قوله تعالى : ﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴿ 73 ﴾﴾ [الزمر: 73] .
حيث جواب الشرط ﴿ إِذَا ﴾ الذي يمكن أن يقدر بـ(حتى إذا جاءها وجدوا ما يقصر عنه البيان)؛ لأن وصف مايجدونه، ويلقونه عند ذلك في الجنة لا يتناهى، فلا يحيط به لفظ، فجعل الحذف دليلا على ضيق الكلام عن وصف ما يشاهدونه، وتركت النفوس تقدر ما شأنه، ولا تبلغ مع ذلك كنه ما هنالك؛ لقول لله عز وجل في الحديث القدسي فيما رواه الشيخان –رحمهما الله- عن أبي هريرة رضي الله عنه: (اعددت لعبادي الصالحين ما لاعينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر).
وههنا سؤال جدير الإجابة هو:لماذا أدخل الواو مع الجنة في قوله: ﴿ وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا ﴾، ولم يدخلها مع النار في قوله :﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴿ 71 ﴾﴾[الزمر: 71] .
وقبل الإجابة على هذا السؤال أذكر أنه قد اجتمع في مجلس سيف الدولة الحمداني أبو علي الفارسي وأبو عبدالله الحسين بن خالويه، فسئل ابن خالويه ذاك السؤال، فقال: هذه الواو تسمى واو الثمانية؛ لأن العرب لا تعطف الثمانية إلا بالواو.
فنظر سيف الدولة إلى أبي علي، وقال له: أحق هذا؟ فقال أبو علي: لا أقول كما قال، إنما تركت الواو في النار لأنها مغلقة، وكان مجيئهم شرطا في فتحها، فقوله:﴿ فُتِحَتْ﴾ فيه معنى الشرط، وأما قوله: ﴿ وَفُتِحَتْ﴾ في الجنة فهذه واو الحال، كأنه قال: جاءوها وهي مفتحة الأبواب، أو: هذه حالها.
وهذا هو القول الصحيح؛ لأن النار تكون مغلقة حتى يردوها، وفي ذلك اشتداد لحرارتها، ولأن من العادة أن يهان المعذبون بالسجون، فتغلق حتى يأتوها، ومن العادة أيضا أن يكرم المنعمون بفتح الأبواب قبل وصولهم إليها، ويؤيده قوله تعالى في سورة أخرى: ﴿ هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآَبٍ ﴿ 49 ﴾ جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ ﴿ 50﴾ [ص: 49 , 50].
وأما واو الثمانية التي أشار إليها ابن خالويه فهي التي تلحق الثامن من الأعداد وغيرها، فالعرب تقول: واحد، اثنان، ثلاثه، أربعه، خمسه، سته، سبعه، وثمانيه، وجعل الحريري منها قوله تعالى:﴿ التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴿ 112 ﴾ [التوبة: 112] .
وابن خالويه يرى أن أبواب الجنة ثمانية، لذلك دخلت الواو، وتابعه في ذلك أبو القاسم الحريري، وقيل : أن الواو زائدة، والصحيح أنها حالية كما سبق.
قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ ﴿ 48 ﴾﴾ [الشورى: 48] .
سبق أن وضحت الفرق بين (إذا) و(إن) الشرطيتين، وإذا تأملت هذه الأية وجدت ﴿ إِذَا﴾جاءت مع الرحمة، ووجدت ﴿ إِنْ﴾جاءت مع السيئة؛ وذلك –والله أعلم- لتغليب رحمة الله على عذابه، ولأن ما يعفو عنه الله أكثر، ثم إن هذا الاستعمال يدل على مدى كفران الإنسان لنعم الله؛ فالله قد غمره بالنعمة والرحمة في أكثر أحواله، وحين يقدر المولى –عز وجل- على المرء أن تصيبه سيئة عابرة بسبب ما قدمته يداه، يظهر معدنه الأصلي، فيكفر، ويجزع، وصدق الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ [هود: 9], ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: 34], ﴿ وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا﴾[الإسراء: 83], ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُور﴾ [الحج: 66], ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ﴿19﴾إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا ﴿20﴾ وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ﴿21﴾إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾ [المعارج: 19-22] .
وقد أشار أبن القيم – رحمة الله- إلى شيء من صور الجمال الأسلوبي في هذه الآية فقال: "وأتي في الرحمة بالفعل الماضي الدال على تحقيق الوقوع :﴿أَذَقْنَا﴾،﴿فَرِحَ بِهَا﴾, وفي حصول السيئة بالمستقبل الدال على أنه غير محقق ﴿ تُصِبْهُمْ ﴾.
وكيف أتى في وصول الرحمة بفعل الإذاقة ﴿أَذَقْنَا ﴾الدال على مباشرة الرحمة لهم، وأنها مذوقه لهم، والذوق هو أخص أنواع الملابسة، وأشدها.
وكيف أتى في الرحمة بحرف ابتداء الغاية مضافة إليه، فقال: ﴿ مِنَّا رَحْمَةً ﴾وأتى في السيئة بباء السببية مضافة إلى كسب أيديهم:﴿ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾.
وكيف اكد الجملة الأولى التي تضمنت إذاقة الرحمة بحرف ﴿إِنَّ﴾دون الجملة الثانية. وأسرار القرآن أكثر وأعظم من أن تحيط بها عقول البشر.
وتأمل قوله تعالى:﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: 67].كيف أتى بـ ﴿إِذَا﴾ههنا لما كان مس الضر لهم في البحر محققا، بخلاف قوله: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾[فصلت: 49],فإنه لم يقيد مس الشر هنا، بل اطلقه، ولما قيده بالبحر الذي هو متحقق فيه ذلك أتى بأداة﴿إِذَا﴾.
وتأمل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا﴾[الإسراء: 83] كيف أتى هنا بـ ﴿إِذَا﴾المشعرة بتحقيق الوقوع المستلزم لليأس؛ فإن اليأس إنما حصل عند تحقق مس الشر له، فكان الإتيان بـ﴿إِذَا﴾ههنا أدل على المعنى المقصود من (إن) بخلاف قوله: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ ﴿51﴾﴾[فصلت: 51]؛فإنه بقلة صبره وضعف احتماله متى توقع الشر أعرض، وأطال في الدعاء، فإذا تحقق وقوعه كان يؤوساً. ومثل هذه الأسرار لا يرقى إليها إلا بموهبة من الله، وفهم يؤتيه عبدا في كتابه".
قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿3﴾ وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آَيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴿4﴾ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آَيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴿5﴾﴾ [الجاثية: 3-5] .
يظن بعض العلماء أن فواصل الآيات، وهي خواتيمها، ذات فوائد لفظية فقط، فتقع الفاصلة عند الاستراحة في الخطاب لتحسين الكلام بها.
لكن هذا غير سديد، بل إنلها فوائد مزدوجة في آن واحد: لفظية ومعنوية، نقل عن الزمخشري: "أنه لا تحسن المحافظة على الفواصل لمجردها إلا مع بقاء المعاني على سدادها على النهج الذي يقتضيه حسن النظم والتئامه، كما لا يحسن تخير الألفاظ المونقة في السمع السلسلة على اللسان إلى مع مجيئها منقادة للمعاني الصحيحة المنتظمة، فأما أن تهمل المعاني، ويهتم بتحسين اللفظ وحده غير منظور فيه إلى مؤداه على بال، فليس من البلاغة في فتيل أو نقير، ومع ذلك يكون قوله: ﴿وَبِالآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: 4], وقوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: 3].لا يتأتي فيه ترك رعاية التناسب في العطف بين الجمل الفعلية إيثارا للفاصلة؛ لأن ذلك أمر لفظي لا طائل تحته، وإنما عدل إلى هذا لقصد الاختصاص".
وتأمل هذه الآيات الثلاث من سورة الجاثية والتي هي موضع النظرة، تجد أن ختام كل واحدة منها تتناسب مع مبتداها، لكن إدراك المناسبة يحتاج إلى إعمال ذهن، وقد فصلها الزركشي رحمة الله, فقال :" إن البلاغة تقتضي أن تكون فاصلة الآية الأولى: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾؛ لأنه -سبحانه- ذكر العلم بجملته، حيث قال﴿السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ومعرفة الصانع من الآيات الدالة على أن المخترع له قادر عليم حكيم، وإن دل على وجود صانع مختار لدلالاتها على صفاته مرتبة على دلالتها على ذاته، فلابد أولا من التصديق بذاته حتى تكون هذه الآيات دالة على صفاته؛ لتقدم الموصوف وجودا واعتقادا على الصفات.
وكذلك قوله في الآية الثانية:﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾فإن سر الإنسان وتدبر خلقه الحيوان، أقرب إليه من الأول، وتفكره في ذلك مما يزيده يقينا في معتقده الأول.
وكذلك معرفة جزئيات العالم، من اختلاف الليل والنهار، وإنزال الرزق من السماء، وإحياء الأرض بعد موتها، وتصريف الرياح، يقتضي رجاحة العقل، ورصانته؛ لنعلم أن من صنع هذه الجزئيات هو الذي صنع العالم الكلي، التي هي أجرامه وعوارض عنه، ولايجوز أن يكون بعضها صنع بعضاً؛ فقد قام البرهان على أن للعالم الكلي صانعاً مختاراً، فلذلك اقتضت البلاغة أن تكون فاصلة الآية الثالثة ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾،وإن احتيج إلى العقل في الجميع، إلا أن ذكره ههنا أنسب بالمعنى الأول؛ إذ بعض من يعتقد[أن الله] صانع العالم ربما قال: إن بعض هذه الآثار يصنع بعضاً، فلابد إذا من التدبر بدقيق الفكر وراجح العقل" .
قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾[الأحقاف: 31].
قوله : ﴿مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ ليست فيه ﴿مِنْ﴾بمعنى (بعض)؛ لأن الحديث عن جزاء الإيمان بالله وترك الكفر، والانتقال من الكفر إلى الإيمان يمحو الذنوب التي وقع فيها صاحبها قبل إيمانه كلها، ويدل على ذلك ماعطف الله عليه بعده، حيث قال: ﴿وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾والإجارة من عذاب الله لا تكون إلى بعد غفران الذنوب كلها، فدل هذا كله على أن التبعيض غير مقصود بالآية.
إذاً فلماذا عدى الفعل ﴿يَغْفِرْ﴾ بحرف الجر ﴿مِنْ﴾, مع إمكان أن يعديه بنفسه؟ ، وقد ورد كذلك في آيات أخرى, كقوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: 31] .
الجواب: أن الفعل ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ضمن معنى: (ينقذكم, ويخرجكم منها), قال أبو القاسم السهيلي - رحمه الله - : "ولكن لا يكون ذلك في القرآن إلا حيث يذكر الفاعل الذي هو المذنب, نحو قوله: ﴿لَكُمْ﴾؛ لأنه المنقذ المخرج من الذنوب, ولو قلت: (يغفر من ذنوبكم) – دون أن تذكر الاسم المجرور – لم يحسن إلا على معنى التبعيض؛ لأن الفعل الذي كان في ضمن الكلام, وهو الإنقاذ, قد ذهب بذهاب الاسم الذي هو واقع عليه".
وفي قوله تعالى: ﴿وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ ﴿أَلِيمٍ ﴾: أبلغ من (مؤلم)؛ لأن (مؤلما) يجوز أن يكون قد آلم, ثم زال الألم, أما (أليم) فيدل على ملازمة الألم وعدم انقاطعه. والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾[الأحقاف: 35] .
خصت الساعة بكونها من ساعات النهار، لا من ساعات الليل؛ لأن النهار يقصر بسبب التشاغل فيه، ويشبه حينئذ بإبهام القطاة, أو بسالفة الذباب، أو بظل الوتد، قال جرير
ويوم كإبهام القطاة تخايلت ضحاه وطابت بالعشي أصائله
وقال الآخر:
ويوم عند دار أبي نعيم قصير مثل سالفة الذباب
وتقول العرب: (يوم أقصر من ظل الوتد)، وقال الشاعر:
فهذا طويل كظل القناة وهذا قصير كظل الوتد
وقال الخوارزمي:
ولازالت عداك بكل أرض لهم من سوء ظنهم نذير
قصير نهارهم خوف طويل بهم وطويل عمرهم قصير
وهكذا هو شأن ساعات النهار، مالم يكن ثم ما يخالف المعتاد، كأن يكون الناظر إلى النهار مدينا؛ فإنه يرى ساعاته (أثقل من ثهلان)؛ لما يلقي فيه من هموم مناجزة الغرماء، وأنى لمثله صبر؟ وقد قيل: (أثقل من الصبر على العدم)، وقد تمنى بعض المثقلين بالدين، المبتلين بالفقر، تمنى دوام الليل؛ لما يجد في النهار من الدائنين ولما يحتاج إليه من النفقة في كل يوم، فقال:
ألا ليت النهار يعود ليلا فإن الصبح يأتي بالهموم
حوائج لا نطيق لها قضاء ولا ردا وروعات الغريم
أما الليل فإنه يوصف عادة بالطول، وكذلك ساعاته.
يقول التنوخي:
وليلة كأنها طول الأمل ظلامها كالدهر ما فيه خلل
كأنما الإصباح فيها باطل أزهقه الله لحق فبطل
ساعتها أطول من يوم النوى وليلة الهجر وساعات العذل
موصدة على الورى أبوابها كالنار لا يخرج منها من دخل
ولا تقتصر ساعاته إلا على الراقد فيه، قالت العرب في الأمثال: (أقصر من الليل على الراقد)، وقيل: (ما أقصر الليل على الراقد!)، وقال ديك الجن :
من نام لم يدر طال الليل أم قصرا ما يعرف الليل إلا عاشق سهرا
أما على الساهر والمحب فيضرب به المثل في الطول، قال البحراني:
أما لهذا الليل من آخر قد بلغ التسهيد من ناظر
بت وما أعرف طيب الكرى ما أطول الليل على الساهر!!
وقال خالد الكاتب:
رقدت ولم ترث للساهر وليل المحب بلا آخر
والمراد بقوله في الآية الكريمة ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ تقليل مدة لبثهم في الحياة الدنيا حين يرون العذاب، فشبهها بساعة من النهار تنقضي بسرعة، فالله أكبر، ما أجمل هذا البيان، وأبلغه!!!.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: 49] .
قرأ القراء السبعة: ﴿كُلَّ شَيْءٍ ﴾ بنصب ﴿ كُلَّ ﴾، وهو الراجح، ورفع ﴿كُلّ﴾، وهي قراءة أبي السمال، مرجوح؛ لأنه اسم مشتغل عنه، حيث نصب العامل بعده ضميره ﴿خَلَقْنَاهُ﴾، فيكون الراجح نصب الاسم المشتغل عنه بفعل مقدر، يفسره الفعل المذكور، والتقدير:
(إنا خلقنا كل شيء خلقناه بقدر)، ورفعه غير راجح؛ لأنه قد يوهم أن الجملة المذكورة:﴿خَلَقْنَاهُ﴾ صفة لـ﴿شَيْءٍ ﴾، فيكون المعنى: (إنا كل شئ مخلوق بقدر)، فأفهم ذلك أن مخلوقا ما يضاف إلى غير الله تعالى ليس بقدر، وهذا ما يميل إليه المعتزلة، كأبي علي الفارسي والزمخشري؛ لأنهم يقسمون المخلوقات إلى مخلوق لله، ومخلوق لغير الله، والقسم الأخير عندهم هو أفعال العباد الاختيارية، وأفعال الشر، مع أن هذه الآية صريحة الدلالة على خلق كل شئ من قبل الله تعالى، ولذلك قال أبن المنير –رحمه الله- في كتابه (الانتصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال): "لكن الزمخشري لما كان من قاعدة أصحابه تقسيم المخلوقات إلى مخلوق لله، ومخلوق لغير الله، فيقولون: هذا لله، بزعمهم، وهذا لنا، فغرت هذه الآية فاه، وقام إجماع القرّاء حجة عليه، فأخذ يستروح إلى الشقاء، وينقل قراءتها بالرفع، فليراجع له، ويعرض عليه إعراض القراء السبعة عن هذه الرواية".
قوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ﴾ [الواقعة: 65] .
فـ﴿ لَوْ ﴾الشرطية التي تسمى (حرف امتناع لا متناع)، اقترن جوابها باللام ، وهي كما يقول النحويون: يكثر اقتران جوابها باللام إذا كان فعلا ماضيا ولكننا نجد قولالله تعالى عن الماء ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ ﴾ [الواقعة: 70] ، فجاء جوابها الماضي غير مقرون باللام وفي ذلك نكت بلاغية عظيمة، منها: أن الله سبحانه تعالى أكد وعيده بجعل الزرع حطاما؛ لأن الكفار قد تعبوا في الزراعة والسقي، وظلوا ليالي وأياما طويلة في انتظار الثمر، فإهلاك الزرع، وجعله حطاما، أشق على أنفسهم من نزول المطر عليهم أجاجا، الذي لا حول لهم به ولا قوة، ولم ينلهم تعب ولا نصب في إنزاله، ولذلك أكد مع الزرع باللام، وترك التوكيد مع الماء.وقيل: إن جعل الحرث حطاما قلب للمادة والصورة، وجعل الماء أجاجا قلب للكيفية، ففي نظر الكفار أنه مع الحرث أشد وأشق، ومع الماء أسهل وأيسر، فراعى حالهم، فأكد الأول، وترك الثاني دون تأكيد.
وقيل: إن اللام أدخلت على آية المطعوم؛ للدلالة على أنه يقدم على أمر المشروب، وأن الوعيد بفقده أشد وأصعب؛ من قبل أن المشروب إنما يحتاج إليه تبعا للمطعوم، ولهذا أيضا قدمت آية المطعوم على آية المشروب.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآَتَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ [الحديد: 27] .
جعل أبو علي الفارسي ﴿ وَرَهْبَانِيَّةً ﴾ مفعولا به لفعل محذوف يفسره العامل المذكور بعده: ﴿ابْتَدَعُوهَا﴾، والواو عند للاستئناف، وليست ﴿رَهْبَانِيَّةً﴾ معطوفة على ﴿ رَأْفَةً ﴾، قال في كتابه( الإيضاح العضدي): "فقوله: ﴿رَهْبَانِيَّةً ﴾ محمول على فعل، كأنه قال: (وابتدعوا رهبانية ابتدعوها)، ألا ترى أن الرهبانية لا يستقيم حملها على ﴿جَعَلْنَا﴾ مع وصفها بقوله: ﴿ابْتَدَعُوهَا﴾؛ لأن ما يجعله هو تعالى لا يبتدعونه هم".
وتبع الزمخشري أبا على الفارسي في إعرابه، وذكر قراءة الرفع لـ﴿ رَأْفَةً ﴾، لكنه فسرقوله: ﴿جَعَلْنَا﴾ بـ (وفّقنا)، فقال: "أي: وفّقناهم للتراحم والتعاطف بينهم".
وهذا الاعراب منها مرجعه كونهما من المعتزلة، وهم يقولون: ما كان من أفعال العباد فلا يكون مخلوقا لله، فالرأفة والرحمة من خلق الله، والرهبانية من ابتداع الإنسان، فهي مخلوقة له، وهم يعتقدون أن ما يفعله الإنسان لا يفعله الله تعالى، ولايخلقه.
قال ابن المنير –رحمه الله- : " في إعراب هذه الآية تورط أبو علي الفارسي، وتحيز إلى فئة الفتنة وطائفة البدعة، فأعرب﴿رَهْبَانِيَّةً﴾ على أنها منصوبة بفعل مضمر يفسره الظاهر، وعلل امتناع العطف، فقال: (ألا ترى أن الرهبانية لا يستقيم حملها على ﴿جَعَلْنَا﴾، مع وصفها بقوله: ﴿ابْتَدَعُوهَا﴾؛ لأن ما يجعله هو تعالى لا يبتدعونه هم).
والزمخشري ورد أيضا مورده الذميم، وأسلمه شيطانه الرجيم، فلما أجاز مامنعه أبو علي من جعلها معطوفة أعذر لذلك بتحريف الجعل إلى التوفيق فرارا مما فر منه أبو علي من اعتقاد أنذلك مخلوق الله تعالى، وجنوحا إلى الإشراك واعتقاد أنّ ما يفعلونه هم لا يفعله الله تعالى، ولا يخلقه، وكفى بما في هذه الآية دليلا بعد الأدلة القطعية والبراهين العقلية على بطلان ما اعتقداه؛ فإنه ذكر محل الرحمة والرأفة مع العلم بأن محلها القلب، فجعل قوله: ﴿ فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ ﴾ تأكيدا لخلقه هذه المعاني وتصويرا لمعنى الخلق بذكر محله، ولوكان المراد أمرا غير مخلوق في قلوبهم لله تعالى –كما زعما- لم يبق لقوله: ﴿ فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ ﴾ موقع"
وأقول: إن هذا الإعراب من الفارسي والزمخشري باطل، ولا يستقيم على قواعد اللغة؛ لأن جعل هذه الآية من باب النصب على الاشتغال غير صحيح؛ فمن شروط الاسم المشتغل عنه أن يكون مختصا؛ ليصح رفعه بالابتداء، والمبتدأ لا يكون إلا معرفة، أو نكرة مختصة، أما في هذه الآية فـ﴿رَهْبَانِيَّةً﴾ نكرة غير مختصة، فلا يصح أن تكون من باب الاشتغال، وإنما الإعراب الصحيح لها أن تكون الواو عاطفة، و﴿رَهْبَانِيَّةً﴾ معطوفة على ﴿ رَأْفَةً ﴾، ووصفت (الرهبانية) بجملة ﴿ابْتَدَعُوهَا﴾؛ لأن الرأفة والرحمة في القلب، ولا تكسب للإنسان فيهما، بخلاف الرهبانية فإنها أفعال بدن مع شيء في القلب، ففيها موضع للتكسب. والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾[المجادلة: 22] .
فقوله: ﴿يُوَادُّونَ﴾ من الفعل الماضي (وادَّ) على وزن (فاعَل)، وصيغة (فَاعَل) تدل على المشاركة، مثل قاتل، وضارب، وساهم، وهكذا شأن هذا الوزن في دلالته على أنه فعل لا ثنين إلا في أفعال محصورة جاءت على وزن (فاعل)، ولم تدل على المشاركة، وهي: قاتل الله فلانا، وبارك الله فيك، وبادر، وراقب، وضاعف، وقاسي، وعاين، وعافى، وعاقب، وداين، وباعد، وجاوز، وشارف، وناول، وظاهر.
ومجئ ﴿يُوَادُّونَ﴾ في هذه الآية الكريمة، وهي التي تدل على المشاركة في المودة، التي هي من أعلى مراتب المحبة، ودون الخلة، تعنى –والله أعلم- نهي المؤمن عن مبادلة الكافر ممن يحاد الله المودة إذا ابتدأه الكافر بها، فلا يصح من المؤمن أن يقابل محبة الكافر الذي تلك صفته محبته له بمثلها، وإذا كان النهي عن مبادلته المحبة فإن مبادرة المؤمن للكافر بالمحبة أولى بالنهي، وأشد في الأثم.
والمتأمل لقول الله تعالى: ﴿ لَا تَجِدُ قَوْمًا ﴾ يلحظ أن التعبير قد جاء بصيغة الخبر، الذي هو ضد الإنشاء، مع أن المراد بذلك النهي، وذلك للمبالغة في الزجر عن محبتهم، والأمر بمجانبتهم، والاحتراس من مخالطتهم ومعاشرتهم، فجاء النظم القرآني معبرا عن ذلك بأنه من المحال وجود مؤمنين صادقين في إيمانهم حقا يوادون أعداء الله من المشركين. والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾[الحشر: 2] .
تأملوا قوله: ﴿ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ ﴾ حيث قدم خبر المبتدأ: ﴿ مَانِعَتُهُمْ ﴾ على المبتدأ: ﴿حُصُونُهُمْ﴾، وجعل الجملة المكونة فيها خبرا لـ(أن)، وجعل اسمها ضميرا عائدا على اليهود، ويمكن لقائل أن يقول: (ظنوا حصونهم مانعتهم)، أو: (ظنوا أن حصونهم مانعتهم)، فهذا هو الأصل، لكن التحول عن الأصل جاء مراعاة لحال أولئك اليهود الممتلئة قلوبهم غرورا بقوتهم المادية فقدم خبر المبتدأ: ﴿ مَانِعَتُهُمْ ﴾ الدال على العزة والحصانة؛ لفرط وثوقهم بحصانتها ومنعها إياهم، من حيث ارتفاعها، وقوة بنائها، وتوافر أسباب الأمان فيها، فحمايتها لهم أمر مقطوع به لديهم.
أما تصيير ضميرهم اسما لـ (أن) من ﴿ أَنَّهُمْ ﴾، وإسناد الجملة إليه، فدليل على اعتقادهم في أنفسهم أنهم في عزة ومنعة لا يبالي معها بأحد يتعرض لهم، أو يطمع في مغالبتهم، كذا قال الزمخشري في (كشافه).
وأقول : هكذا شأن اليهود في كل زمان ومكان، يهولون شأن قوتهم، ويتباهون بجنسهم، وينسون أن قدرة الله تعالى فوق كل قدرة، ولذلك كان الرد عليهم حاسما، قال الله تعالى:﴿ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ﴾، فالله وحده هو الذي أتاهم من حيث لم يشعروا، ولم يتوقعوا، وهو وحده الذي قذف في قلوبهم الرعب، فسبحان قاصم الجبابرة ومذل المتكبرين!!!.