[فاطر:٢٧] . أشكل على العلماء قبل العامة قول الله تعالى: ﴿ وَغَرَابِيبُ سُودٌ ﴾؛فإن من عادة العرب في كلامهم عند اجتماع التابع والمتبوع أنهم يقدمون المتبوع، كقوله تعالى:﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ ﴿٦٩﴾ ﴾[البقرة :٦٩], فالأصفر يوصف بأنه فاقع، ويقولون:أسود غربيب،لكنه في هذه الآية عكس، فأتى بالتابع﴿وَغَرَابِيبُ﴾ قبل المتبوع﴿سُودٌ﴾، وقد وصف الإمام الزركشي – رحمه الله – هذه الآية، فقال : " هي من الآيات التي صدئت فيها الأذهان الصقيلة، وعادت بها أسنة الألسنة مفلولة، ومن جملة العجائب أن شيخًا أراد أن يحتج على مدرس لما ذكر له هذا السؤال، فقال: إنما ذكر السواد لأنه قد يكون في الغربان ما في بياض، وقد رأيته ببلاد المشرق!!!، فلم يفهم من الآية إلا أن الغرابيب هو الغراب، ولا قوة إلا بالله". وقد جعل بعض المفسريين سبب ذلك مراعاة الفواصل وختام الآيات, وقال الزركشي – رحمه الله- :"والذي يظهر في أن الموجب لتقديم (الغرابيب) هو تناسب الكلم، وجريانها على نمط متساوي التركيب؛ وذلك أنه لما تقدم البيض والحمر دون إتباع كان الأليق بحسن النسق وترتيب النظام أن يكون (السود) كذلك، ولكنه لما كان في (السود) هنا زيادة الوصف كان الأليق في المعنى أن يتبع بما يقتضي ذلك، وهو الغرابيب، فيقابل حظ اللفظ وحظ المعنى، فوفي الخطاب، وكمل الغرضان جميعًا، ولم يطرح أحدهما الآخر، فيقع النقص من جهة الطرح، وذلك بتقديم (الغرابيب) على (السود), فوقع في لفظ (الغرابيب) حظ المعنى في زيادة الوصف, وفي ذكر (السود) مفردًا من الإتباع حظ اللفظ؛ إذ جاء مجردًا عن صورة البيض والحمر، فاتسقت الألفاظ كما ينبغي،وتم المعنى كما يجب ،ولم يخل بواحدة من الوجهين، ولم يقتصر على (الغرابيب)،وإن كانت متضمنة لمعنى (السود) لئلا تتنافر الألفاظ،فإن ضم (الغرابيب) إلى (البيض) و(الحمر)، ولزها في قرن واحد : كابن اللبون إذا ما لز في قرن غير مناسب لتلاؤم الألفاظ وتشاكلها،وبذكر السود وقع الالتئام،واتسق نسق النظام،وجاء اللفظ والمعنى في درجة التمام،وهذا لعمر الله من العجائب التي تكل دونها العقول،وتعيا بها الألسن،لاتدري ما تقول،والحمد لله".
  • ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ ﴿١٨﴾    [ص   آية:١٨]
  • ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ ﴿١٩﴾    [ص   آية:١٩]
قوله تعالى :﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ ﴿١٨﴾وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ ﴿١٩﴾ ﴾ [ص: 18, 19] حيث عبر عن تسبيح الجبال بالفعل ﴿ يُسَبِّحْنَ ﴾، وعن حشر الطير بالاسم ﴿ مَحْشُورَةً ﴾، والتعبير بالفعل عن تسبيح الجبال للدلالة على حدوث ذلك منها شيئا بعد شيء، وحالاً بعد حال؛ ليتصور السامع للآية أنه يسمع تسبيحها، وأما التعبير بالاسم عن حشر الطير فلأنه أراد كون الطيور محشورة جملة واحدة، لا أنها تحشر مرة بعد أخرى، فهي كانت محشورة لداود –عليه السلام- في كل وقت يأمرها حيث شاء.
إظهار النتائج من 6601 إلى 6610 من إجمالي 12325 نتيجة.